المدونة

  • الفصل الأول التعريف بالشريعة الاسلامية خصائصها ومقاصدها

    📖 المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية — الفصل 2 من 4 — فهرس الكتاب

    المبحث الأول : تعريف الشريعة الاسلامية

    المطلب الأول : تعريف الشريعة

    أولا : التعريف اللغوي ، الشرع لغة مصدر شرع بالتخفيف ، ومصدر شرع بالتشديد

    ويراد بها الطريق المستقيم لأن لفظ شرع يدل على الاظهار والبيان ، قال تعالى إنا جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ، وقال تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، والمعنى هنا هو السبيل والسنة أي الطريقة التي تسن بها الأحكام .

    قال تعالى : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ” ومعنى الآية أن التشريع من اختصاص الله لأنه الحاكم بالحق وغيره باطل .

    ثانيا : التعريف الاصطلاحي ، هي ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والاخلاق التي جاء بها رسله ، قال ابن حزم هي ما شرعه الله على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام .

    شريعة الله هي المنهج الحق المستقيم الذي يصون الانسانية من الزيغ والانحراف والوقوع في الهلاك . وقد جاءت مستقيمة كمورد الماء الذي يغذي الابدان والشريعة تحيي النفوس والعقول

    الشريعة الاسلامية هي الاحكام التي شرعها الله سبحانه لعباده سواء تعلق الأمر بالعقائد أو العبادات والمعاملات والاخلاق وتنظم الحياة بين الناس وعلاقة الناس بربهم ومع بعضهم وتحقق سعادتهم في الدنيا والاخرة .

    المطلب الثاني : الفرق بين الشريعة الاسلامية ومدلولات أخرى

    الشريعة والاسلام : الشريعة هي الأحكام التي شرعها الله سبحانه لعباده على لسان الرسل

    أما الاسلام لغة فهو الانقياد والخضوع لله سبحانه اعتقادا بالقلب وعملا بالجوارح

    وشرعا هو الايمان بالله واتباع أوامره واجتناب نواهيه ، وبمعناه الخاص اسم ا لدين الذي ختمت به الشرائع وهو مرادف الشريعة الاسلامية ، وبمعنى آخر هو اركان الدين الخمسة

    الشريعة والدين : لفظ الشريعة الاسلامية والدين له معنى واحد فالأحكام الالاهية دين ومن حيث أنها تكتب وتملى فهي ملة ومن حيث أنها مشروعة فهي شريعة .

    الشريعة والفقه : الفقه هو معرفة باطن الشيء والوصول إليه ، يقال أوتي فقها في الدين يعني فهما فيه ، والفقه أخص من الفهم ، وهو معرفة النفس ما لها وما عليها وهو عموما يشمل جميع الأحكام الشرعية في الاسلام سواء كانت بنص صريح ام باجتهاد .

    اقسام الفقه الاسلامي : العبادات ، المعاملات

    فما كان مع الله فهو فقه عبادة ، وأما الناس فلهم فقه المعاملة .

    يقسم إلى عبادات ومعاملات

    الحنفية قسموه إلى : عبادات ومعاملات ومزاجر

    ابن نجيم اعتقادات عبادات معاملات مزاجر ادب

    الشافعية قسموه عبادات مناكحات معاملات عقوبات

    شمولية الفقه الاسلامي لجميع فروع القانون الوضعي

    بما أن الاسلام دين ودولة فقد تكفل تشريع جميع نواحي الانسان ، سواء علاقته بالناس أو مع ربه أو مع الخارج ، وقد تأثر به الكثير ، نظرا لشموليته وهو نظام متطور يراعي حياة الناس المتجددة ، كما أنه خالد لأنه من الله وليس وضعيا من صنع البشر

    القانون المدني في التشريع الوضعي

    أولا : أحكام الأسرة : ويتناول الزواج الطلاق الوصاية الحجر الارث الرضاعة النفقة الحضانة الوصية فالاسلام يهتم بالإنسان منذ ولادته إلى غاية مماته وتفريق ميراثه

    ثانيا : المعاملات المالية : سواء مدنية أم تجارية فتجد الفقهاء يرتبون أبوابها البيع القرض الاجارة الوديعة العارية الشفعة الشركة الوكالة الكفالة التعدي على أموال الغير وقد كانوا يحكمون العرف لتطلب التجارة السرعة

    القانون الداخلي العام

    القانون الدستوري ، وهو أسمى قانون في الدولة وينظم أسس الدولة وعلاقة الحاكم بالمحكوم

    القانون المالي : ويراد به مجموع الأحكام التي تنظم مالية الدولة ، وقد بحثه الفقهاء في عدة مواضع في كتب الفقه الاسلامي ككلامهم عن الزكاة والخراج والعشر والركاز والمعادن وبيت المال حيث نظم العلاقات المالية بين الناس والدولة والفقراء والاغنياء كما نظم موارد بيت المال وكيفية صرفه وهو ما يطلق عليه اليوم المالية العامة

    القانون الاداري ، وهو الاحكام التي تنظم السلطة الادارية وسلطتها على المرافق العامة واختصاصات الإدارة في الدولة

    القانون الجنائي : وهو مجموع الأحكام التي شرعت لحفظ حياة الناس وأموالهم حيث يحدد العقوبات لكل جريمة والإجراءات الواجب اتباعها لملاحقتهم ومتابعتهم ومعاقبتهم

    القانون العام الخارجي ، ويعرف في الفقه الاسلامي بالسير والمغازي ، وهي الأحكام التي تنظم علاقة الدولة مع سائر الدول في زمن الحرب أو السلم أو المعاهدات والاتفاقيات

    المرافعات والإثباتات : وهي الإجراءات المتبعة في رفع الدعوى وإجراءات تطبيق الأحكام القضائية ويعرف اليوم باسم قانون المرافعات

    المطلب الثالث : التشريع الوضعي والاسلامي

    • التشريع الوضعي : ينشأ في القبيلة أو الجماعة صغير ثم يكبر معها ويراعي تطورها فهي من تصنعه وتطوره على حسب رغبتها

    • التشريع الاسلامي : ولد شابا ونزل من عند الله كاملا شاملا ولم يأت لقبيلة محددة بل لكل المسلمين وجاءت لكل زمان ومكان ودولة وبلاد وغير قابلة للتغيير والتعديل سوى في مرونتها حسب الزمان والمكان دون أن تفقد جوهرها وغايتها

    • اختلاف التشريع الاسلامي عن التشريع الوضعي

    • لا يمكن المقارنة بينهما فجوهرهما مختلف جذريا

    • التشريع الوضعي من صنع البشر لذلك فهو ناقص وعاجز ودائما يتغير أما الشريعة الاسلامية فهي من عند الله وهي محيطة بكل شيء وليست بحاجة للتغيير أو التبديل لأن قدرة الله تتجلى فيها بعلمه بكل شيء

    • الشريعة الاسلامية ظلت على مر قرون صالحة لكل زمان حيث تتميز بالمرونة والسمو بينما تغير القانون الوضعي كل يوم

    الشريعة الاسلامية ودعوى تأثرها بالقانون الروماني

    لا علاقة للشريعة الاسلامية بالقانون الروماني لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذا القانون ولم يسافر إلى روما ولا غيرها

    المبحث الثاني : مقاصد الشريعة وخصائصها

    مقاصد الشريعة مبنية على جلب المصالح وحفظها ودرء المفاسد ، وهي ضرورية وحاجية وتحسينية .

    المطلب الأول : مقاصد الشريعة

    مقاصد ضرورية

    • حفظ الدين : وهو الاحكام والعقائد التي شرعها الله سبحانه لهذا وجبت الحرب على من يمنع تبليغ دعوة الله وشرعت عقوبة الردة لمن يبدل دينه ، والردة تكون بالقول أو بفعل شنيع في حق الاسلام ويمهل المرتد ثلاثة أيام وإلا يقتل .

    • حفظ النفس : تحريم قتل النفس بغير حق ، وشرع لحمايتها القصاص والكفارة والدية وعدم القائها في التهلكة ودفع الضرر عنها بكل وسيلة وكل أسباب بقاء النسل البشري من زواج و توالد وأكل وشرب وسكن .

    • حفظ العقل : حرم السكر والمخدرات .

    • حفظ العرض : عقوبة الزنا والقذف .

    • حفظ المال : المحافظة على أموال الناس ، كعقوبة السرقة وتحريم الغش وأكل أموال الناس وإتلاف مال الغير ونظم البيع والتجارة بالعدل والحق

    المقاصد الحاجية : وهي الأمور التي تسهل حياة الناس وترفع الحرج عنهم مثل التيمم والفطر في رمضان وأكل الميتة وإباحة المساقات والمزارعة وغيره .

    المقاصد التحسينية : ترجع في أصلها إلى مكارم الأخلاق وهي مكملة ، كالطهارة وعدم الخطبة فوق الخطبة والزينة عند المسجد وأداب الأكل والشرب والسفر .

    المطلب الثاني : خصائص الشريعة الاسلامية

    يرجع تميز الشريعة الاسلامية إلى مصدر التشريع وطبيعتها وكذا إلى الكيفية والمسار الذي سلكته هذه الشريعة .

    وأهم خصائصها هي : من عند الله ، شاملة وخالدة ، جزاؤها دنيوي وأخروي ، لها نزعة جماعية ، الوسطية والاعتدال .

    • من عند الله ، فهي وحي إلاهي متمثل في القرآن والسنة النبوية فهي لم تكون قليلة ثم كثرت ولم تكن أولية ثم تهذبت بل هي موحى بها من عند الله نزل بها الروح الأمين على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان عرب مبين ، فكانت دستورا للأمة الاسلامية إلى يوم الدين وتكفل بحفظه .

    • شاملة وخالدة ، تتسم بالكمال لأنها من عند الله سبحانه وهي جامعة شاملة لكل مناحي الحياة سواء الأمور المالية أو الأحوال الشخصية والمعاملات المجتمعية وتنظيم الحكم والادارة والسياسة سواء أمور فردية أو جماعية ، ما فرطنا في الكتاب من شيء ، وهي شريعة خالدة تتضمن كل ما يحتاجه الناس في حياتهم .

    • لها جزاءان دنيوي وأخروي ، ثواب وعقاب ، بخلاف القانون الوضعي الذي لا يحترم الا الجانب الدنيوي لذلك تزداد الجرائم والفساد الخلقي والتهرب من عقاب السلطات كلما سنحت الفرصة ، فالشريعة الاسلامية اصلح نظام وأعدله لأنها مزجت بين أحكام الدنيا والاخرة وروحها تسري في الواقع والقلب .

    • نزعة جماعية ـ فهي تهدف إلى صلاح الجماعة والفرد معا وهي تشمل جميع الناس ، وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا .

    • الوسطية والاعتدال ، شريعة متوازنة بين طرفين متضادين بلا افراط ولا تفريط ، وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، فكل شريعة تجدها تميل إلى شيء إلا الشريعة الاسلامية وسطية ومعتدلة بلا عصبية ولا حزبية ولا اقليمية ولا شخصية .

    📗 خلاصة الباب

    • الشريعة لغة الطريق المستقيم، واصطلاحا هي ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات جاء بها الرسل، وتختلف عن مدلولات قريبة منها: الإسلام (الانقياد والخضوع لله)، الدين (نفس معنى الشريعة من حيث الأحكام)، والفقه (معرفة الأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية).
    • ينقسم الفقه الإسلامي إلى عبادات ومعاملات (مع تفريعات أخرى عند الحنفية والشافعية)، وهو يشمل جميع فروع القانون الوضعي: أحكام الأسرة والمعاملات المالية (القانون المدني)، والقانون الدستوري والمالي والإداري والجنائي والدولي العام والمرافعات (القانون العام)، مما يعكس شمولية الشريعة لكل نواحي حياة الإنسان الفردية والجماعية.
    • يختلف التشريع الإسلامي جذريا عن التشريع الوضعي: فالأول من عند الله كامل شامل خالد صالح لكل زمان ومكان، بينما الثاني من صنع البشر ناقص متغير باستمرار، ولا صحة لدعوى تأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني.
    • تقوم مقاصد الشريعة على جلب المصالح ودرء المفاسد عبر ثلاث مراتب: الضرورية (حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال)، الحاجية (تيسر الحياة وترفع الحرج)، والتحسينية (مكارم الأخلاق)، وتتميز الشريعة بخصائص: أنها من عند الله، شاملة خالدة، ذات جزاء دنيوي وأخروي، جماعية النزعة، ووسطية معتدلة.

  • أزمة علم السياسة المعاصر وسبل تجاوزها

    📖 المدخل إلى العلوم السياسية — الفصل 6 من 6 — فهرس الكتاب

    أولا: مظاهر أزمة التنظير

    مصطلح «الأزمة» من أكثر المصطلحات استعمالا في الميدان الاجتماعي والسياسي، لكن يجب الحذر من استعماله بشكل غير موضوعي في غياب تشخيص علمي لمظاهرها. فالنظرية السياسية كلما كانت قادرة على معالجة الحياة السياسية في شموليتها وتحليل عناصر بيئتها الاجتماعية، كانت أكثر موضوعية في تفسير الواقع وأكثر صدقا في التنبؤ بمآلاته. لكن تقييم حصيلة الجهود النظرية في إثبات علموية علم السياسة يكشف وجود صياغات نظرية متعددة تركز على الطابع الميكانيكي للحياة السياسية، مما يحبط المتحمسين للمسار التنظيري، وقد كان كلود برنار محقا حين قال: «إذا خضع الافتراض للطريقة الاختبارية أصبح نظرية، وإذا خضع للمنطق وحده أصبح نظاما»؛ لذلك لا تقوى كثير من النظريات السياسية على التجربة.

    ثانيا: محاولات التصحيح والتجاوز

    من أجل تصحيح وضع الأزمة، ظهرت حركة تصحيحية (بريستويكا علم السياسة) انطلقت من الولايات المتحدة لتنقيح علم السياسة وتخليصه من العيوب التي تحد من مردوديته العلمية. وتكمن الأزمة في انحصار مردودية النظرية العامة لهذا العلم وعدم استطاعته تحديث خطه العام في تقديم إجابات وحلول للمشاكل المطروحة. ويرى أنصار علم السياسة ضرورة تخليه عن التركيز على الولايات المتحدة وحدها ليشمل قضايا العالم في باقي بلدانه، وهو ما يستدعي مشاركة أوسع من المفكرين وعلماء السياسة في العالم العربي والإسلامي في العملية التصحيحية لمسار هذا العلم.

    صحيح أن المناهج الرياضية جيدة ودقيقة وصالحة في دراسة كثير من ظواهر عالم السياسة، لكن الغلو فيها وتعميمها على كل الظواهر السياسية يؤدي إلى هدم موضوع علم السياسة بدل تشييده. ومن ثم وجب إدماج مناهج جديدة متعددة، غير رياضية بالضرورة ومنسجمة مع موضوع البحث، تهتم بالمسائل المتصلة بصنع السياسات العمومية والسياسات الخارجية وصناعة القرار، مستعينة بأدوات منهجية متعددة الرؤى ومفاهيم موضوعية تعكس التعدد الثقافي والديني للجماعات البشرية.

    📗 خلاصة الباب

    • تكمن أزمة علم السياسة المعاصر في محدودية النظرية العامة وعجزها عن تحديث إجاباتها للمشاكل السياسية المستجدة، رغم صحة قول كلود برنار إن الافتراض المختبَر يصبح نظرية والافتراض المنطقي وحده يصبح نظاما.
    • التصحيح يقتضي تجاوز التمركز الغربي (الأمريكي خاصة) وإشراك مفكري العالم العربي والإسلامي، وتنويع المناهج بدل حصرها في المقاربات الرياضية الصرفة.

  • مناهج التنظير الحديث في علم السياسة المعاصر

    📖 المدخل إلى العلوم السياسية — الفصل 5 من 6 — فهرس الكتاب

    أولا: مفهوم النسق ومدخل التحليل النسقي

    نقصد بمناهج التنظير الحديثة مختلف المقاربات العلمية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، متحررة من الرؤى القديمة المعتمدة على الجانب المؤسساتي الشكلي، مركزة على دراسة سلوك الفاعلين السياسيين والتحليل العلمي لروابط الواقع السياسي. النسق ترجمة لكلمة System، ويعني مجموعة العناصر المادية وغير المادية التي تترابط ترابطا يجعلها تؤلف كلا منظما. وقد أصبح مفهوم النسق نقطة الارتكاز التي يستند إليها علماء السياسة التجريبيون، بل والاستعاضة به عن مفهوم الدولة أيضا، إذ يقول ديفيد إيستون إنه يتعين على الباحثين في علم السياسة التجنب النهائي لاستعمال لفظة «الدولة»، باعتبار أن علم السياسة يهتم بالنشاط السياسي كمجموعة سلوكيات يمارسها الفاعلون في إطار قانون الفعل ورد الفعل.

    ثانيا: السوسيولوجيا الوظيفية

    الوظيفة المطلقة عند مالينوفسكي

    من أعلام الاتجاه الوظيفي، ركز على العمليات الدينامية والحاجات والدوافع عند الأفراد، معتبرا كل مجتمع كلا مندمجا يساهم فيه كل عنصر في تركيبة الكل، مطروحا دوما سؤال: ما مبرر وجود هذا العنصر وما فائدته؟ يعاب على هذه النظرة أنها تنطبق فقط على المجتمعات القديمة المتضامنة.

    الوظيفة النسبية عند روبرت ميرتون

    ينتقد ميرتون مالينوفسكي ويقترح ثلاثة مفاهيم إجرائية جديدة: المعادلات الوظيفية (إمكان إنجاز وظيفة واحدة عبر عناصر متناوبة)، والوظائف المضادة (التي قد تسبب كوارث اقتصادية أو سياسية)، والوظائف الظاهرة والخفية (الأولى أهداف معلنة، والثانية نتائج فعلية غير معلنة).

    البنيوية عند تالكوت بارسونز

    ترتكز على تحليل مفهوم العمل الاجتماعي والنظام الاجتماعي، إذ يرى بارسونز أن النسق الاجتماعي يتكون من أربعة أنساق فرعية متفاعلة: النسق الاقتصادي، والنسق السياسي (كل أشكال اتخاذ القرار من نقابات وأحزاب وجماعات ضغط)، والنسق الثقافي، والنسق القانوني.

    النموذج النسقي عند ديفيد إيستون

    أقام إيستون نظريته على فكرة النظام، معتبرا الحياة السياسية جسدا من التفاعلات المحاطة بنظم اجتماعية تؤثر فيها باستمرار. يشبّه النظام السياسي بـ«العلبة السوداء»، ولا يهتم بما يجري داخلها بقدر اهتمامه بعلاقاتها مع بيئتها الخارجية: المدخلات (المطالب والمساندة) والمخرجات (القرارات وردود الفعل). ويحافظ النظام على توازنه بالتوفيق بين المطالب والمساندة، ويقوم بثلاث وظائف أساسية: التعبير عن المطالب، وضبط المطالب، وتقليص أو دمج المطالب.

    ثالثا: التحليل البنيوي الوظيفي عند غابرييل ألموند وبنيات النسق السياسي

    جاء تحليل غابرييل ألموند لتبديد ما يؤخذ على تحليل إيستون من تجريد مفرط، من خلال عنصرين: ضرورة النظر إلى النظام السياسي كمجموعة من البنى المتراصة المتماسكة، وضرورة النظر إليه كشبكة من الوظائف المتكاملة الموزعة بين أجزائه. وحدد ألموند، على مستوى العلاقة مع المحيط، أربع مقدرات ضرورية لاستمرار النظام: مقدرة الضبط، والمقدرة الاستخراجية (تعبئة الموارد)، والمقدرة التوزيعية، والمقدرة الجوابية. وعلى مستوى السير الداخلي، ميز بين وظائف الإبقاء على المدخلات (التنشئة السياسية، التوظيف السياسي) ووظائف التحويل على مستوى المخرجات (التعبير عن المصالح، تجميع المصالح، صياغة القواعد، تطبيق القواعد، التواصل السياسي).

    بنيات النسق السياسي

    يقصد بالبنيات المؤسسات التي تؤمن الأداء الوظيفي للنظام السياسي، وتتجاوز المؤسسات الدستورية إلى مؤسسات فعلية أخرى، منها: المجموعات (من الهيئات الدينية والقبلية إلى جماعات المصالح)، وبنيات صنع القرار، وبنيات تنفيذ القرار (التي تتمايز بين حكومات مركزة القرار في مؤسسة واحدة، وحكومات تتعاون فيها مؤسسات مستقلة، وحكومات رئاسية تستقل فيها كل مؤسسة استقلالا تاما)، والإدارة، وبنية التقاضي، والأحزاب السياسية (هيئات منظمة تسعى للوصول إلى السلطة لتنفيذ برنامج سياسي معين)، وجماعات الضغط (لا تسعى إلى السلطة مباشرة لكنها تؤثر عليها من خارجها، وقد تتجاوز في قوتها أحزابا رسمية).

    📗 خلاصة الباب

    • مفهوم النسق (System) حل محل مفهوم الدولة كمركز اهتمام لعلم السياسة التجريبي المعاصر، وفق دعوة ديفيد إيستون.
    • السوسيولوجيا الوظيفية طورها مالينوفسكي (وظيفة مطلقة) وميرتون (معادلات ووظائف مضادة وخفية) وبارسونز (أنساق فرعية أربعة)، وتوجها إيستون بنموذج العلبة السوداء: مدخلات (مطالب/مساندة) ومخرجات.
    • طور ألموند التحليل البنيوي الوظيفي بتحديد مقدرات النظام (ضبط، استخراج، توزيع، استجابة) ووظائف المدخلات والمخرجات، وميّز بنيات النسق السياسي: مجموعات، صنع القرار، تنفيذه، الإدارة، القضاء، الأحزاب، وجماعات الضغط.

  • علم السياسة كممارسة علمية: من المخاض إلى النشأة

    📖 المدخل إلى العلوم السياسية — الفصل 4 من 6 — فهرس الكتاب

    أولا: مرحلة المخاض (من القرن السابع إلى بداية القرن التاسع عشر)

    هي مرحلة طويلة تأسست فيها أغلب النظريات السياسية المفضية إلى علم السياسة، ميزها الميل نحو التفكير الفلسفي وهيمنة القيم المعيارية على دراسة الفكر السياسي.

    أرسطو: المعلم الأول

    يمكن اعتبار أرسطو الرائد الأول المدشن لعلم السياسة، اعتمد منهج الملاحظة والاستقراء انطلاقا من الدولة الواقعية أمامه، وحاول في كتابه «السياسة» أن يصنف ستة أنواع من الحكومات، متأثرا بأستاذه أفلاطون، لكنه لم يفصل بين ما هو أخلاقي وما هو سياسي.

    ميكيافيلي: المعلم الثاني

    اعتمد نيكولا ميكيافيلي لأول مرة بعد أرسطو طريقة الاستقراء العلمي الحديث المبنية على الملاحظة والالتزام بالمنهج الموضوعي، قاطعا مع الأخلاقيات الدينية والمثالية الفلسفية، فيما دونه في كتابه «الأمير» (1513)، فكان بذلك إمام الواقعية السياسية في العصور الحديثة. فصل ميكيافيلي بين الأخلاق والسياسة، ورأى أن الطبيعة البشرية فاسدة وماكرة، والسلطة قوة تُمتلك لأجل إقامة الدولة التي عليها أن تدافع عن نفسها بكل الوسائل.

    ابن خلدون: مؤسس علم الاجتماع

    يمثل ابن خلدون ذروة الفكر العقلاني في علم الاجتماع السياسي الحديث. يجعل السياسة موضوعا لعلم نظري، ويقسمها إلى ثلاثة أقسام: العلاقة بين السلطان والرعية، تصرف الحكومة نحو الأفراد في المسائل العامة، ونظام الخلافة وضرورتها. ويربط ابن خلدون بين السياسة والأخلاق، فالأخلاق تكسب الدولة القوة وزوالها سبب لضعفها وانهيارها. ويقسّم السياسات إلى أربعة أنواع: سياسة دينية مستمدة من الشرع، وسياسة عقلية تصدر عن العقلاء وأكابر الدولة، وسياسة طبيعية، وسياسة مدنية (المدينة الفاضلة). ويبقى أهم ما أتى به ابن خلدون مبدأ «العلية الطبيعية» الذي قاده إلى تأسيس علم الاجتماع (علم العمران)، إذ لم يكتشف فكره في أوروبا إلا مع مطلع القرن التاسع عشر.

    بودان ومونتسكيو

    بلور جان بودان، الفقيه القانوني والسياسي الفرنسي، نظرية سيادة الدولة وأعاد التوازن المفتقد في واقعية ميكيافيلي، معتبرا أن هلاك الدولة يأتي من استبداد الحاكم أو استبداد الشعب. أما مونتسكيو، في كتابه «روح القوانين»، فميّز بين ثلاثة أنظمة حكم (الملكية، الديكتاتورية، الجمهورية)، ورأى أن النظام الأمثل يضمن حرية الإنسان عبر الفصل بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ وقد أثرت نظريته على دستور الولايات المتحدة وعلى دساتير عديد من الأنظمة الديمقراطية المعاصرة.

    ثانيا: مرحلة نشوء علم السياسة (من منتصف القرن التاسع عشر)

    اتسمت بمحاولات مفكرين بارزين لبناء نظرية متكاملة حول الظاهرة السياسية، أبرزهم أليكسيس دي توكفيل وأوغست كونت وكارل ماركس.

    توكفيل

    مؤرخ ومنظر سياسي فرنسي (1805-1859)، صاحب كتابي «الديمقراطية في أمريكا». تتمثل منهجيته في تحليل الظاهرة السياسية عبر ثلاثة عناصر: المعاينة المباشرة للوقائع، وتسجيلها وقراءتها قراءة تركيبية لاستخراج القوانين المتحكمة فيها، وارتباط المنهج بمتطلبات دراسة الحالة. فكرة الديمقراطية عنده تجمع بين المساواة الاجتماعية ومسلسل التقريب بين المستويات المعيشية، ورأى أن السلطة يجب أن تُحد بالسلطة عبر تنويع مصادر القرار وتوزيع الأدوار بين مؤسسات مختلفة.

    أوغست كونت

    عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي (1798-1857)، الأب الشرعي للفلسفة الوضعية. يرى أن الفكر البشري مر بثلاث مراحل: اللاهوتية، والميتافيزيقية، ثم الوضعية التي يتوقف فيها الفكر عن تعليل الظواهر بالرجوع إلى مبادئ أولى ويهتم باكتشاف قوانين علاقات الأشياء عن طريق الملاحظة والتجربة. يخضع كونت السياسة للأخلاق، إذ تقوم الأخلاق الوضعية على تقديم الاجتماعي على الفردي، ويؤمن بدور النخب في تحديد الأهداف والوسائل. أسهم كونت في بناء علم السياسة المعاصر من جانبين: تأكيده حلول الفكر الوضعي العقلاني، وتأكيده إمكانية دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية دراسة علمية بالاستفادة من العلوم الطبيعية.

    كارل ماركس

    فيلسوف ألماني واقتصادي وعالم اجتماع (1818-1883)، من أهم كتبه «بيان الحزب الشيوعي» و«رأس المال». تتمثل إسهاماته في علم السياسة في جانبين: تحقيقه طفرة في الفكر الاشتراكي بتجاوز الطوباوية، وإدخاله العنصر الاقتصادي في دراسة الظاهرة السياسية عبر مفاهيم نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج والبنية التحتية والفوقية. يرى ماركس أن «السلطة السياسية ليست إلا القوة المنظمة لطبقة في قمعها لطبقة أخرى»، وأن نمط الإنتاج في العالم المادي هو الذي يقرر الطابع العام للمسيرة السياسية والاجتماعية والروحية للحياة.

    ثالثا: مرحلة إقرار وتنظيم علم السياسة

    تبدأ هذه المرحلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث أدى التقدم في مجال الحريات إلى رغبة الباحثين في الاستفادة من مناهج البحث العلمي الحديثة في العلوم الاجتماعية، فتأسست مراكز البحث في الولايات المتحدة وأوروبا، وبادرت اليونسكو إلى وضع برامج لتكوين خبراء في العلوم السياسية. سارت فرنسا على نفس النهج بعد الإصلاح الجامعي سنة 1945، حيث أسست معهد الدراسات السياسية، توجت بإدخال علم السياسة إلى التدريس في كليات الحقوق الفرنسية سنة 1956، وسيقتفي النظام الجامعي المغربي نفس الخطوات بإدخال المادة إلى الجامعات المغربية ابتداء من سنة 1974.

    📗 خلاصة الباب

    • مرحلة المخاض (القرن 7-19): أرسطو رائد الملاحظة والاستقراء، ميكيافيلي فصل الأخلاق عن السياسة، ابن خلدون أسس العلية الطبيعية وعلم العمران، بودان بلور سيادة الدولة، ومونتسكيو أرسى فصل السلط.
    • مرحلة النشأة (من منتصف القرن 19): توكفيل ربط الديمقراطية بالمساواة الاجتماعية، كونت أسس الوضعية وأخضع السياسة للأخلاق، وماركس أدخل العنصر الاقتصادي والصراع الطبقي في تحليل السلطة.
    • مرحلة الإقرار والتنظيم بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، بتأسيس مراكز بحث ومعاهد متخصصة، ودخل علم السياسة الجامعات المغربية سنة 1974.

  • ذاتية علم السياسة وموضوعه

    📖 المدخل إلى العلوم السياسية — الفصل 3 من 6 — فهرس الكتاب

    أولا: تعريف السياسة وتصوراتها

    العلم نشاط معرفي خاص، يقتسم أصناف المعرفة العلمية كمعرفة منظمة وموضوعية تنسج بين الظواهر علاقات كونية ضرورية ومنتظمة تسمح بالتنبؤ بالنتائج والتحكم فيها عن طريق التجربة العلمية. أما السياسة، فقد عرفها قاموس ليتري بأنها علم حكم الدول، وعرفها قاموس روبير بأنها فن حكم المجتمعات الإنسانية، وعرفها قاموس لسان العرب بأنها القيام بالأمر وما يصلحه. وفي الإنجليزية، فإن كلمة politics مشتقة من لفظ polis الذي كان يطلق على المدينة الدولة عند اليونان، ثم تطورت لتطلق على فن الحكم وإدارة أمور الدولة داخليا وخارجيا.

    أربعة تصورات أساسية لمصطلح السياسة

    • التصور النظري: السياسة فن الحكم، وهو تصور تقليدي يوناني مرتبط بكلمة polis، يعاب عليه اعتبار السياسة فنا لا علما.
    • التصور الإداري: السياسة نشاط إداري مرتبط بتسيير المجتمع، يعود إلى أرسطو الذي اعتقد بعدم قدرة البشر على إدراك الحياة الفاضلة إلا في إطار مجتمع سياسي منظم.
    • تصور حل النزاعات: السياسة آلية لحل النزاعات بالتوفيق والتراضي بدل العنف والقوة، وهي نظرة أقرب إلى الصواب لأنها لم تظهر إلا في المجتمعات الحديثة المنظمة.
    • التصور النسقي: السياسة نظام سياسي يعمل بشكل تلقائي ونسقي من أجل إحلال الانسجام والاستقرار، وفق آليات التفاعل بين مطالب محيط النظام السياسي ومركزه (فهم هانز مورجنتاو).

    من هنا يمكن الحديث عن اتجاهين رئيسيين في تعريف علم السياسة: الاتجاه الأول يعرفه بأنه «علم الدولة»، أي العلم الذي يدرس الدولة مفهوما وتنظيما ومؤسسات وممارسة وسياسات؛ والاتجاه الثاني يعرفه بأنه «علم السلطة»، أي العلم الذي يدرس السلطة باعتبارها مفهوما لعلاقات مبنية على أساس التفاوت والاختلاف والصراع.

    ثانيا: جدلية السلطة والدولة

    يخلط عامة الناس بين السلطة والدولة، معتقدين أن السلطة هي الدولة، لكن الحقيقة أن هناك فرقا شاسعا بين المفهومين: فالدولة لها أركان ثابتة دائمة (الأرض، الشعب، وقانون أساسي ينظم السلوكيات والعلاقات)، بينما السلطة زائلة ومتحركة، وهي الإدارة القانونية للدولة، أي أنها آلة تسير أمور الدولة بموجب الدستور والقوانين.

    السياسة كعلم لدراسة السلطة

    الانطباع المبدئي لدى الإنسان العادي هو أن السياسة هي السلطة السياسية، ولا يمكن فهم السلطة إلا بوصفها واقعا من خلال العلاقات التي تنسجها بين من يتولونها ومجموع البنية السياسية والمجتمعية. ويمكن مقاربة السلطة على ثلاثة مستويات: المستوى القانوني (السلطة كآلية تنفيذ لصلاحيات قانونية، وتزاوج مفهوم السلطة مع مفهوم الشرعية)، والمستوى العلمي (نموذج بايشلر بحقوله الدلالية الثلاثة: القوة، والتأثير الكاريزمي، والشرعية السياسية)، والمستوى الواقعي (السلطة كعلاقة نفسية بين طرفين، تُمارس عبر مصادر التأثير المادي والإقناع).

    وحصر أشكال السلطة في ثلاثة أشكال أساسية: السلطة الرادعة (القائمة على العقاب لمن لا يطيع)، والسلطة المكافئة (التي توزع الموارد توزيعا سلطويا)، والسلطة المُقنِعة (التي تعتمد على الإقناع وهي الأقوى تأثيرا).

    السياسة كعلم لدراسة الدولة

    أغلب النظريات التي تقول بأن السياسة هي علم دراسة الدولة تستند إلى الفلسفة الأرسطية، وبالضبط كتاب «السياسة» لأرسطو. صحيح أن الرأي القائل بأن الدولة موضوع لدراسة علم السياسة له ما يسنده في التاريخ والواقع، وصحيح أن المجتمع الدولي نفسه لا يقر بوجود سلطة سياسية إلا داخل دولة منظمة ذات سيادة وضمن حدود إقليم معين، لكن هذا لا يجب أن ينسينا أن السلطة سابقة على الدولة تاريخيا.

    ثالثا: علاقة علم السياسة بالعلوم المجاورة

    علم السياسة والفلسفة السياسية

    هناك فرق كبير بين علم السياسة والفلسفة السياسية: فعلم السياسة علم وصفي تحليلي، يصف فيه عالم السياسة النظم السياسية المختلفة ويحلل الفروقات بينها، فيصف ويحلل ويفسر. أما فيلسوف السياسة فيتجاوز الوصف والتحليل إلى رسم صورة لما ينبغي أن يكون عليه حال الدولة، فالعلم دراسة وصفية تجريبية لما هو كائن، بينما الفلسفة دراسة معيارية لما ينبغي أن يكون، العلم يدرس الجزئيات والفلسفة تدرس الكليات.

    علم السياسة والعلوم الأخرى

    • علم الاقتصاد: هناك تأثير متبادل بين الأوضاع الاقتصادية والاستقرار السياسي؛ فالثورات الكبرى كالفرنسية والروسية جاءت على إثر أوضاع اقتصادية غير صحية، وكان المحرك الأساسي للاستعمار سعي القوى الأوروبية للحصول على مصادر رخيصة للمواد الخام وأسواق جديدة.
    • علم الاجتماع: البناء الاجتماعي السليم للمجتمع ينعكس إيجابا على الاستقرار السياسي، بينما التفاوت الطبقي الحاد يؤدي إلى زعزعته؛ ومن الموضوعات المشتركة أيضا التنشئة السياسية للفرد عبر الأسرة والمدرسة ودار العبادة والحزب.
    • الأنثروبولوجيا: الاختلاف بين الأجناس كان محركا تاريخيا للصراع السياسي، فدراسة الأقليات والجماعات العرقية والتفرقة العنصرية محل اهتمام مشترك بين العلمين.
    • التاريخ: يقدم لعالم السياسة سجلا غنيا بالمعلومات يمكن الإفادة منها في صياغة قواعد علمية عامة، ولعل خير تعبير عن ذلك أن «علم السياسة بلا تاريخ كنبات بلا جذور، والتاريخ بدون علم السياسة كنبات بلا ثمر».
    • القانون: يرتبط بفرع رئيسي من فروع علم السياسة هو القانون الدستوري، وكذا القانون الدولي، وموضوع نظرية الدولة وشرعية السلطة (مدى دستوريتها).
    • علم النفس: عبر فرع مشترك هو علم النفس السياسي، الذي يدرس تأثير العوامل النفسية على السلوك السياسي للأفراد والقادة.

    📗 خلاصة الباب

    • أربعة تصورات لمفهوم السياسة: فن الحكم، نشاط إداري، آلية لحل النزاعات، ونظام سياسي نسقي؛ واتجاهان في تعريف علم السياسة: علم الدولة، وعلم السلطة.
    • السلطة والدولة مفهومان مختلفان: الدولة أركانها ثابتة (أرض، شعب، قانون)، والسلطة زائلة متحركة، هي إدارتها القانونية.
    • علم السياسة وصفي تحليلي يدرس الكائن، بينما الفلسفة السياسية معيارية تدرس ما ينبغي أن يكون، ويرتبط علم السياسة بالاقتصاد والاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ والقانون وعلم النفس.

  • مدخل إلى العلوم السياسية

    📖 المدخل إلى العلوم السياسية — الفصل 2 من 6 — فهرس الكتاب

    أولا: الظاهرة السياسية كموضوع مشترك

    الظاهرة السياسية التي تدرسها العلوم السياسية أو علم السياسة هي كل ظاهرة تنجم عن تجمع إنساني وسلوك إنساني داخل المجتمع المنظم، سواء كان المتحرك داخل هذا المجتمع فردا أو جماعة أو مؤسسة أو بنية مجتمعية، مع مراعاة التدافع بين هذه المكونات من أجل إقرار أهداف مجتمعية مشتركة وضمان تدبير الخلاف الناجم عن تعارض الأهداف المختلفة للأطراف المجتمعية. وعليه فالعلوم السياسية تعبر عن معارف علمية تعنى بدراسة الظاهرة السياسية بشكل موضوعي وحيادي.

    المدارس الكبرى في دراسة الظاهرة السياسية

    • المدرسة الأمريكية: تقول باستحالة وجود علم واحد في دراسة الظاهرة السياسية، وتنكر استقلالية علم السياسة، مبررة ذلك بأن الظاهرة السياسية لا يمكن دراستها إلا في إطار العلوم الاجتماعية الأخرى التي تشكل مصدرا أساسيا في دراستها.
    • المدرسة الأوروبية بجناحيها المحافظ والحداثي: فالمدرسة البريطانية تعتبر منهجيتها نموذجا وفيا للمنهج التقليدي الوصفي، ارتبطت دراسة الظاهرة السياسية فيها بالجامعة البريطانية دائما ببرامج تعتمد دراسة العلوم الإنسانية كبرنامج أكسفورد (الفلسفة والسياسة والاقتصاد). أما المدرسة الفرنسية فهي خليط بين المدرستين الأمريكية والبريطانية، مع استنادها بالمقام الأول على العلوم القانونية والقانون العام خاصة، مما جعلها لا تنفتح أكاديميا على الدراسة العلمية للظاهرة السياسية إلا من خلال كليات الحقوق شعبة القانون العام.

    كان من نتائج اجتماع لجنة خبراء اليونسكو بباريس، طبع الكتاب الجماعي الصادر عنها سنة 1950 تحت عنوان «علم السياسة المعاصر»، والذي شكل ثورة علمية جذرية بدءا من تغيير الاسم التقليدي «العلوم السياسية» إلى اسم جديد هو «علم السياسة»، وتضمنت القائمة النموذجية لخبراء اليونسكو أربعة فروع لعلم السياسة أو النظرية العامة للسياسة، وهي: النظرية السياسية وتاريخ الأفكار السياسية، والنظم السياسية، والأحزاب السياسية والرأي العام، والعلاقات الدولية.

    والنظام البيداغوجي المغربي في تدريس العلوم السياسية يسير في اتجاه نظيره الفرنسي منهجيا وتنظيميا، فيدرس الطالب المغربي في الفصول الأربعة الأولى المدخل إلى العلوم السياسية والمدخل إلى العلاقات الدولية والقانون الدولي والنظرية العامة للقانون الدستوري والتنظيم الإداري، ثم يستكمل في مستويات أعلى مواد أخرى كالسياسات العمومية والفكر السياسي والمرافق العمومية والقانون الدولي الاقتصادي.

    ثانيا: مفهوم العلوم السياسية وأهميتها ومجالاتها

    العلوم السياسية علم يعنى بدراسة منهج الحياة السياسية، ويحاول علماء السياسة الإجابة عن أسئلة محددة مثل: ما الأسباب التي تبرر ممارسات الدولة؟ ومن الذين تخدم الدولة مصالحهم؟ وتتناول العلوم السياسية بالدراسة والتحليل الأنماط المختلفة للحكومات والأحزاب وجماعات الضغط والانتخابات والعلاقات الدولية والإدارة العامة، كما تهتم بدراسة القيم الأساسية مثل المساواة والحرية والعدالة والسلطة.

    ترتبط العلوم السياسية ارتباطا وثيقا بعلوم أخرى: فالاقتصاد يتناول التحكم في الموارد المادية التي تؤثر مباشرة على هياكل القوى السياسية؛ والتاريخ مادة أولية لا بد للباحث السياسي من الإحاطة بها؛ والقانون يقدم الإطار الفكري الذي يرتكز عليه عالم السياسة في التحليل؛ وعلم الاجتماع يزود الباحث السياسي بجوانب التطور الاجتماعي ذات الأثر المباشر على الحياة السياسية.

    مجالات العلوم السياسية الستة

    • النظرية السياسية والفلسفة: يستخدم علماء السياسة المدخل التاريخي في دراستهما، اعتمادا على مصادر كلاسيكية من أفلاطون وأرسطو إلى مونتسكيو وماركس، ومن الفارابي والماوردي والغزالي إلى ابن خلدون.
    • علم السياسة المقارن: يرتكز على مقارنة المؤسسات والممارسات السياسية في قطرين أو أكثر، ويتخصص بعض العلماء في نظريات التحديث والتنمية والبنيوية والتبعية وتطبيقها منهجيا على دول يختارها الباحث.
    • العلاقات الدولية: يشمل دراسة الدبلوماسية والقانون الدولي والمنظمات الدولية والمحركات المؤثرة في صنع السياسة الدولية، إضافة إلى السياسات الدفاعية ومشكلات السلم والحرب.
    • الحكومات الوطنية والعلوم السياسية: يوليه علماء السياسة اهتماما خاصا يفوق اهتمامهم بدراسة الحكومات الأخرى، لإدراكهم أهمية دراسة حكوماتهم الوطنية وتطورها.
    • الإدارة العامة: فرع من دراسة علم السياسة المقارن والشؤون السياسية الداخلية، يتناول واجبات الموظفين العموميين والمحاسبة وإدارة شؤون الأفراد.
    • السلوك السياسي: يحاول الدارسون فيه معرفة كيفية استجابة الجمهور لبعض المؤثرات السياسية، متأثرين بإسهامات علم النفس والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع.

    وكما قال أرسطو واضع أسس علم السياسة، فإن علم السياسة سيد العلوم، لأن كل شيء تقريبا يحدث ضمن إطار سياسي؛ فالسياسة تشمل كل القرارات المتعلقة بكيفية صنع القوانين التي تحكم الحياة المشتركة، ديمقراطية كانت أو استبدادية. ويمكن الحديث أيضا عن فوائد أخرى لدراسة علم السياسة: الإعداد العلمي والمهني لشغل الوظائف العليا في الدولة، وتنمية المهارات السياسية للأفراد وبالذات المتصلة بصنع القرار والتفاوض، والتمييز بين السياسة كعلم وفن ومبادئ وأخلاق وبين السلوك السياسي الذي قد يتطلب الإصلاح.

    📗 خلاصة الباب

    • الظاهرة السياسية موضوع مشترك بين العلوم السياسية وعلم السياسة، وتتباين مقاربتها بين المدرسة الأمريكية (تنكر استقلالية علم السياسة) والبريطانية (منهج وصفي تقليدي) والفرنسية (خليط، أساسها القانون العام).
    • أقر تقرير اليونسكو لسنة 1950 أربعة فروع رسمية لعلم السياسة: النظرية السياسية، النظم السياسية، الأحزاب والرأي العام، العلاقات الدولية.
    • العلوم السياسية ترتبط بالاقتصاد والتاريخ والقانون وعلم الاجتماع، ولها ستة مجالات رئيسية: النظرية والفلسفة، السياسة المقارنة، العلاقات الدولية، الحكومات الوطنية، الإدارة العامة، والسلوك السياسي.

    ◀ الفصل السابق: تقديم

    🔖 فهرس الكتاب

    الفصل التالي: ذاتية علم السياسة وموضوعه

  • الباب الرابع: النظام الدستوري والسياسي المغربي

    📖 القانون الدستوري — الفصل 6 من 6 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول: المسار الدستوري التاريخي والمرتكزات الكبرى لدستور 2011

    عرف المغرب تجربة دستورية فريدة تمتد جذورها من مشروع دستور 1908 إلى مرحلة الاستقلال وإرساء الصرح الدستوري عبر دساتير 1962 و1970 و1972 و1992 و1996، وصولاً إلى المحطة المفصلية لدستور 2011 الذي جاء استجابة لديناميكية الإصلاح والحراك المجتمعي.

    المبحث الأول: الثوابت الجامعة والمرتكزات الكبرى لدستور 2011

    حدد الفصل الأول من دستور 2011 الهوية الدستورية للمملكة بدقة: «نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية، برلمانية واجتماعية»، ويقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، ومبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وتستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي؛ كما نص الدستور على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة.

    الفصل الثاني: مكانة واختصاصات المؤسسة الملكية

    المبحث الأول: إمارة المؤمنين ورئاسة الدولة

    يمارس الملك في المجال الديني (إمارة المؤمنين) صلاحيات دينية حصرية لحماية حمى الدين وحرية ممارسة الشؤون الدينية ورئاسة المجلس العلمي الأعلى (الفصل 41). وفي المجال السياسي والدستوري، الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور وصيانة حقوق وحريات المواطنين وحماية استقلال البلاد ووحدتها الترابية (الفصل 42).

    المبحث الثاني: الاختصاصات الاستراتيجية والتنفيذية للملك

    يرأس الملك المجلس الوزاري الذي يتداول في التوجهات الاستراتيجية للدولة ومشاريع مراجعة الدستور والقوانين التنظيمية والتوجهات العامة لقانون المالية والمعاهدات الدولية (الفصلان 48 و49). وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية ورئيس المجلس الأعلى للأمن ويعين كبار مسؤولي الإدارات والمؤسسات الاستراتيجية. ويمارس صلاحية إعلان حالة الاستثناء بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان ورئيس المحكمة الدستورية (الفصل 59).

    الفصل الثالث: السلطة التنفيذية والمؤسسة الحكومية

    المبحث الأول: مكانة وتعيين رئيس الحكومة

    أحدث دستور 2011 نقلة نوعية في تعيين رئيس الحكومة، إذ نص الفصل 47 على أن «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها»، مما كرس الطابع الديمقراطي والبرلماني للسلطة التنفيذية.

    المبحث الثاني: صلاحيات رئيس الحكومة ومجلس الحكومة

    يمارس رئيس الحكومة السلطة التنظيمية، ويوقع المراسيم والقرارات التنفيذية، وله حق اقتراح الوزراء وإعفائهم والتعيين في الوظائف المدنية بالإدارات العمومية. ويتداول مجلس الحكومة تحت رئاسته في السياسة العامة للدولة والسياسات القطاعية ومشاريع القوانين والمراسيم والمعاهدات الدولية قبل عرضها على المجلس الوزاري (الفصل 92).

    الفصل الرابع: السلطة التشريعية (البرلمان المغربي)

    المبحث الأول: هيكلة البرلمان وثنائية المجلسين

    يُنتخب مجلس النواب بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات ويمثل عموم الأمة (الفصل 62)، بينما يُنتخب مجلس المستشارين بالاقتراع العام غير المباشر لمدة ست سنوات ويمثل الجماعات الترابية والغرف المهنية والمنظمات النقابية (الفصل 63).

    المبحث الثاني: الوظائف الدستورية للبرلمان

    يمارس البرلمان الوظيفة التشريعية في الميادين المحددة حصراً في الفصل 71 من الدستور، ويصوت على القوانين المالية. ويمارس الوظيفة الرقابية والتقييمية عبر الأسئلة الشفهية والكتابية واللجان النيابية ولجان تقصي الحقائق وملتمس الرقابة على الحكومة في مجلس النواب (الفصلان 105 و106)، وتقييم السياسات العمومية السنوي.

    الفصل الخامس: استقلال السلطة القضائية والمحكمة الدستورية والحقوق والحريات

    كرس دستور 2011 القضاء كسلطة مستقلة تماماً عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأسند رئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية للرئيس الأول لمحكمة النقض كرئيس منتدب تحت الرئاسة الشرفية للملك، مما أنهى رئاسة وزير العدل السابقة (الفصل 107 وما بعده).

    تتألف المحكمة الدستورية من 12 عضواً (6 يعينهم الملك و6 ينتخبهم البرلمان مناصفة بين المجلسين)، وتسهر على مراقبة مطابقة القوانين للدستور والبت في الطعون الانتخابية والدفع بعدم الدستورية (الفصل 130 وما بعده).

    وتضمن الباب الثاني من دستور 2011 ميثاقاً متقدماً للحقوق والحريات (المساواة، المناصفة، حرية التعبير والتظاهر، الحق في المعلومة، الحقوق الاقتصادية والبيئية) وإحداث هيئات الحكامة وحماية النزاهة وحقوق الإنسان.

    📗 خلاصة الباب

    • الفصل الأول من دستور 2011 يحدد المغرب كملكية دستورية ديمقراطية برلمانية اجتماعية، قائمة على فصل السلط وتوازنها والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
    • الملك يجمع بين اختصاصات دينية (إمارة المؤمنين) وأخرى كرئيس دولة (الفصل 42)، مع صلاحيات استراتيجية واسعة في المجالين العادي والاستثنائي.
    • رئيس الحكومة يُعيَّن وجوباً من الحزب الفائز بالانتخابات (الفصل 47)، وهو تحول جوهري نحو برلمنة حقيقية للسلطة التنفيذية.
    • البرلمان ثنائي الغرف، والقضاء سلطة مستقلة منذ 2011، والمحكمة الدستورية تراقب دستورية القوانين وتبت في الدفع بعدم الدستورية.

  • الباب الثالث: النظرية العامة للأنظمة السياسية والديمقراطية المقارنة

    📖 القانون الدستوري — الفصل 5 من 6 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول: مبدأ فصل السلطات وتطوره الفلسفي والدستوري

    المبحث الأول: الجذور الفلسفية للمبدأ (جون لوك ومونتسكيو)

    يعتبر مبدأ فصل السلطات الضمانة الكبرى لحماية الحرية ومنع الاستبداد. وتعود جذوره المعاصرة إلى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك في مؤلفه «الحكم المدني» (1690)، ثم صاغه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في مؤلفه «روح القوانين» (1748) بقاعدته الشهيرة: «لكي لا يُساء استخدام السلطة، يجب أن توقف السلطةُ السلطةَ».

    المبحث الثاني: المضامين الدستورية للمبدأ

    يتخذ الفصل بين السلط صورتين: الفصل الجامد أو المطلق، وهو عدم جواز التدخل أو الرقابة المتبادلة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويجسده النظام الرئاسي الأمريكي؛ والفصل المرن أو المتوازن، وهو توزيع الوظائف على هيئات مستقلة مع إيجاد قنوات للتعاون والرقابة والتأثير المتبادل، ويجسده النظام البرلماني البريطاني.

    الفصل الثاني: الديمقراطية والمشاركة السياسية والنظم الانتخابية

    المبحث الأول: صور وتجليات الديمقراطية

    تتخذ الديمقراطية ثلاث صور: الديمقراطية المباشرة، حيث يمارس الشعب السلطة بنفسه دون وساطة ممثلين (طبقت في أثينا القديمة وبعض الكانتونات السويسرية)؛ والديمقراطية شبه المباشرة، حيث ينتخب الشعب برلماناً لكنه يحتفظ بحق التدخل المباشر عبر الاستفتاء الشعبي والاقتراح الشعبي للقوانين والاعتراض الشعبي وحق عزل المنتخبين؛ والديمقراطية النيابية التمثيلية، حيث ينتخب الشعب نواباً يمارسون السيادة باسم الأمة خلال مدة انتدابهم.

    المبحث الثاني: النظم الانتخابية وتقنيات الاقتراع

    يميَّز بين الاقتراع العام، الذي يمنح حق التصويت لكل المواطنين المستوفين للشروط القانونية، والاقتراع المقيد الذي يشترط نصاباً مالياً أو تعليمياً؛ وبين الاقتراع الفردي، حيث يصوت الناخب لمرشح واحد، والاقتراع باللائحة حيث يصوت لقائمة مرشحين. أما طرق احتساب النتائج فأهمها نظام الأغلبية، حيث يفوز من حصل على أكثر الأصوات مع عيب هدر أصوات الأقليات، ونظام التمثيل النسبي، حيث توزع المقاعد بنسبة الأصوات المحصل عليها بطرق حسابية دقيقة (كطريقة أكبر البقايا)، وهو ما يضمن تمثيلاً أعدل للأحزاب الصغيرة والمتوسطة.

    الفصل الثالث: النماذج الكبرى للأنظمة السياسية المقارنة

    المبحث الأول: النظام الرئاسي

    يطبق هذا النظام مبدأ الفصل الجامد بين السلط بشكل تام، ونموذجه الأمثل الولايات المتحدة الأمريكية. يجمع الرئيس فيه رئاسة الدولة والحكومة، ويُنتخب مباشرة من الشعب لمدة محددة دون مسؤولية سياسية أمام الكونغرس، ولا يملك حل البرلمان في المقابل، فكل جهاز مستقل عضوياً ووظيفياً عن الآخر، مع وجود آليات تعاون عملية (كحق النقض الرئاسي القابل للتجاوز بأغلبية الثلثين في الكونغرس) لتفادي الجمود المؤسساتي.

    المبحث الثاني: النظام البرلماني

    يقوم على فصل مرن بين السلط وثنائية السلطة التنفيذية، ونموذجه الأمثل بريطانيا. رئيس الدولة (ملك أو رئيس جمهورية) يسود ولا يحكم، والحكومة هي المسؤولة فعلياً وتحتاج لثقة البرلمان الذي يملك حق سحبها منها، وفي المقابل تملك الحكومة حق حل البرلمان، فيتحقق توازن متبادل قوامه المساءلة المزدوجة.

    المبحث الثالث: النظام شبه الرئاسي

    يجمع بين خصائص النظامين السابقين عبر ثنائية تنفيذية بين رئيس جمهورية منتخب مباشرة بصلاحيات واسعة (كفرنسا)، ورئيس حكومة مسؤول سياسياً أمام البرلمان، بينما يتحمل الرئيس المسؤولية الجنائية فقط دون السياسية.

    المبحث الرابع: النظام المجلسي (نظام الجمعية)

    يخضع فيه الجهاز التنفيذي كلياً لسلطة البرلمان الذي ينفرد بالسلطة، ونموذجه سويسرا حيث يمارس المجلس الفدرالي (الحكومة) اختصاصاته تحت رقابة ومراقبة الجمعية الفدرالية بلا استقلال حقيقي عنها.

    📗 خلاصة الباب

    • مبدأ فصل السلط، منذ لوك ومونتسكيو، يتخذ صورة جامدة مطلقة (النظام الرئاسي) أو مرنة متوازنة (النظام البرلماني).
    • الديمقراطية تتدرج من المباشرة إلى شبه المباشرة إلى النيابية التمثيلية، والأنظمة الانتخابية توازن بين الأغلبية والتمثيل النسبي.
    • أربعة نماذج كبرى للأنظمة المقارنة: الرئاسي (أمريكا)، البرلماني (بريطانيا)، شبه الرئاسي (فرنسا)، والمجلسي (سويسرا) – يختلف كل منها في درجة الفصل والتوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

  • الباب الثاني: النظرية العامة للدستور والقضاء الدستوري

    📖 القانون الدستوري — الفصل 4 من 6 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول: مفهوم الدستور، طبيعته، ومصادره

    المبحث الأول: المفهوم اللغوي والاصطلاحي للدستور

    يرجع الأصل اللغوي لكلمة «دستور» إلى اللغة الفارسية المعربة، وتعني الدفتر أو السجل أو القانون الأساسي. أما اصطلاحاً فيميز الفقه بين المدلول الشكلي للدستور، وهو مجموع القواعد القانونية المدونة في وثيقة رسمية صادرة عن «السلطة التأسيسية» وفق إجراءات شكلية مشددة، والمدلول الموضوعي أو المادي، وهو مجموع القواعد التي تنظم شكل الدولة ونظام الحكم واختصاصات السلطات وحقوق المواطنين، بصرف النظر عن كونها مدونة في وثيقة خاصة أو منصوصاً عليها في قوانين عادية أو أعراف متوارثة.

    المبحث الثاني: مصادر القواعد الدستورية

    أولها التشريع الدستوري المكتوب، وهو الوثيقة الدستورية الرسمية وما يتفرع عنها من قوانين تنظيمية مكملة. وثانيها العرف الدستوري، وهو القواعد غير المدونة التي درجت السلطات العامة على اتباعها مع الاعتقاد بإلزاميتها، ويتكون من ركن مادي (التكرار والاستقرار والوضوح) وركن معنوي (الشعور بالالتزام)، ويأخذ صوراً ثلاثاً: العرف المفسر (يوضح نصاً غامضاً)، والعرف المكمل (يسد فراغاً تشريعياً)، والعرف المعدل (يعدل حكماً قائماً، وهو محل جدل فقهي حول مشروعيته في ظل الدساتير الجامدة). وثالثها القضاء والفقه الدستوري، وهي الأحكام والمبادئ الصادرة عن المحاكم الدستورية والاجتهادات الفقهية المؤصلة للنصوص.

    الفصل الثاني: تصنيف الدساتير وأساليب وضعها وتعديلها ونهايتها

    المبحث الأول: تصنيفات الدساتير المعاصرة

    تصنف الدساتير وفق معيارين: من حيث التدوين، فالدساتير المكتوبة تصدر في وثيقة رسمية موحدة بينما الدساتير العرفية تستند إلى تقاليد وسوابق تاريخية متفرقة (كبريطانيا)؛ ومن حيث مسطرة التعديل، فالدساتير المرنة تُعدَّل بنفس إجراءات القوانين العادية، بينما الدساتير الجامدة تتطلب مساطر استثنائية مشددة كأغلبية الثلثين أو الاستفتاء الشعبي (كالدستور المغربي والأمريكي).

    المبحث الثاني: أساليب وضع ونشأة الدساتير

    تتعدد أساليب وضع الدساتير بحسب مدى إشراك الإرادة الشعبية. فمن الأساليب غير الديمقراطية أسلوب المنحة (العهد)، حيث يتنازل الحاكم المستبد طوعاً عن جزء من سلطته المطلقة لصالح شعبه فيمنحه دستوراً من عنده دون مشاركة شعبية حقيقية، وأسلوب العقد، حيث يُبرم الدستور بموجب اتفاق ثنائي بين الحاكم وممثلي الشعب أو هيئة نيابية، فيرتفع بذلك عن مرتبة المنحة الأحادية. أما الأساليب الديمقراطية فتتمثل في الجمعية التأسيسية المنتخبة، حيث ينتخب الشعب مباشرة هيئة خاصة تتولى وضع الدستور وحده دون غيره من المهام التشريعية العادية، وأسلوب الاستفتاء الشعبي، حيث يُعرض مشروع الدستور مباشرة على الشعب للتصويت عليه بنعم أو لا، وهو الأسلوب المعتمد في وضع الدساتير المغربية المتعاقبة بما فيها دستور 2011.

    المبحث الثالث: تعديل الدساتير ونهايتها

    تُميَّز بين سلطة وضع الدستور، وهي السلطة التأسيسية الأصلية التي تتمتع بسيادة كاملة دون قيود سابقة، وسلطة تعديل الدستور، وهي السلطة التأسيسية المشتقة أو المنشأة التي تتقيد بالشروط الموضوعية والمسطرية المنصوص عليها في صلب الوثيقة الدستورية ذاتها. وتنتهي الدساتير إما بالطريق العادي (الإلغاء الدستوري وفق المسطرة المنصوص عليها)، أو بالطريق الثوري والانقلابي (إسقاط النظام وسقوط الدستور بحكم الواقع السياسي الجديد).

    الفصل الثالث: سمو الدستور والرقابة على دستورية القوانين

    المبحث الأول: مبدأ السمو الدستوري

    يتربع الدستور على قمة الهرم القانوني للدولة، ويترتب على ذلك خضوع القوانين التنظيمية والعادية والأنظمة والمراسيم لأحكام الدستور وعدم جواز مخالفتها له، وهو ما يعرف بمبدأ المشروعية الدستورية.

    المبحث الثاني: أنماط وهيئات الرقابة على الدستورية في الفقه المقارن

    تعهد الرقابة السياسية لهيئة ذات طابع سياسي (كالمجلس الدستوري الفرنسي سابقاً)، وتمارس غالباً رقابة وقائية سابقة على إصدار القانون. بينما تعهد الرقابة القضائية إلى محاكم متخصصة (كالمحاكم الدستورية في ألمانيا وإيطاليا والمغرب) أو محاكم عادية (كالمحكمة العليا الأمريكية)، وتتخذ صورتين: الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية، حيث يرفع الطاعن دعوى مباشرة لإلغاء القانون المخالف نهائياً وبأثر عام مطلق، والرقابة عن طريق الدفع بالامتناع، حيث يثار الدفع أثناء نزاع معروض أمام محكمة الموضوع، فإن ثبتت المخالفة امتنع القاضي عن تطبيق القانون في ذلك النزاع تحديداً مع بقائه سارياً تجاه غيره.

    المبحث الثالث: التطور التاريخي للقضاء الدستوري في المملكة المغربية

    عرف مسار الرقابة الدستورية بالمغرب ثلاث محطات: مرحلة الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى (1962-1992)، وهي هيئة تابعة للمجلس الأعلى اقتصرت صلاحياتها على مراقبة القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية للبرلمان والبت في صحة الانتخابات؛ ثم مرحلة المجلس الدستوري (1992-2011)، وهو هيئة مستقلة عن السلطة القضائية مُنحت صلاحية مراقبة القوانين العادية إلى جانب التنظيمية؛ ثم مرحلة المحكمة الدستورية في ظل دستور 2011، حيث نص الفصل 129 على إحداثها بصلاحيات واسعة ومكانة سلطة قضائية عليا مستقلة.

    وتميز دستور 2011 بإضافة مكسب حقوقي وتاريخي فارق منصوص عليه في الفصل 133، الذي ينص على أن «تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور». وقد شكّل هذا الفصل تحولاً نوعياً إذ أقرّ لأول مرة إمكانية الدفع بعدم دستورية القوانين أثناء سير المنازعة، فأتاح للمواطنين ولوج المحكمة الدستورية بشكل غير مباشر. ولم يُفعَّل هذا المقتضى عملياً إلا بعد صدور القانون التنظيمي رقم 35.24 المحدد لشروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، الذي منح أطراف الدعاوى المعروضة أمام المحاكم حق الدفع بعدم دستورية أي قانون يراد تطبيقه عليهم، ليدخل المغرب بذلك مرحلة جديدة من التكريس الفعلي للرقابة الدستورية اللاحقة.

    📗 خلاصة الباب

    • الدستور له مدلول شكلي (الوثيقة الرسمية) ومدلول موضوعي (القواعد المنظمة لشكل الدولة والسلطات بصرف النظر عن مصدرها)، ومصادره التشريع المكتوب والعرف والقضاء والفقه.
    • تُصنف الدساتير مكتوبة أو عرفية، ومرنة أو جامدة، وتوضع بأساليب تتدرج من المنحة والعقد إلى الجمعية التأسيسية والاستفتاء الشعبي (المعتمد بالمغرب).
    • الرقابة على دستورية القوانين إما سياسية وقائية أو قضائية (بدعوى مباشرة أو دفع بالامتناع)، وقد تطورت بالمغرب من الغرفة الدستورية (1962) إلى المجلس الدستوري (1992) إلى المحكمة الدستورية (2011).
    • الفصل 133 من دستور 2011 كرّس آلية الدفع بعدم الدستورية، وقد فُعّلت عملياً حديثاً بالقانون التنظيمي رقم 35.24 الذي يمنح المتقاضين حق إثارتها فعلياً أمام المحاكم.

  • الباب الأول: النظرية العامة للدولة وأسسها الدستورية

    📖 القانون الدستوري — الفصل 3 من 6 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول: ماهية الدولة، تعريفها، وأركانها الأساسية

    المبحث الأول: التعريف الفقهي والقانوني للدولة

    الإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش في عزلة عن بني جنسه، غير أن اجتماعه مع غيره قد يولد التنافس وتضارب المصالح، مما يتطلب وجود سلطة عليا تضبط العلاقات، وتحمي الحقوق، وتفرض النظام العام. وقد تجسدت هذه السلطة عبر مسار تاريخي طويل في كيان «الدولة» (L’État).

    وتُعرف الدولة في الفقه الدستوري والقانون الدولي العام بأنها: «مجموعة من الأفراد (الشعب) يستقرون بصفة دائمة فوق رقعة جغرافية محددة (الإقليم)، ويخضعون لسلطة سياسية ذات سيادة وقدرة على احتكار الإكراه المادي المشروع، ومتمتعة بالشخصية المعنوية الدولية والداخلية».

    المبحث الثاني: الأركان الجوهرية لقيام الدولة

    يتفق الفقه الدستوري على أن قيام الدولة يستلزم توافر ثلاثة أركان مادية وقانونية لا غنى عنها: ركن الشعب، وهو مجموع الأفراد المقيمين على إقليم الدولة والمرتبطين بها برابطة الجنسية، مع التمييز بين المدلول الاجتماعي للشعب (جميع حاملي الجنسية) والمدلول السياسي (المتمتعون بحقوقهم السياسية)، والتمييز بين الشعب والأمة التي تستند إلى عناصر وجدانية وتاريخية مشتركة وقد توجد دون دولة موحدة.

    وركن الإقليم، وهو النطاق الجغرافي الذي يستقر عليه الشعب وتبسط الدولة فوقه سيادتها، ويتألف من الإقليم البري والإقليم البحري (المياه الداخلية والإقليمية) والإقليم الجوي الذي يعلوهما.

    وركن السلطة السياسية ذات السيادة، وهي الهيئة الحاكمة المنظمة التي تتولى تدبير الشأن العام ووضع القواعد الملزمة وفرض تطبيقها، ويجب أن تكون مستقلة عليا آمرة لا تخضع لسلطة تعلوها داخلياً ولا تتبع لإرادة دولة أخرى خارجياً.

    الفصل الثاني: النظريات المفسرة لأصل نشأة الدولة وأساس السلطة

    انقسم الفكر الفلسفي والقانوني في تفسير أصل نشأة الدولة وتبرير خضوع الأفراد للسلطة السياسية إلى أربعة اتجاهات نظرية كبرى.

    المبحث الأول: النظريات الثيوقراطية (الدينية)

    ترجع هذه النظريات أصل الدولة والسلطة إلى الإرادة الإلهية، وقد مرت بثلاث مراحل تاريخية: نظرية تأليه الحاكم التي سادت في الحضارات القديمة (مصر الفرعونية، بلاد الرافدين) حيث اعتُبر الحاكم إلهاً تُعد مشيئته قانوناً مطلقاً؛ ونظرية الحق الإلهي المباشر التي ظهرت في أوروبا الوسيطة وتقرر أن الله اختار الحاكم مباشرة دون وساطة البشر؛ ونظرية الحق الإلهي غير المباشر (العناية الإلهية) التي طورتها الكنيسة وترى أن الله هو مصدر كل سلطة لكنه يوجه الأحداث عبر العناية الإلهية لتمكين البشر من اختيار نظام حكمهم.

    المبحث الثاني: نظريات القوة والغلبة والمنظور الماركسي

    ترى نظرية القوة أن الدولة نشأت نتيجة الصراع والغلبة، حيث فرضت الفئة الأقوى سيطرتها على الفئة الأضعف. أما النظرية الماركسية فتعتبر الدولة نتاجاً لانقسام المجتمع إلى طبقات متصارعة وظهور الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، فهي أداة تستخدمها الطبقة المهيمنة لقمع الطبقة الكادحة، وتزول بزوال الصراع الطبقي.

    المبحث الثالث: النظريات العقدية الديمقراطية (العقد الاجتماعي)

    تعتبر نظرية العقد الاجتماعي المنعطف الحاسم في الانتقال إلى الفكر الديمقراطي الحديث، إذ تؤكد أن الدولة نشأت نتيجة اتفاق إرادي حر بين الأفراد للانتقال من «حالة الفطرة والطبيعة» إلى «حالة المجتمع المنظم». وقد اختلف روادها الثلاثة اختلافاً جوهرياً في تكييف حالة الفطرة وشروط العقد.

    توماس هوبز رأى أن حالة الفطرة كانت «حرب الكل ضد الكل»، فالإنسان بطبعه أناني عدواني، مما استوجب أن يتنازل الأفراد عن كامل حقوقهم الطبيعية تنازلاً نهائياً لا رجعة فيه لصالح سلطان مطلق (Léviathan) في مقابل الأمن، وهو ما يبرر فلسفياً الحكم الاستبدادي المطلق.

    أما جون لوك فرأى أن حالة الفطرة كانت سلمية نسبياً لكنها غير آمنة لغياب حَكَم مشترك يفصل في المنازعات حول الحقوق الطبيعية (الحياة، الحرية، الملكية)، فتنازل الأفراد عن جزء يسير فقط من حقوقهم (حق القضاء والعقاب) لسلطة محدودة تبقى تحت الرقابة، ويحتفظون بحق الثورة عليها إن أخلّت بالعقد، وهو ما أسس فلسفياً للحكم الدستوري المقيد.

    أما جان جاك روسو فرأى أن حالة الفطرة كانت أصلاً حالة سعادة وبراءة أفسدها ظهور الملكية الخاصة والتفاوت الاجتماعي، فدعا إلى عقد يذوّب فيه الأفراد إراداتهم الفردية في «إرادة عامة» جماعية تكون السيادة فيها للشعب مباشرة ولا تُفوَّض، وهو ما أسس فلسفياً للديمقراطية المباشرة وسيادة الأمة.

    المبحث الرابع: النظريات التطورية والاجتماعية

    ترى النظريات التطورية والتاريخية أن الدولة لم تنشأ بقرار فجائي أو عقد افتراضي واحد، بل هي نتاج تراكمي وتطور عضوي تدريجي لتنظيمات اجتماعية سابقة: بدأت من الأسرة، ثم تطورت إلى العشيرة، فالقبيلة، فالقرية، فمدينة الدولة، وصولاً إلى الدولة القومية الحديثة.

    الفصل الثالث: خصائص الدولة، وظائفها، وأشكالها الدستورية

    المبحث الأول: الخصائص الجوهرية للدولة

    تتميز الدولة بالشخصية المعنوية، فهي كيان قانوني مستقل عن ذوات الأشخاص الطبيعيين الحاكمين، ويترتب على ذلك بقاء التزاماتها ومعاهداتها وديونها نافذة رغم تغير الحكام. وتتميز أيضاً بالسيادة، وهي السلطة العليا الآمرة داخل الإقليم (السيادة الداخلية) واستقلالها التام عن أي سلطة خارجية (السيادة الخارجية).

    المبحث الثاني: وظائف الدولة وتطورها المعاصر

    عرفت وظائف الدولة تطوراً تاريخياً من وظيفة الدولة الحارسة، التي تقتصر على الأمن والدفاع والقضاء دون تدخل في الاقتصاد، إلى وظيفة الدولة المتدخلة والاجتماعية التي توسعت مهامها لتشمل توجيه الاقتصاد ومحاربة الاحتكار وتقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية وتحقيق التنمية المستدامة.

    المبحث الثالث: أشكال وتصنيفات الدول الدستورية

    تنقسم الدول من حيث بنيتها الدستورية إلى الدولة البسيطة الموحدة، التي تتميز بوحدة السلطة والدستور والأجهزة الثلاثة (كالمغرب وفرنسا)، وتُدار عبر المركزية الإدارية المطلقة أو اللاتمركز الإداري (تفويض صلاحيات لممثلي الإدارة المركزية بالأقاليم) أو اللامركزية الإدارية والجهوية (منح الشخصية المعنوية لمجالس ترابية منتخبة، كالجهوية المتقدمة بالمغرب).

    وإلى الدولة المركبة والاتحادات الدستورية، التي تتخذ أربعة أشكال: الاتحاد الشخصي (اتحاد دولتين تحت عرش واحد مع احتفاظ كل منهما بسيادتها)، والاتحاد الفعلي (اندماج الشخصية الدولية مع احتفاظ كل دولة بنظامها الداخلي)، والاتحاد الاستقلالي الكونفدرالي (معاهدة بين دول كاملة السيادة لتنسيق سياسات محددة مع حق الانسحاب)، والاتحاد المركزي الفيدرالي (دستور اتحادي يدمج الدول في دولة عليا موحدة مع ثنائية الدساتير والبرلمان، كالولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا).

    الفصل الرابع: نظرية دولة القانون وضمانات خضوع الدولة للقانون

    المبحث الأول: مفهوم دولة القانون

    تُعرف دولة القانون بأنها الدولة التي تخضع في كافة أنشطتها وقرارات سلطاتها الثلاث لأحكام القانون وقواعده المعيارية، بحيث لا يستطيع الحاكم إصدار أي تصرف إلا بناءً على سند قانوني مشروع.

    المبحث الثاني: النظريات المفسرة لخضوع الدولة للقانون

    ترى نظرية التحديد الذاتي أن الدولة تخضع للقانون بإرادتها الحرة لضمان ثقة المحكومين، وقد انتقدها العميد ليون دوجي بأن القيد الذي تصنعه الإرادة وتلغيه متى شاءت ليس قيداً ملزماً حقيقياً. بينما ترى نظرية القانون الطبيعي أن قيم العدالة والمساواة سابقة على نشأة الدولة وأعلى مرتبة من نصوصها الوضعية، فتلتزم الدولة باحترامها بحكم طبيعتها لا بإرادتها المتقلبة.

    المبحث الثالث: المقومات والضمانات الدستورية لقيام دولة القانون

    تقوم دولة القانون على مجموعة من المقومات الأساسية: مبدأ تدرج القواعد القانونية (هرم كلسن)، الذي يقتضي خضوع كل قاعدة أدنى لما يعلوها من قواعد وصولاً إلى سمو الدستور في قمة الهرم؛ ومبدأ المشروعية الذي يلزم الإدارة والسلطات العامة بالتقيد بالقانون في كل تصرفاتها؛ والرقابة القضائية على أعمال الإدارة التي تتيح للمتضررين الطعن في القرارات الإدارية المخالفة للقانون أمام قضاء مستقل؛ واستقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ضماناً لحياد الفصل في المنازعات؛ وأخيراً ضمان الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين بنصوص دستورية آمرة يصعب المساس بها، مع إتاحة آليات فعلية للتقاضي دفاعاً عنها.

    📗 خلاصة الباب

    • تقوم الدولة على ثلاثة أركان لا غنى عنها: الشعب، الإقليم، والسلطة السياسية ذات السيادة.
    • تعددت النظريات المفسرة لنشأة الدولة بين الثيوقراطية والقوة والماركسية والعقد الاجتماعي (بتبايناتها الثلاثة عند هوبز ولوك وروسو) والنظريات التطورية.
    • تصنَّف الدول إلى بسيطة موحدة (كالمغرب) ومركبة اتحادية بأشكالها الأربعة (شخصي، فعلي، كونفدرالي، فيدرالي).
    • دولة القانون تقوم على تدرج القواعد القانونية والمشروعية والرقابة القضائية واستقلال القضاء وضمان الحقوق والحريات.

  • الباب الثامن: القانون العام الخارجي (القانون الدولي العام)

    📖 المدخل لدراسة القانون — الفصل 9 من 9 — فهرس الكتاب

    مدخل

    • يشمل هذا الفرع القانون الدولي العام وقانون التنظيم الدولي

    الفصل الأول : القانون الدولي العام

    • المبحث الأول : التعريف : هو مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم علاقات الدولة فيما بينها وبين بعضها البعض في حالة السلم والحرب والحياد ، وبالتالي فهذا القانون ينظم علاقات الدول فيما بينها دون علاقات الأفراد ،الشيء الذي يجعل من مختلف مصادر القانون منشأها العرف لا التشريع وكذلك الاتفاق والمعاهدات الثنائية أو المتعددة الأطراف أو الدولة ، وأهم ما يميز هذا القانون ضعف الجزاء فأغلب القوانين الصادرة في هدا الصدد غير ملزمة لضعف المجتمع الدولي وتعدد المنازعات والأحلاف .

    • كما أنه رغم وجود محاكم دولية كمحكمة الجنايات الدولية ومحكمة لاهاي إلا أن أحكامها تفتقد الطابع الزجري حيث يبقى تنفيذها معلقا على إرادة أطراف النزاع كما هو الأمر بالنسبة لقضية لوكربي . ولعل هذا هو السبب الرئيس الذي جعل الكثير من الفقهاء لا يعتبرونه قانونا بالمعنى الحرفي لعدة اعتبارات منها :

    • غياب سلطة تشريعية عليا تقوم بسن القوانين

    • غياب سلطة قضائية لها أحكام ملزمة

    • غياب سلطة تنفيذية تقوم بتوقيع الجزاء على المخالفين للقواعد القانونية

    لكن البعض يدافع عن قانونية القانون الدولي للاعتبارات التالية :

    • في غياب التشريع يعمل بالعرف الذي يعتبر مصدرا قديما

    • عنصر الجزاء ليس مفقودا لكنه يختلف عن طبيعة الجزاء في القانون الداخلي حيث يكون على شكل عقوبات اقتصادية أو قطع علاقات دبلوماسية أو تجميد أموال ، لكنه في الحقيقة يطبق على الدول الصغيرة ويصعب تطبيقه على الدول الغنية .

    • غياب قضائية دولية ليس شرطا لقيام القانون ومع ذلك نجد محاكم دولية رغم أن أحكامها تفتقد للطابع الإلزامي .

    المبحث الثاني : مواضيع القانون الدولي

    • قانون السلم : يتولى هذا القانون تبيان : شروط قيام الدولة لكي تتمتع بالشخصية المعنوية ، حقوق وواجبات الدول ، المسؤولية الدولية ، التمثيل الدبلوماسي ، وضع الدول بالنسبة للهيئات والمنظمات الدولية كهيئة الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها

    • قانون الحرب : يقوم على ما يلي : شروط قيام الحرب ، الأسلحة المسموح بها ، كيفية تبادل الأسرى ، أنواع الحرب المشروعة وغير المشروعة .

    • قانون الحياد : يضع قواعد الحياد ، وأنواع الحياد هل هو دائم أم مؤقت

    • مفاهيم القانون الدولي : سواء كانت مفاهيم تقليدية كالسيادة أو مفاهيم حديثة كالوصاية أو مفهوم التراث المشترك للإنسانية .

    • القانون الدولي الإنساني

    • القانون الدولي للتنمية : ويقوم على التضامن والاعتماد المتبادل ، يتوخى إرساء نظام اقتصادي عالمي جديد ومحاولة ضبط العلاقات بين الدول المتقدمة والفقيرة.

    • القانون الاقتصادي الدولي : ويتم التعرف من خلاله على المؤسسات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي .

    المبحث الثالث : مصادر القانون الدولي العام

    المطلب الأول : العرف

    • ويعتبر أهم مصدر للقانون الدولي العام ويقوم على ركنين مادي ومعنوي ومعناه التزام الدول بقواعد محددة تسير عليها وترجع إليها لتنظيم علاقاتها وحل منازعاتها

    المطلب الثاني : الفقه

    • ظهر في القرن 17 على يد الفقيه كريسيوس المؤسس لقواعد هذا القانون

    المطلب الثالث : القضاء

    • الأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية كمحكمة العدل الدولية ، فهذه الأحكام تشكل سوابق قضائية في المجال الدولي يتم الرجوع إليها كلما اقتضى نزاع دولي ذلك.

    الفصل الثاني : قانون التنظيم الدولي

    المبحث الأول : التعريف

    • عبارة عن قانون مكتوب أغلب قواعده وردت في المعاهدات الدولية التي أنشأت المنظمات الدولية ، لكنه غير تام فيكمل بالأعراف الدولية .

    المبحث الثاني : مواضيع قانون التنظيم الدولي

    • كيفية نشوء المنظمات الدولية

    • توزيع الاختصاص بين المنظمة الدولية وبين الدول الأعضاء

    • فروع المنظمات الدولية التي تعتبر الهيئات الأساسية في مباشرة المنظمة لاختصاصاتها والنواة الأساسية لترجمة أهداف المنظمة على ارض الواقع

    • سلطات المنظمة الدولية وتتمثل في : البحث والدراسة والمناقشة ، عقد الاتفاقيات الدولية ، اتخاذ القرارات التنظيمية ، موظفو المنظمات الدولية : بشقيهم الأول وهم ممثلو الدول الأعضاء لدى المنظمة وهم أشخاص تختارهم الدول لتمثيلها لدى المنظمة ، والثاني وهم الذين يحملون لقب موظف دولي ويعملون لحساب المنظمة المعنية للقيام بوظائفها المرسومة في ميثاق إنشاءها .

    📗 خلاصة الباب

    • القانون العام الخارجي يشمل القانون الدولي العام (مجموعة القواعد التي تنظم علاقات الدول فيما بينها، بمواضيعه ومصادره: العرف والفقه والقضاء الدوليان) وقانون التنظيم الدولي (المتعلق بالمنظمات الدولية ومواضيعه الخاصة).
    • يتميز القانون الدولي العام عن القانون الداخلي بافتقاره النسبي للطابع الزجري رغم وجود محاكم دولية (كمحكمة الجنايات الدولية ومحكمة لاهاي)، وهو ما يطرح إشكاليات حول طبيعته القانونية الملزمة مقارنة بالقانون الداخلي.

  • الباب السابع: القانون العام الداخلي (الدستوري، الإداري، المالي)

    📖 المدخل لدراسة القانون — الفصل 8 من 9 — فهرس الكتاب

    مدخل

    يشمل القانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي

    الفصل الأول : القانون الدستوري

    هو الفرع الأساسي للقانون العام الداخلي حيث يقنن كيفية تنظيم المؤسسات السياسية للدولة وسير عملها وقد ظهر كتخصص قانوني بعد الثورة الفرنسية عندما ظهرت الكثير من الدساتير في الدول الأوروبية .ويأتي نعت دستوري لأن القواعد الأساسية لهذا القانون توجد ضمن وثيقة الدستور الذي يعتبر النص المؤسس لمجتمع معين . والقانون الدستوري قانون سياسي إذ يصعب فك الارتباط بينه وبين السياسة لأنه فرع القانون الذي يعطي التأطير القانوني للظواهر السياسية ، فهو ينظم العلاقات السياسية التي يكون رهانها الأساسي هو الوصول إلى السلطة .

    المبحث الأول : مفهوم الدستور

    يحدد الدستور النظام القانوني للدولة فهو القاعدة المعيارية العليا داخل الدولة العصرية اذ يتضمن قواعد ممارسة السلطة السياسية وممارسة الحقوق الأساسية .

    التعريف المادي للدستور : طبقا للمنطق المادي يتم تعريف الدستور انطلاقا من محتوى الوثيقة الدستورية ، فنقول إن الدستور هو مجموع القواعد المكتوبة والعرفية المتعلقة بالسلطة السياسية في مجتمع معين وكذلك الحقوق والحريات المضمونة للأفراد .

    التعريف الشكلي للدستور : فيعتبر الدستور هو مجموع القواعد التي تم سنها والتي لا يمكن مراجعتها إلا بواسطة جهاز معين أو مسطرة خاصة ، استفتاء مثلا أو أغلبية 3/5 من البرلمانيين .

    يبقى التعريف المادي واسعا وغير دقيق حيث أن القانون الإنتخابي أيضا ينظم ممارسة السلطة وانتقالها أما التعريف الشكلي فحصر تعريف الدستور في القواعد المتعلقة بممارسة الحكم وقد تكون غير دستورية أصلا ، لذلك يمكن تعريف الدستور أحسن تعريف إذا انطلقنا من التعريف الشكلي وأغنيناه بالعريف المادي فيصبح التعريف هو مجموع القواعد المكتوبة والعرفية المتعلقة بممارسة السلطة وانتقالها .

    المطلب الأول : الدستور والدولة

    جرت العادة أن يربط رجال القانون بين الدستور والدولة ، لأنها الجهاز الوحيد الذي يتوفر على دستور وهو أساس الدولة .

    والفرق بين الدستور والمعاهدة مثلا بين دول الاتحاد الأوروبي أن الدستور لا يمكن تعديله إلا بأغلبية الأصوات بينما يمكن تعديل المعاهدة باتفاق المتعاقدين .

    المطلب الثاني : الدستور الإجتماعي والدستور السياسي

    الدستور الإجتماعي يحدد النظام القانوني للمحكومين فيعدد حقوق وحريات المواطنين وهو يعبر عن فلسفة مجتمع مثلا ديباجة دستور 1946 هو الدستور الإجتماعي للجمهورية الخامسة ، أما الدستور السياسي فهو يحدد النظام القانوني المتعلق بالحكام كما يحدد كل سلطة من السلط وطريقة أدائها لمهامها ووظائفها ويوضح اختصاصات الأجهزة التنفيذية والتشريعية ونظام فصل السلط ويحدد شكل الحكومة وشكل الدولة هل موحدة أم مركبة.

    المطلب الثالث : الدستور والدستورانية

    الدستورانية مذهب فكري من عناصر اللبرالية السياسية يدعو إلى الأخذ بالدساتير المكتوبة بغرض وضح حد للممارسة التحكمية للسلطة واعتبار الدستور المكتوب هو الوسيلة الوحيدة لتقييد السلطة السياسية وإقامة دولة القانون . وللحيلولة دون التحكم يتم التحديد الواضح لقواعد اللعبة السياسية ومنع التفسيرات والتأويلات التي تكرسها الدساتير العرفية .

    يسميها منتسكيو الحكومة المقيدة وفي القرن 19 أطلق عليها الحكومة الدستورية أو دولة القانون . ودولة القانون تتعارض مع الدولة البوليسية ففي دولة القانون لا يمكن للحكام ممارسة السلطة السياسية إلا طبقا لقواعد قانونية محددة سلفا ولا يمكنهم تغييرها تعسفا.

    تدعو الدستورانية أن يكون النص الدستوري واضحا وموجها إلى تقييد السلطة السياسية لضمان الحفاظ على الحرية الفردية .

    المبحث الثاني : أشكال الدساتير

    من حيث الشكل هناك دساتير مكتوبة وعرفية ، أما من ناحية طريقة تعديلها فهناك دساتير صلبة وأخرى مرنة .

    المطلب الأول : الدساتير المكتوبة

    أغلب الدول اليوم تتوفر على دستور وأول دستور عرفته فرنسا يعود إلى 1971 سبقه إعلان حقوق الإنسان بواسطة الجمعية التأسيسية سنة 1789 وهو ثمرة الثورة الفرنسية.

    المطلب الثاني : الدساتير العرفية

    اندثر أغلبها فدستور المملكة الفرنسية كان عرفيا قبل الثورة الفرنسية وتبقى هذه السمة في بريطانيا حيث أن من بين الأعراف أن يعين الملك رئيس الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية رئيسا للوزراء .

    المطلب الثالث : الدساتير المرنة

    يمكن تعديلها بسهولة بواسطة قانون عادي فهي لا تنص على قواعد خاصة بتعديلها فهنا يحتل الدستور نفس مرتبة القوانين العادية ضمن تراتبية القوانين ، بريطانيا الصين نيووزيلاندا تتوفر على دساتير مرنة .

    المطلب الرابع : الدساتير الصلبة

    الدساتير الصلبة في مرتبة أعلى من القوانين العادية وتكون مكتوبة .

    ولا يمكن اعتبار دستور ما صلبا إلا إذا كان ينص على مسطرة خاصة بتعديله تتميز عن مسطرة تعديل القوانين العادية فتكون مقتضيات تعديله أعلى مرتبة و أكثر تعقيدا من مسطرة تعديل القوانين العادية . فقد تتعدد مراحل تعديل الدستور وقد تتطلب الاتفاق بين مجلسي البرلمان وكذا الحصول على أغلبية موصوفة وأحيانا احترام آجال معينة للتفكير في موضوع التعديل . فالدستور الفرنسي لسنة 1971 منع التعديل خلال الولايات التشريعية الأولى وكذلك مسطرة التعديل المعقدة وكثرة الشكليات كانت تحول دون أي تفكير في تعديله .

    المبحث الثالث : وضع ومراجعة الدساتير

    تعمل السلطة التأسيسية على وضع الدستور وتطويره ، فهي السلطة المكلفة بوضع أو تغيير دستور حيز التطبيق . المجلس الدستوري الفرنسي

    المطلب الأول : وضع الدستور

    الفرع الأول : مفهوم السلطة التأسيسية الأصلية

    هدف السلطة التأسيسية الأصلية هو تمكين الدولة من دستور يؤسس لنظام قانوني جديد .

    وهذه الحالة تكون حين لا يكون هنالك دستور سابق مثلا بعد الإستقلال أو انقلاب أو ثورة أو قيام دولة فدرالية أو انفصال من إقليم معين .

    الفرع الثاني : كيفية تعيين السلطة التأسيسية الأصلية الفقرة الأولى : الطرق السلطوية والتحكمية لتعيين السلطة التأسيسية الأصلية

    • الوثيقة الممنوحة : عندما تنعدم المشاركة الشعبية في وضع الدستور فيكون هذا الدستور نتاج الإرادة المنفردة للحاكم الذي يسعى إلى دسترة الحكم المطلق فيمنح الشعب دستورا .

    • الوثيقة التعاقدية أو الميثاق : يكون اتفاقا بين الملك والبرلمان ويكون وثيقة متوافقا عليها وهو على غرار المنحة أسلوب لم يعد معمولا به .

    • الاستقناء التأسيسي المكرس للحكم المطلق للحاكم : وهي استدعاء الشعب للمصادقة على نص دستوري وضعه الجهاز التنفيذي أو حاكم مطلق وهي تكريس لحكم مطلق

    الفقرة الثانية : الطرق الديمقراطية لتعيين السلطة التأسيسية الاصلية

    • انتخاب جمعية تأسيسية : تنتخب الجمعية التأسيسية بواسطة الشعب لتقوم بصياغة نص الدستور وتعمل نفس اللجنة على المصادقة عليه دون تدخل الشعب وهي تمكن من خلق نقاش حقيقي حول الدستور وتم تدشينها في الولايات المتحدة ، كما يمكن لهذه الجمعية أن تكون تأسيسية وتشريعية أيضا بحيث لا تصيغ الدستور فقط بل تصادق على القوانين العادية .

    • الشعب صاحب السلطة التأسيسية : في هذه الحالة يقوم الشعب بانتخاب جمعية تأسيسية تكلف بوضع الدستور ثم تعرضه على الشعب بواسطة استفتاء شعبي ، هذه الطريقة هي الأكثر ديمقراطية .

    المطلب الثاني : تعديل الدستور أو السلطة التأسيسية الفرعية

    يستجيب تعديل الدستور إلى ضرورة ملاءمة النص الدستوري للتحولات التي يعرفها المجتمع فللشعب دائما الحق في إعادة النظر في الوثيقة الدستورية فلا يمكن لجيل أن يخضع لقوانين جيل سابق ، والسلطة التأسيسية الفرعية هي السلطة الخاصة المؤهلة لتعديل دستور قائم وموجود ، فالدساتير تنص دائما على مسطرة يمكن من خلالها تعديل مضامينها وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن كل دولة لها قواعد فوق دستورية لا يمكن أن تمسها السلطة التأسيسية بالتعديل ، فمثلا دستور الجمهورية الخامسة ينص على أن الشكل الجمهوري للحكومة لا يمكن أن يكون محل تعديل ، وتعديل الدستور يتم عبر 3 مراحل

    الفرع الأول : مبادرة تعديل الدستور

    قد ينحصر حق المبادرة في تعديل الدستور على الحكومة فقط وقد ينحصر في البرلمان كما يمكن أن تكون المبادرة منهما معا ويمكن أن تكون المبادرة للشعب عن طريق عرائض يوقعها الشعب مباشرة .

    الفرع الثاني : إعداد نص التعديل الدستوري

    يكون هذا الإعداد في الدول السلطوية والتحكمية وهي السلطة التنفيذية ، أما في الدول الديمقراطية فإن المرحلة الثانية من عملية تعديل الدستور تتم بواسطة البرلمان أو بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة لهذا الغرض .

    الفرع الثالث : المصادقة النهائية على التعديل الدستوري

    يتم ذلك بواسطة الشعب أو بواسطة جمعية خاصة ، فتكون إما بواسطة استفتاء يطرح على الشعب ليقول كلمته أو بواسطة مجلسي البرلمان الذان يجتمعان لهذا الغرض للمصادقة على التعديل بنسبة أغلبية معينة ويمكن اللجوء إلى مسطرة الاستفتاء إلزاميا عندما يكون مصدر التعديل الدستوري هو البرلمان .

    المبحث الرابع : الدستور وهرمية وتراتبية القواعد القانونية المعيارية

    يعتبر الدستور القاعدة المعيارية العليا في النظام القانوني الداخلي ، فتستمد القواعد المعيارية الدنيا شرعيتها من مطابقتها للقاعدة المعيارية العليا وهي الدستور .

    فيأتي الدستور على قمة هرمية القواعد القانونية ، ثم تأتي القوانين التنظيمية باعتبارها قواعد مكملة للدستور وبعدها القوانين العادية ثم المراسيم والقرارات .

    وفي فرنسا قام الإجتهاد القضائي للمجلس الدستوري بتطوير نظام دستوري معياري عمل على إقامة بنية النظام القانوني فتم إدخال الوثيقة الدستورية في مختلف فروع القانون لدرجة أصبح الحديث يتم عن دسترة مختلف فروع القانون .

    أما بالنسبة للمعاهدات الدولية فلا يمكن أن تسمو على الدستور وإذا ما ثبت تعارضها مع الدستور فإنها لا يعمل بها ولا يصادق عليها إلا بعد تعديل الدستور .

    بشكل عام لفرض احترام الدستور على باقي القواعد القانونية الأدنى منه مرتبة يتعين إقامة نظام لرقابة على دستورية هذه القواعد يدعى الرقابة على دستورية القوانين حيث يعتبر هذا النظام من المستلزمات الكلاسيكية للدستورانية فهو ” الضمانة القضائية للدستور “.

    المبحث الخامس : العرف الدستوري

    • مفهوم العرف الدستوري : بقيت لمدة طويلة موضوع خلاف ، لكن يمكن تعريفه على أنه القاعدة القانونية الغير المكتوبة التي تنتج عن سوابق منتظمة متواترة ومحترمة من قبل السلطات العامة للدولة ، وعلى باقي فروع القانون يخضع العرف لضرورة توفر شرطين أساسيين 1- الركن المادي للعرف وهو اضطرار العمل بالسلوك من قبل السلطات العامة دون اعتراض المجتمع ، 2- الركن المعنوي وهو شعور الجميع حكام ومحكومين بإلزامية هذا السلوك . ومنذ زمن طويل رفض الفقه وجود العرف في المجال الدستوري حيث يرى الكثير من الفقهاء بوجود تنافي بين مصطلحي الدستور والعرف لأن هذا الأخير ليس قاعدة مكتوبة ولا يكون في حاجة إلى مسطرة لتعديله أو تغييره .

    • دور العرف الدستوري : نميز هنا بين العرف المفسر والعرف المكمل والعرف المعدل .

    • العرف الدستوري : فيسعى إلى توضيح معنى بعض المقتضيات الدستورية الملتبسة أو المبهمة .

    • العرف الدستوري المكمل : فيسعى إلى سد ثغرات النص الدستوري وهو العرف الذي كرس وجود رئيس المجلس في الحكومة الثالثة حيث لم ينص عليه الدستور سنة 1875

    • العرف المعدل : العرف الذي يتناقض مع مقتضى دستوري صريح

    المبحث السادس : إعلانات الحقوق

    وثيقة سياسية تأتي بشكل عام في ديباجة الدستور الذي يحدد حقوق وحريات الأفراد وهو يعبر عن الفلسفة السياسية للمشرع الدستوري .

    الفصل الثاني : القانون الإداري

    إذا كان موضوع القانون الدستوري ينصب حول تنظيم الهيئات السياسية للدولة أو السلطات العامة وكيفية أدائها لمهامها ووظائفها فإن موضوع القانون الإداري يتمحور حول النظام القانوني للأجهزة الإدارية وكيفية أدائها لمهامها ووظائفها .

    المبحث الأول : تعريف الإدارة

    هي مجموع الأجهزة التي توجد تحت سلطة الحكومة والمدعوة إلى ضمان مختلف مهام الصالح العام التي يعود إلى السلطة العمومية أمر القيام بها .

    الفرع الأول : وظيفة الإدارة

    تتأسس وظيفة الإدارة بناء على دور الدولة ، فالدولة تقوم بوظيفتين اجتماعيتين أساسيتين

    أولا : تسن القواعد القانونية أي أنها تنظم سلوك الناس داخل المجتمع بواسطة قواعد آمرة يتعين الخضوع لأحكامها فينتج عن ذلك 1- الدولة تضع القرارات التنظيمية 2- الدولة تسهر على تنفيذ القواعد القانونية التي سنتها .

    ثانيا : الدولة تقدم لأفراد المجتمع مجموعة من الخدمات .

    ويتخذ تدخل الدولة أشكالا مختلفة :

    • تقديم خدمات غير مادية : كالحفاظ على النظام العام وأمن وممتلكات الناس ، الصحة والوقاية أي مهام الشرطة الإدارية

    • تقدم الدولة خدمات مادية : الطرق ، البريد ، الدفاع الوطني ، العمل الإجتماعي أي أنها تسير المرافق العامة .

    والإدارة لا تتكلف بوظيفة واحدة من هذه الوظائف بل تشارك في الوظيفتين معا فهي توجد في عصب حياة الدولة إذن فمعرفة وظائف الإدارة من خلال معرفة وظائف الدولة .

    الفقرة الأولى : الإدارة تشارك في تنظيم أنشطة الخواص

    • الإدارة لا تضع القاعدة القانونية لكنها تلعب دورا مهما في تحضير مشاريع القوانين

    • الإدارة مكلفة أساسا بتنفيذ القانون ، وهي تتخذ تدابير خاصة لتنفيذ القانون فلا يمكن للقانون أن يتضمن مختلف التفاصيل ويمكن للنصوص التطبيقية أن تكون مختلفة مثلا نصوص تطبيقية على شكل قرارات عامة ومجردة مثلا قرار يتخذه رئيس المجلس القروي بمنع ركن السيارات في موقف معين ، ويتخذ شكل قرارات فردية مثلا هدم عمارة محددة ، ويمكن لهذه التدابير الإدارية أن تجتمع فيما بينها مثلا مصادرة مسكن فـ يتم 1- نص تشريعي يرخص بالاستيلاء ويحدد هدفه وموضوعه 2- نص تنظيمي يحدد كيفيات تطبيق النص التشريعي 3- قرار فردي بناء على مقتضيات القانون .

    • الإدارة التي لها اختصاص تنفيذ القانون يمكن أن تستعمل القوة ويكون إما عن طريق القاضي أو التنفيذ الفوري المباشر أو التنفيذ المباشر دون قاضي .

    الفقرة الثانية : تشارك الإدارة في تقديم الخدمات

    تتدخل الإدارة لتقديم الخدمات للناس مثل المساعدة الطبية المجانية أو التعليم أو تقديم الأموال والخدمات فإذا قامت بذلك ومنحت الخواص سمي ذلك احتكارا و قد تسمح للخواص بمنافستها في أنشطتها مثل التعليم والصحة والبريد والنقل مجموع هذه الأنشطة تسمى مرافق عمومية .

    الفرع الثاني : الأجهزة المكونة للإدارة

    الإدارة إنسانيا هي الأشخاص الطبيعيون الذين يساهمون في أداء المهام الإدارية الموظفون

    أما قانونيا فهي أجهزة إدارية تعتبر أشخاصا معنوية أو أشخاصا عامة .

    الأشخاص الإدارية تسير بواسطة أجهزة داخلية خاصة بكل واحدة منها .

    الشخصية المعنوية تتخذ قرارات ولها ذمة مالية وتقاضى ، تتكون الإدارة من عدد مهم من الأشخاص العامة أو أشخاص القانون العام .

    • الدولة ، وهي على رأس الأشخاص المعنوية ، لها ذمة مالية وتتخذ قرارات ، ولها أهلية التقاضي ، لكن الدولة ليست إدارة فقط بل تمارس التشريع والوظيفة القضائية .

    • الجهات والأقاليم والجماعات تتوفر على سلطات إدارية فقط ، ولها ذمة مالية وأملاك ومداخيل ونفقات – ميزانية – ويمكن لها أن تتخذ قرارات وتقاضى .

    • المؤسسات العامة أيضا لها شخصية معنوية كالجامعات وغرف الصناعة والصندوق الوطني للإيداع والتدبير والمستشفيات وهي كلها مؤسسات عمومية وهي طرق من طرق إدارة المرافق العمومية لها شخصية معنوية كالبقية .

    المبحث الثاني : تعريف القانون الإداري

    • هو مجموع القواعد القانونية التي تطبق على الإدارة .

    • تسير الإدارة بواسطة قواعد خاصة تشكل القانون الإداري لكن في بعض الحالات تنزل منزلة الخواص وتخضع لقواعد القانون الخاص ، المدني التجاري أو قانون الشغل ، ومن ثم يبقى من الضروري تحديد مجال تطبيق القانون الإداري ، قواعد القانون الخاص التي تطبق على العلاقات مع الخواص ، قواعد القانون العام المخصصة فقط للإدارة ولا تطبق على الخواص ، مثلا في حالة أرادت جماعة ترابية تملك عمارة فتبرم عقد بيع من ضمن عقود القانون الخاص ، ويمكن للجماعة الترابية أن تنزع الملكية في حالة المصلحة العامة فتستعمل وسائل الإكراه ، إذن لدراسة القانون الإداري نأخذ بعين الاعتبار قواعد القانون العام الخاصة بالإدارة والحالات التي تطبق فيها قواعد القانون العام والحالات التي تطبق فيها الإدارة قواعد القانون الخاص .

    • إضافة إلى القواعد الجوهرية التي تحدد النظام القانوني المطبق على الإدارة نجد هناك القواعد المتعلقة بالمسطرة ، ففي حالة وجود نزاع حول تطبيق قاعدة قانونية لا بد من الحسم بواسطة محكمة ، في القانون الخاص المسطرة المدنية تجد حلول النزاع بين شخصين ، أما بين الأشخاص والإدارة وتسمى المنازعات الإدارية فهي مدمجة ضمن القانون الإداري وتحسم فيها محاكم خاصة مثل : مجلس الدولة ، المحاكم الإدارية ، محاكم الاستئناف الإدارية . أما في حالة تنازع الاختصاص بين المحاكم الإدارية والمحاكم العادية يعود الأمر إلى محكمة المنازعات . نلاحظ أيضا أن القانون الإداري يتمتع بمرونة كبيرة حيث أنه لا توجد فيه نصوص تشريعية كثيرة تحدد القواعد الأساسية المتعلقة به وطرق تطبيق هذه النصوص التشريعية تتخذ بواسطة قرارات إدارية هي القرارات التنظيمية ، وبقيت الحلول التفصيلية متروكة للمحاكم الإدارية ، مجلس الدولة المحاكم الإدارية ، محاكم الاستئناف الإدارية ، ونسبة مهمة من القانون الإداري هو عبارة عن اجتهاد قضائي لذلك يقال أن القانون الإداري هو قانون قضائي وهو ما يفسر كثرة الإحالة على قرارات القاضي الإداري لبعض القواعد في القانون الإداري .

    المطلب الأول : علاقة القانون الإداري بالقانون الدستوري

    • يشترك القانون الدستوري والقانون الإداري في تنظيم السلطة التنفيذية ، فالقانون الدستوري يؤطر النشاط السياسي للسلطة التنفيذية ويحدد اختصاصاتها بينما يهتم القانون الإداري بنشاط السلطة التنفيذية وأعمالها كإصدار القرارات الإدارية بنوعيها التنظيمية والفردية وتنفيذ القوانين وإحداث المرافق العامة .

    • يرى بعض الفقهاء الدستوريين أنهما يكملان بعضهما ، القانون الإداري يبدأ من حيث انتهى القانون الدستوري . ولعل أهم ما يجسد هذه العلاقة المتداخلة بينهما هو أن الوزراء يعتبرون سلطة سياسية وإدارية فهم سياسيون عندما يشاركون في قيادة السياسة العامة للبلاد ، فتندرج أعمالهم في نطاق القانون الدستوري ، ويتصرفون كسلطة إدارية عندما يتخذون قرارات إدارية لتنظيم وزاراتهم ويبرمون العقود الإدارية حينها يخضعون لأحكام القانون الإداري وهو القانون الذي يسعى إلى ترجمة المبادئ الدستورية في المجال الدستوري ، يتضح إذن أنهما متكاملان ويرتبطان أحيانا ويتداخلان أحيانا أخرى ، لكنهما يبقيان متميزان عن بعضهما البعض من حيث موضوع كل منهما لكن يبقى الدستور مصدر مشترك بينهما وكل نظام سياسي لا بد له من قانون إداري .

    المطلب الثاني : القانون الإداري والقانون المالي

    • القانون الإداري والمالي جناحان لطائر واحد فلا يمكن للإدارة أن تنطلق بدونهما .

    • فموضوع المالية يتحدد بدراسة الوسائل التي تحصل الدولة بها على إيراداتها وسبل أنفاقها ، فإن أصول هذه الإيرادات والنفقات ترجع إلى القانون الدستوري ، فالدستور يحدد وسائل إيرادات الدولة وسبل إنفاقها ولكل دولة أموالها العامة وعليه فإن ما يتعلق بهذه الأموال وسبل إنفاقها وكيفية إدارتها هي من الموضوعات التي تدخل في إطار القانون الإداري كما تعتبر الأموال العامة أحد أهم وسائل الإدارة التي تساعدها على القيام بأنشطتها المختلفة .

    المطلب الثالث : القانون الإداري وعلم الإدارة

    • يشترك القانون الإداري وعلم الإدارة في دراسة الإدارة العامة أو الجهاز الإداري للدولة لكن من زاوية مختلفة ، فالقانون الإداري أساس دراسته للإدارة العامة أساس قانوني في حين ينصب علم الإدارة على معالجة الجانب الفني والتقني والسوسيولوجي .

    • القانون الإداري استفاد من القانون المدني من حيث أخذ الشخصية المدنية ونظرية العقد وحق الملكية والمسؤولية ، أما علاقة القانون الإداري بالقانون الجنائي فهذا الأخير يحمي القانون الإداري خلال تأديته لمهمته ويوفر الحماية لممتلكات الإدارية ومرافقها وموظفيها .

    • المواد التي تدرس في القانون الإداري :

    • موضوع القانون الإداري

    • التنظيم الإداري

    • موظفوا الإدارة

    • القضاء الإداري

    الفصل الثالث : القانون المالي

    • اهتمت النظرية المالية الكلاسيكية أساسا بالقواعد القانونية ذات الطابع الإداري أو الدستوري التي يتعين على مختلف الأنشطة المالية للدولة الخضوع لأحكامها .

    • هذه القواعد كان هدفها تسهيل مراقبة البرلمان لنشاط الحكومة ، فميزانية الدولة التي كانت مجرد خطة عمل في المجال المالي أصبحت الأداة الرئيسية لتنفيذ السياسة الاقتصادية للحكومة ، فالميزانية أصبحت قرارا اقتصاديا وسياسيا وبالأخص قرارا قانونيا ، فالمالية العامة التي تميزت بأنها تفاعل دائم بين هدف اقتصادي ومساطر مالية والتي تخضع في دولة القانون لمبدأ الشرعية تبقى بكل تأكيد قانونية .

    المبحث الأول : الدور الجديد للمالية العمومية

    • في القرن 19 كانت الدولة تمارس أنشطة إدارية وأمنية ودبلوماسية ولم تكن فاعلا اقتصاديا بفعل النظام اللبرالي الذي كان يرفض تدخل الدولة التي تعيق نشاط الخواص وكانت النفقات العمومية مكونة من رواتب العسكريين والمعاشات ولم تكن منتجة للثروات ، لكن بعد 1920 بدأت تتدخل الدولة في المجال الاقتصادي ليس بإرادة اختيارية بل تحت ضغط الظروف فتصفية آثار الحرب ونفقات إعادة البناء ومقاومة الأزمة الاقتصادية الكبرى كانت أسبابا لتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية .

    • إن التدابير التي كانت تهدف إلى مقاومة الفقر ومخاطر الحياة والمساواة الاجتماعية اعتبرت مشروعة وأصبح بعد ذلك يطالب بها الرأي العام كما أن التوسع المستمر للإقتصاد جعل الدولة ترفع من درجة تدخلها في الاقتصاد .

    • كانت الدول اللبرالية ترفض قيادة التنمية الاقتصادية بواسطة التخطيط مثل الدول الاشتراكية لكنها كانت تنجز تدخلاتها بواسطة الميزانية ، فالنفقات والإيرادات كانت بمثابة وسائل غير قسرية تمكن من تحفيز الفاعلين الاقتصاديين طبقا للأهداف المحددة من الحكومة حيث تقترح عليهم امتيازات مالية .

    • وتطورت النفقات العمومية بشكل تدريجي بجانب النفقات الموجهة إلى تأمين الأداء الجيد للمرافق العمومية ثم ظهرت نفقات موجهة للاستثمار للرفع من الإنتاج الوطني كالسدود والطرق والمدارس والمصانع وأيضا النفقات التي تهدف إلى إعادة توزيع المداخيل بين مختلف الطبقات الإجتماعية ومنح الطلبة والعاجزين وأصحاب الدخل المحدود .

    • في هذا الصدد الضريبة التي كان هدفها تغطية التكاليف العمومية أصبحت وسيلة تأثير على الإنتاج والاستهلاك بواسطة آليات الإعفاء الضريبي مما يشجع بعض الأشكال الاقتصادية لكن سلبيته تكمن في النقص من العائدات المتوقعة ، وكرد فعل ضد التدخل الضريبي المتزايد أعادت بعض التدابير التشريعية إدخال ضرائب محايدة وبدون تأثير اقتصادي مثل الضريبة على القيمة المضافة .

    • الدور الذي يلعبه توازن الميزانية وتأثيره على الظروف الاقتصادية يوضح التضامن العميق بين الأنشطة المالية للدولة والحياة الاقتصادية ، فمثلا في حالة الركود فإن عجز الميزانية بإصدار النقد يقوي القدرة الشرائية للمواطنين ويؤدي إلى الاستهلاك ثم دوران عجلة التجارة والصناعة وبالتالي تحصيل ضرائب وتعويض العجز في الميزانية .

    المبحث الثاني : المساطر المالية

    المطلب الأول : وضع ميزانية الدولة

    • كل سنة يتم تلخيص الحياة المالية للدولة ضمن وثيقة أساسية تدعى الميزانية أو قانون المالية ، والذي يمكن تعريفه على أنه الذي يتوقع ويرخص في كل سنة مدنية مجموع مداخيل ومصاريف الدولة .

    • الفرع الأول : الميزانية قرار توقعي أو بيان تقديري

    • مبدأ سنوية الميزانية يتزامن مع السنة المدنية ، فالحكومة مكلفة دستوريا خلال الأشهر التي تسبق بداية السنة المالية بوضع مشروع يوضح مبلغ إيرادات ونفقات الدولة للسنة المقبلة ، فمشروع الميزانية عملية توقعية من الصعب التوقع مسبقا لمعرفة تكاليف الدولة ونفقاتها وكذلك مداخيل الضرائب ، لذلك ابتكرت وزارة المالية مجموعة مناهج تمكنها بمساعدة باقي الوزارات من الوصول إلى الأغراض المرجوة ، وتحضير وثيقة الميزانية يتم من خلال الأخذ بعين الاعتبار الاعتبارات الاقتصادية فميزانية الدولة أداة لتوجيه الاقتصاد .

    الفرع الثاني : الميزانية ترخيص وإذن بالنفقات والإيرادات

    • يودع مشروع الميزانية من طرف الحكومة لدى مكتب مجلسي البرلمان لدراسته والمصادقة عليه ، فالمصادقة البرلمانية هي التي تمكن المصالح العمومية للدولة من تنفيذ الميزانية ، فالميزانية قرار يجب احترامه من طرف الأعوان العموميين سواء بتحصيل الضرائب أو صرف النفقات العمومية .

    • الدستور يمنح حق تحديد البرلمان للنظام الضريبي و مقاديره وطرق تحصيله لكنه بالمقابل يحد من سلطات البرلمان خلال مناقشة الميزانية ، فالبرلمان والحكومة يجب أن يسهرا على الحفاظ على توازن مالية الدولة وللحكومة أن ترفض بعد بيان الأسباب المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان إذا كان قبولها يؤدي إلى تخفيض الموارد العمومية .

    • كما تعتبر آجال مناقشة الميزانية قصيرة فإذا لم يصادق عليه قبل متم السنة المالية تفتح الحكومة بمرسوم الإعتمادات اللازمة لتسيير مرافق الدولة على أساس ما هو مقترح في الميزانية المعروضة على الموافقة .لذلك عملت الدساتير على الحد من سلطات البرلمان في المجال المالي حيث لم يعد بمقدورها إدخال تعديلات مهمة على القانون المالي .

    المطلب الثاني : تنفيذ الميزانية

    • قانونيا يعود الاختصاص في تنفيذ الميزانية إلى الآمرون بالصرف والمحاسبون العموميون ، في حين تعمل الخزينة العامة على ملائمة ومطابقة تنفيذ الميزانية مع تطور النشاط الاقتصادي العام .

    الفرع الأول : قاعدة الفصل بين الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين

    • العمليات المتعلقة بالإيرادات والنفقات تتضمن مرحلتين أساسيتين في التنظيم المالي مرحلة إدارية تتخذ في إطارها القرارات المتعلقة بالإيرادات أو النفقات ومرحلة محاسباتية يتم خلالها أداء النفقات أو تحصيل الإيرادات ، هاتين المرحلتين تم إسنادهما إلى فئتين من الأعوان العموميين المستقلين عن بعضهما البعض وهما الآمرون بالصرف والمحاسبون العموميون .

    • الآمرون بالصرف موظفون تعود إليهم سلطة اتخاذ القرار المالي ، فالوزير يعتبر الآمر بالصرف الرئيسي ويمكن له تفويض سلطاته إلى أمرين بالصرف تابعين له وخاصة الوالي ، أما المحاسبون العموميون فهم موظفون تابعون لوزارة المالية ، وهم تابعون للخزينة يشملون على المستوى الإقليمي الأمناء العامون للصندوق وعلى المستوى الجماعي القابض .

    • إن عملية النفقة العمومية تتضمن أربعة مراحل ، 1- الإلتزام الذي يعتبر القرار بالنفقة 2- التصفية التي تمكن من حساب مبلغ النفقة ، 3- الأمر بالصرف الذي يعتبر حجة مكتوبة تمكن الدائن من الحصول على النفقة 4- الأداء ، فالمراحل الأولى تتم بواسطة الآمرين بالصرف بينما تعود المرحلة الرابعة إلى مسطرة المحاسبين العموميين ، وفي مجال الإيرادات الجبائية دور الآمر بالصرف يعود إلى الإدارات الجبائية التابعة للدولة والحاسبون في هذا الصدد هم أساسا محاسبو الخزينة خاصة القابضون .

    الفرع الثاني : الخزينة العامة

    • هي مجموع المصالح المالية التابعة للدولة والمكلفة بتركيز السيولة المحصلة بواسطة الإيرادات العمومية في صندوق واحد يودع أو يسحب منه المحاسبون الأموال . لكن عملية صرف الإيرادات أو تحصيلها لا تتم في نفس المكان بل موزعة على كل التراب على حسب حاجيات المحاسبين . وغالبا في بداية السنة المالية يكون تفاوت بين النفقات والإيرادات فيتعين على الخزينة الاقتراض من الابناك أو الخواص في انتظار الفائض من الإيرادات . إضافة غلى ذلك تقوم الخزينة بدور صيرفي حيث تمنح قروضا للمقاولات العمومية والخاصة ، كما تمارس رقابة على الأنشطة المالية الوطنية خلال المشاركة في تنظيم سياسة القروض المعفاة وحراسة أسواق المال على المدى البعيد .

    المطلب الثالث : مراقبة تنفيذ ميزانية الدولة

    • طالما أن قانون المالية هو قرار الترخيص الأعلى فإنه من الضروري أن تحترم مقتضياته من خلال التنفيذ حيث أن مراقبة الميزانية موضوعها الوحيد التحقق من التطبيق السليم للقرارات المتعلقة الميزانية وزجر الأعوان المخالفين للمقتضيات المنصوص عليها في القانون المالي .

    📗 خلاصة الباب

    • يشمل القانون العام الداخلي القانون الدستوري (تعريف الدستور وأشكاله ووضعه ومراجعته وهرمية القواعد القانونية والعرف الدستوري)، القانون الإداري (تعريف الإدارة ووظائفها وأجهزتها وعلاقته بالقانون الدستوري والمالي وعلم الإدارة)، والقانون المالي (الدور الجديد للمالية العمومية والمساطر المالية من وضع الميزانية وتنفيذها ومراقبتها).
    • يميز الفقه بين الدساتير المكتوبة والعرفية، والمرنة والصلبة، ويحدد السلطة التأسيسية الأصلية (واضعة الدستور) والفرعية (المعدِّلة له)، بينما تقوم المالية العمومية على مبدأ الترخيص البرلماني بالنفقات والإيرادات وقاعدة الفصل بين الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين.

  • الباب السادس: التمييز بين القانون العام والقانون الخاص، ونظرية الدولة

    📖 المدخل لدراسة القانون — الفصل 7 من 9 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول : أصل التمييز بين القانون العام والخاص

    منذ الفقيه الروماني اوليبيان ومرورا بمونتيسيكيو الذي أطلق عليه القانون السياسي

    أما على مستوى الوقائع والأحداث 1- ساهم وجود سلطة سياسية وإدارية في المجتمع ساهم في التمييز بين القانون العام والخاص ، 2- ازدواجية القضاء الفرنسي حيث انقسم إلى قضاء إداري يقاضي الإدارة وقضاء عادي يقاضي الخواص ، 3- تدريس العلوم القانونية في الجامعات الفرنسية ففي حين كان يدرس القانون مقسما بناء على المواد القانون المدني ، القانون الإداري .. فكانت ضرورة التخصص حيث تم التقسيم إلى قانون عام وخاص وأصبح لكل منهما فقهاؤه المتخصصون .

    هذه العوامل الثلاثة وجود سلطة سياسية وإدارية و تنظيم القضاء الفرنسي على أساس ازدواجية القضاء وتدريس العلوم القانونية في الجامعات شكلت عوامل بارزة في التمييز بين القانون العام والقانون الخاص .

    وبالرغم من ذلك ظلت هناك انتقادات لهذا التقسيم حيث أن هناك فروعا من القانون ظلت عصية على التصنيف مثل القانون الجنائي أو القانون الدولي الخاص ، مما حدا بالبعض إلى إدراجها ضمن تقسيم مستقل يعرف باسم القانون المختلط .

    نلاحظ أن هذا التقسيم موروث عن القانون الفرنسي .

    الفصل الثاني : مضمون التمييز بين القانون العام والقانون الخاص

    يقوم هذا التمييز بينهما على مجموعة من العناصر التي تتطابق مع بعضها دون أن تصل إلى حد التلاؤم .

    المبحث الأول : المعيار المستند إلى الغاية التي تستهدفها القاعدة القانونية ” المعيار الوظيفي “

    هو معيار قديم ، حسب الفقيه الروماني اوليبان هو القانون الذي تغلب فيه المصلحة العامة .

    وقد ذهب أنصار هذا القول إلى النظر في نوع المصلحة التي يستهدف القانون حمايتها ، فإذا كانت مصلحة عامة تحقق الخير للمجتمع كانت القاعدة من قواعد القانون العام وإذا كانت ترعى المصالح الخاصة كانت من قواعد القانون الخاص .

    هذا المعيار يؤخذ عليه عدم دقته للاعتبارات التالية :

    • أن قواعد القانون كلها تسعى لتحقيق المصلحة العامة ، كما أن الكثير من قواعد القانون العام تعتد بالمصلحة الخاصة وتحرص على احترامها مثلا الحرية الفردية .

    • عدم وجود حدود فاصلة بين المصلحة العامة والخاصة ، فهما متداخلتين فمثلا العلاقة بين العامل والمشغل فهي مصلحة للبلاد من حيث تشجيع العمالة وكذا مصلحة خاصة .

    إذن فمعيار الغاية أو المصلحة ليس معيارا دقيقا ولا يكون دائما صالحا للتمييز بينهما .

    المبحث الثاني : المعيار المستند إلى جزاءات القواعد القانونية وطرق تنفيذها “المعيار الشكلي”

    قواعد القانون العام تطبق فورا من غير تدخل للقضاء بينما تتطلب القواعد القانونية في القانون الخاص اللجوء إلى المحاكم من أجل التمكين من النفاذ ، فنحن نكون أمام القانون العام عندما يتم استعمال مفاهيم وتقنيات غير مألوفة للقانون الخاص كالعقود الإدارية مثلا حيث تكون الدولة في وضعية سامية مقارنة مع الطرف المتعاقد معها ، ومع ذلك يبقى هذا الرأي لا يصلح معيارا للتفرقة بل هو نتيجة لذات التفرقة .

    المبحث الثالث : المعيار المستند إلى وجود أو عدم وجود الدولة طرفا في العلاقة القانونية “المعيار المادي ” .

    حسب هذا الرأي القانون العام ينظم العلاقات القانونية التي تكون الدولة طرفا فيها بينما القانون الخاص يجري بين الخواص ، وبذلك يتم التفريق من الناحية المادية ، وعليه يعتبر القانون الدستوري والإداري في إطار القانون العام لأنهما ينظمان بنية وتدخلات الدولة بينما القانون المدني والتجاري فهما ضمن القانون الخاص لأنهما ينظمان العلاقات الخاصة بين الأفراد .

    يؤخذ على هذا المعيار أنه لا يأخذ بعين الإعتبار كل الأنشطة ووظائف الدولة ، فهي توجه الإقتصاد بل وتمارس أنشطة اقتصادية ، وقد تنزل الدولة فتصير شخصا معنويا يتصرف كما يتصرف الأشخاص العاديون فهي تملك وتستأجر دون أي مظهر من مظاهر السيادة وتخضع لأحكام القانون الخاص .

    انطلاقا مما سلف نرى أن أفضل معيار للتفرقة بين القانون العام والخاص هو الذي يجعل من القانون العام يحكم العلاقات المتصلة بحق السيادة في المجتمع أو متعلقا بتنظيم السلطة مثل القانون الدستوري ، أما العلاقات القانونية الغير متصلة بهذا الحق فيحكمها القانون الخاص حتى ولو كانت الدولة طرفا فيها ما دامت لا تظهر بوصفها وحدة سياسية ذات سلطة عامة .

    تعريف القانون العام : هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم السلطات العامة في الدولة كما تحكم العلاقات التي تكون الدولة طرفا فيها باعتبارها ذات سيادة وسلطان ونفوذ ، يستوي في ذلك أن تكون هذه العلاقات بيد الدولة وغيرها من الدول أو بينها وبين سلطة من السلطات العامة أو بينها وبين أحد أشخاص القانون الخاص طبيعيين كانوا أم اعتباريين .

    تعريف القانون الخاص : هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم العلاقات بين أشخاص القانون الخاص أو بين هؤلاء وبين الدولة ، ليس باعتبارها صاحبة سيادة وسلطان بل باعتبارها شخصا قانونيا عاديا يتصرف كما يتصرف الأشخاص العاديون .

    أهمية التفرقة بين القانون العام والخاص ونتائجها تبدو من خلال :

    • تكاد قواعد القانون العام تكون كلها آمرة لا يجوز الخروج عليها أو الاتفاق على مخالفتها أما قواعد القانون الخاص فتكون غالبا قواعد مكملة يجوز الاتفاق على استبعاد حكمها بحكم مخالف .

    • يخول القانون العام لأجهزة الدولة وهيئاتها العامة سلطات لا يخولها القانون الخاص لأشخاصه ، وذلك بغرض تمكينها من تحقيق المصلحة العامة مع الإشارة إلى أنها ليست مطلقة بل مقيدة بشروط يقررها القانون ذاته الذي يمنحها وينظم استعمالها مثلا : تملك الدولة حق اتخاذ وسائل قهرية لا يملكها الأفراد كالتنفيذ بالطريق الإداري دون اللجوء إلى القضاء مثلا في حالة دين الضريبة وللمشتكي حق الطعن أمام القضاء في قرار الإدارة أما الأشخاص العاديون فلا يمكنهم اقتضاء حقوقهم بأنفسهم دون القضاء // تملك الدولة حق نزع ملكية فردية سواء إبان الحرب أو من أجل مصلحة عامة كشق طريق // كما تستطيع الدولة تغيير بنود العقود الإدارية لأنها ذات سيادة وسلطان دون موافقة الطرف المتعاقد وهو ما لا يمكن في القانون الخاص حيث تسري القاعدة : العقد شريعة المتعاقدين .

    • تخضع الأملاك المخزنية والأملاك المخصصة للمنفعة العامة كالقناطر والطرق وو لقواعد مغايرة عن تلك التي ينظمها القانون الخاص باعتبارها منفعة عامة فلا يجوز الحجر عليها أو الإعتداء عليها أو تملكها وفي حالة غير ذلك تتدخل الدولة إداريا طبقا لما تقتضيه المصلحة العامة .

    • هذا الاختلاف بين أحكام القانون العام والخاص تطلب من بعض الدول إحداث المحاكم الإدارية من أجل فض النزاعات التي تكون الدولة طرفا فيها عندما يتعلق الأمر بالقانون العام .

    هذه هي أهم النتائج العملية للتمييز بين القانون العام والقانون الخاص ، وإذا كان القانون العام يخول سلطات وامتيازات غير عادية فإن المتعاقد مع الدولة يكون له الحق دائما في التظلم أمام القضاء لإلغاء القرار المستند إلى هذا الإمتياز إذا كان فيه تجاوز لاستعمال السلطة أو للمطالبة بتعويض الضرر الناجم عنه .

    كما تجدر الإشارة إلى أن هذا التقسيم نسبي حيث لا يوجد في النظام الانجلوسكسوني أو الفقه الإسلامي ، والكثير من القواعد في القانون الخاص قواعد آمرة كما أن الدولة تعتمد تقنيات القانون الخاص في المجال المالي فيبدو أن هناك تداخلا قويا بين القانون العام والخاص فالحدود بينهما غير مستقلة وليست منفصلة تماما ، حاصل القول أن كل معايير التمييز بينهما ليست مطلقة وحتى الجمع بينها لم يحقق التمييز المرجو وهو ما يقودنا إلى الحديث عن حدود التمييز بين القانون العام والقانون الخاص .

    الفصل الثالث : حدود التمييز بين القانون العام والقانون الخاص

    كان من الممكن التمييز بين القانونين العام والخاص في مرحلة كانت أنشطة الدولة وأنشطة الخواص متفرقة من حيث الغايات والمجالات ، ورغم أن أي معيار لم يحمل في ذاته قيمة مطلقة عن التمييز بينهما إلا أن المقابلة بين عدة معايير تمكن من إعطاء انطباع عام لتصنيف قسم من القانون مع العام أو الخاص ، ومع ذلك ومع تداخل الأنشطة العامة مع الخاصة وتصرف الدولة وفق تقنيات القانون الخاص لم يعد حتى هذا الانطباع موجودا ، وحتى عبارة شبه عام ليس لها أي قيمة قانونية واضحة فالدولة تمارس التجارة والصناعة وبعض الخواص يشاركون في تنفيذ مهام الدولة . ويرى بعض الفقهاء مثل أندري دوميشال أن القانون الخاص لم يعد له وجود وقد اندثر تماما وأن كل قانون هو بالضرورة عام فلا يدخل في نطاق الخاص سوى بعض القوانين الداخلية للتجمعات الاجتماعية كالجمعيات الرياضية أو جمعيات المدارس .

    المصادر القانونية للقانون العام

    لم يحظ تاريخ القانون العام باهتمام كبير ، وقد تطور خصوصا في النصف الثاني من القرن 20 وبفعل نقص الأسس القانونية التي قام عليها لم يكن القانون العام تفسيريا أو تأويليا بشكل صارم بل ارتبطت صياغته بالحقائق الإجتماعية ، ويعتبر العرف والاجتهاد القضائي والفقه أهم مصادر القانون العام .

    المبحث الأول : المصادر الدستورية والقانونية

    لعبت بعض النصوص الدستورية الكبرى مثل الدستور الفرنسي دورا مهما في ظهور القانون العام كما لعب القانون العادي دورا متأنيا في صياغة القانون العام ، فبعد الحرب العالمية الأولى كان تدخل الدولة يتزايد بشكل قوي مما انعكس ذلك على القانون العام على مستوى الإنتاج التشريعي حيث ظهرت العديد من النصوص التشريعية الكبرى ، وعلى الرغم من أن القانون تم تتميمه بالقرارات التنظيمية للحكومة والإدارة ( مراسيم ، قرارات ، دوريات ..) لكن لم يكن له سوى دور محصور في تطوير القانون العام ، لكنه جاء بـ ” أدوات خام ” عن طريق إحداث مؤسسات إدارية ومالية وسياسية ، وقد تولى الاجتهاد القضائي والفقه مهمة إعداد النظام القانوني والقيمة المرجعية والتقنيات ومناهج التفكير الخاصة للقانون العام .

    المبحث الثاني : الاجتهاد القضائي

    نتحدث هنا عن الاجتهاد القضائي الفرنسي ، حيث لعب التمييز بين القضاء العادي والقضاء الإداري ( الإزدواج القضائي ) دورا مهما على خلق قانون إداري متميز عن قواعد القانون الخاص ، فالقاضي الفرنسي في القضاء العادي يطبق القانون بينما في القضاء الإداري فرض على القاضي خلق القاعدة القانونية ، ومع مرور الوقت أصبح أمرا عاديا ، على الرغم من خطورة وجود قاضي يحكم ويحل محل المشرع .

    المبحث الثالث : دور الفقه

    إن النقص الحاصل على مستوى القواعد المكتوبة في القانون العام يفسر الدور المهم الذي لعبه الفقه في إعداد القانون العام ، فسواء تعلق الأمر بالقانون الدستوري أو المالي أو الإداري أو الدولي فإن تطوير هذه الفروع جاء بفعل مساهمة أساتذة كليات الحقوق الذي مارسوا تأثيرا من خلال التدريس أو المساهمات المكتوبة ، فكون أن الفقهاء لا يخضعون لإكراهات مثل القاضي الملزم بالبث في النزاعات مكنهم من من القيام يعمل منهجي ساعد على بلورة مبادئ القانون العام وتوضيح الحلول الجزئية التي يصل إليها القاضي .

    الدولة

    تعتبر الدولة محور دراسات القانون العام ، حيث يهتم كل فرع من فروعه بإحدى مجالاتها ومفهوم الدولة هو مفهوم حديث نسبيا بالنسبة لتاريخ المجتمعات الإنسانية .

    الفصل الأول : خصائص الدولة

    المبحث الأول : الدولة شخص معنوي

    هي شخص معنوي من أشخاص القانون العام ، فكما يوجد أشخاص ذوو طبيعة ذاتية كالأفراد مثلا وأشخاص ذوو طبيعة معنوية مثل الشركات والجمعيات لها أموال وحقوق ، توجد الدولة كشخص معنوي يتصرف في السلطة السياسية حيث تعتبر الدولة هي الشخص المالك للسلطة . فالشخصية المعنوي تمكن المؤسسات من الحصول على الذمة المالية وعلى مجموعة من الحقوق ، وكل شخصية معنوية تتصرف بواسطة أشخاص طبيعيين ، فرئيس الدولة والوزراء والولاة … هم أجهزة الدولة ، لكن الحكام ليسوا مالكين لوظائفهم فهم مؤتمنون عليها ، فنحن نتحدث عن ساكن الاليزيه ، وتبقى الدولة دائما ملتزمة بغض النظر عن التغيرات التي تلحق الحكومات وحتى الأنظمة السياسية .

    المبحث الثاني : الدولة والسيادة

    ما يميز الدولة هو السيادة ، بالرغم من أنها ليست مطلقة ، وللسيادة بعد خارجي وداخلي ، ففي بعدها الخارجي يكون استقلال الدولة كاملا ، ويترجم بتمتعها بمجموعة من الحقوق كإصدار القوانين و إقامة العدل … ، غير أن أن السيادة يمكن أن تكون ناقصة كحالة الاتحاد الأوروبي وعلى المستوى الداخلي سيادة الدولة أكثر صلابة وقوة فالدولة هي سيدة تنظيمها وقرارها وكل المجموعات الأخرى خاضعون لها لأنها حسب ماكس فيبر تعبير على احتكار الإكراه المادي الشرعي .

    ودولة القانون هي التي لا يتم فيها الترخيص بممارسة السلطة إلا بناء على أحكام الدستور والتي يكون الغرض منها حماية الإنسان ، الحرية ، العدل ، الأمن القومي .

    الفصل الثاني : العناصر المكونة للدولة

    الإقليم ، السكان ، التنظيم السياسي

    المبحث الأول : العنصر الجغرافي : الإقليم

    لا توجد دولة بلا اقليم ، فهو المجال الذي تمارس فيه الدولة سلطتها حيث تمتد إلى المجال البحري والجوي والإقليم ينتج عنه أثار قانونية في مجال الجنسية ، وهو يميزها عن باقي الدول ويحدد مكان سيادتها ووظائفها السياسية .

    المبحث الثاني : العنصر الشخصي : السكان –الأمة-

    يفترض الركن الثاني من أركان الدولة وجود سكان يقيمون فوق إقليمها ، وتربط بينهم وحدة تجعلهم يشكلون أمة فقد تجمعهم عناصر موضوعية مثل اللغة والدين ونمط العيش أو روابط ذاتية كالماضي المشترك أو القرابة الروحية أو رغبة في العيش المشترك ، والأمة هي الركن الثاني للدولة وليس الشعب ، فالشعب يعني مجموع المقيمين فوق الإقليم وتربط بينهم رابطة الجنسية وفي المفهوم السياسي يعني مواطنين يتمتعون بحقوق سياسية انتخابية وقد يكونون مختلفي الديانة والثقافة والعادات ولا يشكلون أمة ، بمعنى وحدة اللغة والدين والثقافة والتاريخ والأصل والمصير ، وربما يمتزج الشعب بالأمة في بعض الدول من الناحية السوسيولوجية ، أما السكان فهو أعم من الشعب إذ يجمع حتى المقيمين فوق الإقليم وهو طبعا لا يشكل ركن الدولة حيث أنهم لا يمارسون الحقوق السياسية ، والسكان معطى طبيعي لكن الأمة معطى تاريخي سوسيولوجي .

    المبحث الثالث : العنصر المؤسسي ، وجود تنظيم سياسي قانوني

    وهو جهاز الدولة ، والتغيرات في الحكومات والمؤسسات والبنيات الإدارية لا تمس هوية الدولة واستمرارية الدولة . والدولة في شكلها الحديث استقرت حول سلطة يمكن تحديدها انطلاقا من ثلاثة معايير : 1- احتكار العنف الشرعي داخل وحدة ممركزة ، تطوير الإدارة ، تجانس الاقليم

    الفصل الثاني : وظائف الدولة

    الدولة هي المنظمة التي تتمتع بالشخصية المعنوية ، الأمر الذي يجعلها تكتسب حقوقا ويترتب عليها واجبات كأي شخص قانوني له صفة قانونية ، وأيضا لها أهلية التصرف باسم الأمة ، التي تعتبر وحدة متميزة عن الأفراد الذين يشكلونها . ويترتب عن ذلك أن الدولة تتمتع بخاصية الدوام إذ لا تتأثر بتغير الحكومات فشخصية الدولة لا تختلط بشخصية الحكام الذين يتصرفون باسم الدولة وليس باسمهم الخاص ، وكل الدول تمارس ثلاث وظائف قانونية :

    • الوظيفة التشريعية : متمثلة في خلق وسن القاعدة القانونية

    • الوظيفة التنفيذية : متمثلة في ضمان تنفيذ القاعدة القانونية إما بتوضيحها بواسطة قرارات تنظيمية تصدر عن السلطة التنفيذية أو تطبيقها على وضعيات ملموسة بواسطة قرارات فردية .

    • الوظيفة القضائية : متمثلة في الحسم في النزاعات من خلال تطبيق القانون .

    لكن بعد الحرب العالمية الأولى أصبحت الدولة لها وظائف أخرى مثل إعادة البناء وتقديم الخدمات والوقاية الصحية والنقل والبنيات التحتية ، كما أصبحت تمارس وظائف اقتصادية كالمساعدة على الإستثمار واستغلال الطاقة …

    الفصل الرابع ” أشكال الدولة

    تاريخ ميلاد و مرحلة بناء الدولة يساهمان في تحديد شكل الدولة ، فالدول التي تأسست عبر تجمع تدريجي لمختلف مكوناتها انطلاقا من نواة مركزية اتخذت شكل دول موحدة ، بينما الدول التي تأسست نتيجة اتحاد مجموعة من الدول اتخذت شكل دول مركبة .

    المبحث الأول : الأشكال البسيطة أو الدول الموحدة

    هي الدولة التي يخضع مواطنوها لإرادة سياسية واحدة ولدستور واحد ولنفس القوانين في كل المجالات ولسلطة قضائية واحدة ، ويوجد فوق إقليم الدولة تنظيم سياسي قانوني واحد يتوفر على سيادة مطلقة ، فلا توجد أي منظمة موازية لهذا التنظيم السياسي القانوني الذي يتوفر حصريا على كل الاختصاصات التي تعود للدولة .

    يمكن تنظيم السلطة داخل الدول الموحدة تبعا لثلاثة طرق : المركزية ، عدم التركيز ، اللامركزية

    الدول الموحدة المركزية تعرف بنية مركزية قوية ، والمركزية تكون سياسية وإدارية في نفس الوقت وتتمركز كل القرارات السياسية والإدارية في يد السلطة المركزية التي تتولى إصدار كل القرارات السياسية والإدارية الوطنية والمحلية .

    تم تبني أسلوب تقني إداري جديد هو عدم التمركز أو عدم التركيز الاداري من أجل تجاوز الشلل الذي يصيب بعض أجهزة الدولة وذلك عن طريق تعيين أعوان محليين من طرف السلطة المركزية تخولهم سلطة إدارة الاقاليم مع ممارسة سلطة تسلسلية رئاسية على هؤلاء الأعوان واحتفظت هي بالمسؤولية على القرارات الهامة .

    وتبنت دول موحدة أخرى نظام اللامركزية ، لأن عدم التمركز لا يشرك السكان في إدارة شؤونهم المحلية ولا يستجيب لتطلعاتهم وبموجبه تمنح الدولة جزءا من اختصاصاتها إلى شخصيات عامة مستقلة عن الدولة تحت رقابة هذه الدولة ، وتتوفر على استقلال حقيقي في التسيير عن السلطة المركزية ، ولا تعينها الدولة بل ينتخبها السكان ، وتتوفر على وسائل خاصة وهي الجماعات الترابية التي تتوفر على بعض الاستقلالية في اتخاذ القرار تحت مراقبة ممثل الدولة وهذا الأخير لا يعتبر رئيسيا تسلسليا للجماعات الترابية بل يراقب شرعية القرارات التي تتخذها هذه الجماعات.

    بالإضافة إلى الجماعات الترابية التي هي الجماعات المحلية و الأقاليم والجهات ، هناك جماعات متخصصة مثل المؤسسات العمومية وهي اللامركزية المرفقية ، وتدعى أيضا التقنية أو الوظيفية التي تهم المؤسسات المتخصصة التي تختص فقط بتسيير مرفق عمومي .

    يتم توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات بواسطة قانون ، الأمر الذي يترتب عليه إقرار رقابة على شرعية القرارات المركزية .

    إضافة إلى اللامركزية الترابية و المرفقية أو الوظيفية اللتان تشكلان اللامركزية الإدارية نجد هناك أيضا اللامركزية السياسية والتي تقوم على منح استقلال سياسي للجهات ، فتصبح المؤسسات الجهوية تشبه مؤسسات الدولة وتتوفر على سلطة تشريعية يحدد مجالها الدستور ، وعلى الرغم من هذا الاستقلال السياسي تبقى الدولة المركزية موحدة لأن الدولة الجهوية لا تتوفر على سلطة تأسيسية كما أن الدولة بواسطة المحكمة الدستورية تمارس رقابة قضائية وإدارية على القوانين الجهوية الصادرة عن الجهات . نجد الجهوية السياسية في ايطاليا واسبانيا وبريطانيا .

    المبحث الثاني : الدول الفدرالية أو الدول المركبة

    نكون أمام فدرالية أو دولة مركبة عندما تتشكل دولة معينة من عدة دول تفوض بعض سلطتها إلى الدولة المركزية .

    وقد تأخذ شكلين أساسين : 1- الاتحاد الشخصي وهو يعني وجود رئيس دولة واحد على رأس دولتين أو أكثر ، هذا الاتحاد لا يعني اندماج وذوبان الدول المكونة بل تحتفظ كل دولة بسيادتها الداخلية والخارجية الكاملة . 2- الاتحاد الفعلي : هو اتحاد دولتين أو أكثر تحتفظان بسيادتهما الداخلية لكنهما تفقدان سيادتهما الخارجية لفائدة دولة الاتحاد التي يرأسها رئيس واحد يقود السياسة الخارجية والدفاع .

    الاتحاد الشخصي لم يعرف انتشارا كبيرا بينما انتشر الشكل الفدرالي أو الكونفدرالي وهناك شكل آخر مختلط هو المجموعة فوق الوطنية . الاتحاد الأوروبي مثلا ، ويقوم على أساس معاهدات دولية وتتخلى الدول عن بعض سيادتها فتصبح القرارات المتخذة بواسطة المؤسسات الأوروبية لها أولوية على المعايير الوطنية كما أن الحكومات والبرلمانات تتخلى عن سلطتها في التشريع والتنظيم على النحو الذي تريده بخصوص المجالات المفوضة من الاتحاد الاوروبي ويؤدي عدم احترام المعايير الاوروبية إلى عقوبات مالية بالدول المخالفة .

    الفدرالية طريقة للتنظيم السياسي عفرت انتشارا كبيرا في الولايات المتحدة و روسيا و استراليا و البرازيل وألمانيا و جنوب افريقيا .. وهي تكتل لأشخاص معنويين تختلف أسماؤها الكانتونات أو المحافظات أو الاقاليم والتي تتخلى بشكل متساو عن اختصاصاتها لفائدة الدولة الفدرالية ويتم نقل هذا الاختصاص بوساطة الدستور .

    يتم اللجوء إلى الفدرالية من أجل تعميق الوحدة أو ايجاد حلول لمشاكل مستعصية للتعايش بين دول متعددة الاثنيات والديانات واللغات ، وتقوم على مبدأين أساسيين : 1- الاستقلال الذاتي وهو يعني أننا أمام دولة فدرالية ودول مكونة لها ، وكل دولة مكونة لها دستور وتشريع وجهاز تنفيذ ومحاكم الأمر الذي ينتج عنه ازدواج قانوني ، بل وتمارس الدول المكونة للفدرالية اختصاصات مستمدة من الدستور دون تدخل الفدرالية ، بينما تتوفر الفدرالية على اختصاصات محددة بنص الدستور من قبيل الدفاع ، والسياسة الخارجية والعملة ، وفي حالة نزاع بين الفدرالية والدول الممكونة تسهر هيئة خاصة على تفسير الدستور في حالة غموض أو سكوت وتسهر على تطبيق الدستور.

    مثلا المحكمة العليا في الولايات المتحدة ، 2- مبدأ المشاركة ويعني الازدواج البرلماني ، فيكون البرلمان مكونا من غرفتين غرفة لتمثيل السكان وغرفة ثانية تمثل فيها ذات الدول بشكل متساو ويمارس المجلس المكون للدول اختصاصات لا يمارسها المجلس الآخر للممثل للسكان .

    ويعني مبدأ المشاركة أيضا مشاركة ممثلي دول الاتحاد في مراجعة الدستور وتشكيل المؤسسات الفدرالية والمشاركة في اتخاذ القرارات .

    ويجب التمييز الفدرالية عن الكونفدرالية وهي التي تنبثق من معاهدة دولية لها قيمة دستورية وتتكون من مجموعة من الدول المستقلة التي تحتفظ بشخصيتها الدولية ، حيث توضح المعاهدة المجالات السياسية والاقتصادية التي سيتم تسييرها بشكل مشترك بواسطة هيئات مشتركة ، لكن هذه الهيئات لا تنبثق عنها إرادة عليا فوق إرادة الدول الأعضاء في الكنفدرالية كما أنه لا يترتب عن كنفدرالية الدول انبثاق دولة جديدة تكون فوق الدول المكونة للاتحاد الكنفدرالي ، فعلى مستوى الممارسة يكون مصير الكنفدرالية غالبا الحل .

    مضمون القانون العام

    الفصل الأول : المفاهيم الأساسية للقانون العام

    المبحث الأول : مفهوم السلطة

    هو العنصر الأساس لخصوصية واستقلال القانون العام .

    من وجهة النظر الوظيفية تترجم السلطة من خلال الامتيازات الغير المألوفة ، ففي علاقات الدولة بأعوانها ومستخدميها تكون السلطة سببا في التراتبية التي تكون للرئيس فيها سلطة إصدار الأوامر ويفرض تنفيذها . كما أن التراتبية تنطوي على أن يتحمل الرئيس الإداري مسؤولية مرؤوسيه .

    توجد قاعدة أخرى بجانب التراتبية وهي المسؤولية إذ أن تحمل مسؤولية المرؤوس هي المقابل الضروري للتراتبية .

    أما في علاقات الدولة مع الخواص فالسلطة تترجم في شكل امتيازات غير مألوفة ، حيث يمكن للإدارة أن تتخذ قرارات أحادية الجانب وتتمتع بـ ” سلطة الشيء المقرر ” والتنفيذ الفوري والمباشر يكون في بعض الحالات بواسطة القوة العمومية ، كما أن الإدارة لا تخضع في العقود التي تبرمها مع الخواص لمبدأ المساواة المنصوص عليها في القانون الخاص .

    يجسد مفهوم السلطة الإدارية الطابع الغير المتساوي للقانون العام ، فوحدها السلطة الإدارية تتمتع بسلطة اتخاذ القرارات التنفيذية التي تطبق على المواطنين .

    المبحث الثاني : مبدأ الشرعية

    المطلب الأول : مفهوم الشرعية

    هو العمل والتصرف وفقا لأحكام القانون ، أما مبدأ الشرعية فيعني أن على الإدارة أن تحترم في جميع أعمالها أحكام القانون بالمفهوم العام للفظ القانون .

    الفرع الأول : عناصر الشرعية – مفهوم القاعدة القانونية

    يتسع مفهوم القاعدة القانونية في القانون العام ، حيث يوجد ما يسمى بـ ” مجموعة الشرعية” والتي تتضمن مجموعة من القواعد القانونية الواجب احترامها وهي ليست كلها مكتوبة ، فالقانون الفرنسي مثلا يأخذ بالقاعدة القانونية غير المكتوبة ، فاحترام القانون هنا يؤخذ بمفهومه الواسع ، بمعنى أنه لا يقتصر على القواعد القانونية الصادرة عن السلطة التشريعية بل يتعداها إلى مختلف القواعد القانونية الملزمة التي تنظم العلاقات بين الإدارة والأفراد أو أي نشاط لأي إدارة .

    على رأس مجموع الشرعية نجد الدستور الذي يعتبر أسمى قانون في الدولة وتخضع جميع السلطات لأحكامه ، لكن القانون الفرنسي والمغربي لا يؤمنان بشكل جيد باحترام هذه القاعدة المعيارية العليا ، فمراقبة دستورية القوانين لم تنظم بشكل جدي ومن ثم يبقى القانون معفى من احترام الدستور . يعتبر القانون عنصرا أساسيا من عناصر الشرعية إضافة إلى القرارات التي لها قوة القانون فالسلطة التنفيذية تتدخل في مجال القانون وتعرف في الدستور المغربي باسم المراسيم وهي بمثابة قوانين أو مراسيم تفويضية .

    يأتي بعد القانون من حيث التدرج ، القرارات التنظيمية وهي نوعان : اللوائح أو القرارات التنفيذية واللوائح أو القرارات المستقلة ، فقرارات السلطة التنظيمية سواء مراسيم رئيس الجمهورية أو الوزير الأول أو قرار الولاة تنتمي إلى مجموعة الشرعية .

    أما القاعدة القانونية غير المكتوبة فهي العرف ، وهو يحتل حيزا ضيقا من القانون العام وقيمة قانونية غير واضحة غذ يتم اللجوء إليه غالبا لإضفاء الطابع القانوني على تصرفات غير شرعية صارخة من وجهة النصوص ، فالعرف يستمد وجوده من قيام الإدارة بسلوك معين بصفة مطردة حتى تشعر أن هذا السلوك أصبح ملزما لها يصعب الحياد عنه بسهولة ، كما يحتوي القانون العام على فئة أصيلة من القواعد الغير المكتوبة وهي المبادئ العامة للقانون ومن الأمثلة على ذلك مبدأ عدم رجعية القانون ، ومبدأ قوة الشيء المقضي به ، ومبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية ، ومبدأ كفالة حق الدفاع ، ومبدأ وجوب احترام الحقوق المكتسبة ومبدأ عدم جواز تعدد الجزاءات على فعل واحد ومبدأ حرية التجارة والصناعة .

    الفرع الثاني : مضمون الشرعية ، احترام القاعدة القانونية

    يعني ذلك أن عمل الدولة يجب أن يستند إلى قاعدة قانونية إذ أن الإدارة لا تتوفر على سلطة عمل تلقائية بل يجب التنصيص بواسطة نص أو بواسطة مبدأ قانوني ، وتنطوي الشرعية من جهة أخرى على أن يكون عمل الدولة مطابقا للقاعدة القانونية ، ومفهوم المطابقة ليس بالمفهوم الجامد بل يحق لهذا المبدأ أن يمتزج بحق المبادرة المتروك للسلطات الإدارية فليس المطلوب من الإدارة أن تكون آلة ميكانيكية ، بل تكون لها سلطة تقديرية . ونميز هنا بين السلطة التقديرية والسلطة المقيدة ، فالتقديرية عندما تكون السلطة حرة في إطار التصرف أو عدمه أو التصرف على النحو الذي تراه جيدا وملائما ، في حين نكون أمام سلطة مقيدة عند وجود قاعدة قانونية تلزم السلطة على التصرف وفق اتجاه معين أي أن المشرع يحدد الشروط الكاملة لاتخاذ أي قرار إداري فإذا توفرت هذه الشروط كانت الإدارة ملزمة باتخاذ القرار المنصوص .

    المطلب الثاني : زجر الخروج عن الشرعية

    في القانون العام توجد إمكانية لإثبات شرعية قرار معين : الطعون الإدارية والطعون القضائية.

    الفرع الأول : الطعن الإداري

    هو أسلوب من أساليب الإدارة الجيدة فهي تمكن السلطات من تقويم أخطائها واستدراكها وتصحيحها فيطلب الفرد من صاحب القرار العدول عنه ، طعن استعطافي ، طعن تسلسلي ، وفي حالة الإدارة الجيدة تعطي للطعن الإداري سماته الأساسية وبإمكانها التعديل بواسطة سلطة التعديل فالقرار الإداري لا يتوفر على سلطة الشيء المقضي به .

    الفرع الثاني : الطعن القضائي

    يوجه الطعن القضائي إلى القاضي لكي يثبت له الطاعن أن القرار المطعون فيه غير شرعي وفي كل الحالات تبقى وظيفة الطعن هو النطق بشرعية القرار أو عدم شرعيته بواسطة القاضي فهذا الأخير يقيم مدى شرعية القرار الإداري ويكون له سلطة الشيء المقضي به .

    المطلب الثالث : الحدود الواردة على الشرعية

    نتحدث هنا عن إعفاء الإدارة من احترام الشرعية ، فيمكن أن يتحول عمل غير شرعي إلى عمل شرعي خلال الحرب أو الطوارئ أو الحصار .

    المبحث الثالث : مفهوم المسؤولية

    باعتبارها مفهوما تقنيا تعتبر المسؤولية مفهوما شائعا بالنسبة لكل النظم القانونية ، وباعتبارها مبدأ سياسيا تبقى المسؤولية مفهوما خاصا بالدول التي تقوم على أساس سيادة الشعب والشرعية .

    المطلب الأول : المسؤولية مبدأ تقني

    ترتبط المسؤولية بمفهوم الإدارة والدولة ، وضروري من تنظيم مسؤولية السلطات التي تقوم بأعمال غير شرعية حيث يتم القبول بمبدأ مسؤولية الأعوان العموميون وحتى داخل الدول الدكتاتورية توجد مسؤولية انضباط الموظفين العموميين أمام مسؤولياتهم ومحاسبتهم أمام هيئة مكلفة بالتحقق من الأخطاء أو الاختلاسات .

    المطلب الثاني : المسؤولية مبدأ سياسي

    ترتبط المسؤولية بتصور معين حول الدولة فعلى المستوى الدستوري تعتبر المسؤولية أمام المواطنين نتيجة مباشرة وعامة للمبدأ الانتخابي إضافة إلى ذلك تم في النظم البرلمانية بمسؤولية الحكومة أمام البرلمان منذ القرن 18 في بريطانيا والقرن 19 في فرنسا .

    لكن على المستوى الإداري مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تحدثها النصوص لم يتم فرضها إلى خلال فترة طويلة من الزمن على رغم لبرالية المؤسسات السياسية ، وهذا التأكيد المبدئي لمسؤولية الدولة لم يقف حاجزا أمام توسيع نطاق مسؤولية الدولة .

    فروع القانون العام

    📗 خلاصة الباب

    • يعود أصل التمييز بين القانون العام والخاص إلى الفقيه الروماني أوليبيان، ورسخه لاحقا عوامل تاريخية (وجود سلطة سياسية وإدارية، ازدواجية القضاء الفرنسي)، ويقوم مضمون التمييز على معايير متعددة (الغاية أو المصلحة، الشكل وطرق التنفيذ) رغم القصور النسبي لكل معيار منفرد وصعوبة رسم حدود قاطعة بينهما.
    • الدولة شخص معنوي ذو سيادة تتكون من ثلاثة عناصر: الإقليم (العنصر الجغرافي)، السكان أو الأمة (العنصر الشخصي)، والتنظيم السياسي القانوني (العنصر المؤسسي)، وتتخذ أشكالا بسيطة (الدولة الموحدة) أو مركبة (الدولة الفدرالية)، وتقوم على مبادئ السلطة والشرعية (احترام القاعدة القانونية وسبل الطعن في الخروج عنها) والمسؤولية (بمفهوميها التقني والسياسي).

  • الباب الخامس: تعريف القانون العام وخصائصه

    📖 المدخل لدراسة القانون — الفصل 6 من 9 — فهرس الكتاب

    مدخل

    القانون لغة هو “النظام” أو “الاستقامة” فهو يعني استمرار أمر معين على نظام ثابت فهو يشير إلى أي مبدأ ثابت ومنظم ، فإذا اتصل بالنوايا فهو القانون الأخلاقي ، أما عندما يرتبط بالأعمال الظاهرة فله أسماء متعددة تختلف بالميادين التي ينظمها ، أما القوانين الاجتماعية فهي القواعد التي تحكم المجتمع في مجال العادات والتقاليد وطراز الحياة حيث تستمد قوتها من الرأي العام حيث يحتقر كل من يخالفها .

    أما اصطلاحا فالمقصود بالقانون هو ” مجموع القواعد التي تنظم وتوجه سلوك الأفراد في المجتمع بشكل ملزم يقترن بالجزاء الذي توقعه الدولة على المخالف لهذه القواعد استنادا لما لها من سلطة القسر والإكراه ” في هذا التعريف نلاحظ انصرافه إلى مفهوم ” القانون الوضعي ” المطبق في بلد معين ، ومن هنا يتحدد مفهوم القانون الوضعي حسب المجتمعات والزمان والمكان حيث أنه قابل للتطور والتغير فمثلا يقال القانون الوضعي المغربي أو الفرنسي .

    نفرق بين المفهوم العام للقانون وبين :

    • التشريع ، فهو قانون يصدر عن سلطة تشريعية معينة ، مثل قانون التحفيظ أو قانون تنظيم الجامعات .. فهنا يتجه المفهوم إلى مصادر التشريع وهي ليست فقط التشريع بل التشريع له مصادر عديدة .

    • فرع من فروع القانون ، مثل القانون المدني ، القانون الدستوري .. فهنا مفهوم القانون مقيد وليس مطلق ، فهو ليس كل القانون بل فرع منه . هذا الخلط لا يوجد في الفرنسية حيث يعبر عن الأول ب droit والثاني بـ loi .

    الفصل الأول : تعريف القاعدة القانونية

    هي ” مبدأ قانون غائي يستهدف تنظيم السلوك الإنساني ، وتوجيها عاما ملزما وفقا لنظام اجتماعي يتوافق مع الغايات والأهداف المترتبة في الضمير الجماعي العام لمجتمع معين”

    الفصل الثاني : خصائص القاعدة القانونية

    المبحث الأول : القاعدة القانونية قاعدة غائية

    أي قاعدة سلوك ، فهي تنظم السلوك الإنساني في المجتمع ، وهي لا تحكم على النوايا بل تتدخل فقط عند وقوع سلوك خارجي محسوس فتتدخل لتفرض أحكامها ، فهي تنظم السلوك الخارجي للأفراد وفقا للضمير الجماعي للمجتمع .

    المبحث الثاني : القاعدة القانونية قاعدة عامة ومجردة

    لا تتوجه إلى شخص معين بذاته ولا تعالج واقعة بعينها ، فهي تتوجه بأوامرها ونواهيها إلى كافة أفراد المجتمع ، ذلك أن مفهوم ” المبدأ القانوني ” يفرض إمكانية التطبيق على كل الحالات والظروف المشابهة ، ومع ذلك قد تتوجه القاعدة القانونية إلى فئة معينة أو إلى منصب معين ، لكنها تتوجه بعموم الصفة لا بخصوص الذات .نفس الأمر للواقعة فهي لا تتعلق بواقعة بذاتها بل إذا توافرت شروط معينة .

    المبحث الثالث : القاعدة القانونية قاعدة ملزمة

    أي أن الدولة تتبناها وتسهر على حسن تطبيقها ونفاذها في المجتمع وإلزام الأشخاص باتباعها ، فالجزاء هو الذي يجبر الأشخاص على اتباعها ويفرض عليهم احترامها بالقوة

    المبحث الرابع : القاعدة القانونية قاعدة اجتماعية

    القانون يفترض وجود بيئة اجتماعية ، ويقصد هنا بقاعدة اجتماعية هو ضرورة وجود مجتمع سياسي منظم يخضع لسيادة سلطة عامة تملك حق القهر بواسطة سلطة الإكراه المادي ، ونلاحظ أن القاعدة القانونية ليس أبعاد غائية وعامة وملزمة فقط بل لها بعد اجتماعي يتوافق مع الأهداف والغايات المترسبة في الضمير الجماعي العام لمجتمع معين ، وإذا كان القانون لا ينشأ إلا في بيئة اجتماعية ويتأثر بهذه البيئة ويتطور معها في رقيها وتقدمها في كل زمان ومكان .

    📗 خلاصة الباب

    • القاعدة القانونية في القانون العام قاعدة غائية (توجه السلوك الإنساني)، عامة ومجردة، ملزمة، واجتماعية (تفترض وجود مجتمع سياسي منظم يخضع لسيادة الدولة)، وتشترك هذه الخصائص مع خصائص القاعدة القانونية عموما لكنها تتخذ في القانون العام بعدا خاصا مرتبطا بعلاقات السلطة وغير المتساوية بين الحاكم والمحكوم.

  • الباب الرابع: تطبيق القاعدة القانونية وتفسيرها

    📖 المدخل لدراسة القانون — الفصل 5 من 9 — فهرس الكتاب

    مدخل

    تطبيق القاعدة القانونية يقتضي معرفة الاشخاص المخاطبين بأحكامها وتحديد نطاقها من حيث المكان والزمان وكذا تفسيرها حيث غالبا ما تكون في صيغة مقتضبة .

    الفصل الأول : نطاق تطبيق القاعدة القانونية

    المبحث الأول : نطاق تطبيق القاعدة القانونية من حيث الأشخاص المخاطبين بها

    غالبا ما يعبر عن هذه الفكرة بمبدأ : لا يعذر أحد بجهله للقانون .

    المطلب الأول : المقصود بمبدأ لا أحد يعذر بجهله للقانون

    يقصد به أن الأفراد لا يمكنهم التهرب من أحكام القاعدة القانونية بدعوى جهلهم بها والمقصود هنا هو العلم الافتراضي وليس العلم الفعلي حيث أن من المستحيل أن يعلم جميع الناس كل القواعد القانونية ، لكن وضع هذا المبدأ من أجل سلامة وضمان احترام القانون وتطبيقه . وإلا فلن يطبق إلا فئة قليلة ممن تعلم القاعدة القانونية . فالتشريع يتم نشره بالجريدة الرسمية كما أن الاعلام يخصص جزءا للحديث عن القوانين الجديدة ، أما بالنسبة للعرف والقواعد الشرعية فأغلب الناس تعرفه .

    المطلب الثاني : الاستنثناء على هذا المبدأ ، وهي في حالة القوة القاهرة وهي الزلازل أو الفيضانات أو غارات العدو حيث لا يمكن وصول الجريدة الرسمية وهي متعلقة بالتشريعات المكتوبة أما العرف والشريعة فتبقيان سائدتين ، يضاف إلى الاستثناء جهل الأجنبي في حالة جريمة لايعاقب عليها قانون بلاده .

    المبحث الثاني : نطاق تطبيق القاعدة القانونية من حيث المكان

    حسب مبدأ إقليمية القوانين فإن القوانين تطبق داخل الدولة المعنية ، وحسب مبدأ شخصية القوانين فإن الحاملين لجنسية ما يخضعون لقوانين دولتهم أينما كانوا .

    المطلب الأول : مبدأ إقليمية القوانين ومبدأ شخصية القوانين

    الفقرة الأولى : مبدأ إقليمية القوانين ، ومعناه أن يطبق قانون الدولة على جميع المتواجدين فيها سواء مواطنين أم أجانب ، والإقليم يشمل المياه الإقليمية والمجال الجوي وبواخرها وطائراتها لكن مع تزايد العولمة وتنقل الأشخاص تم ايجاد مفهوم شخصية القوانين .

    الفقرة الثانية : مبدأ شخصية القوانين ، ويقصد به أن يطبق القانون على جميع من يحمل جنسية الدولة ولا يطبق على الأجانب ولو كانوا في الدولة وقد كان الاعتبارات الانسانية وراء هذا المبدأ خصوصا في ما يتعلق بالزواج والارث.

    المطلب الثاني : الوضع في القانون المغربي

    القاعدة العامة في المغرب هي اقليمية القوانين لكن ترد استثناءات

    الفقرة الاولى : الاستثناءات التي تحول دون تطبيق القانون المغربي داخل المغرب

    قوانين الوظائف العمومية ، قانون الترشح للانتخابات ، قانون الخدمة العسكرية ، وكذلك بالنسبة للبعثات الدبلوماسية حيث يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية حيث أن على الصعيد الدولي لا يجوز التعرض للبعثات الدبلوماسية لأي اعتداء أو القبض عليهم أو محاكمتهم ، ويقصد بالحصانة في القانون الدولي سقوط ولاية القضاء المحلي ، حيث بمقتضى المادة 31 من اتفاقية فيينا : يتمتع الدبلوماسيون بحصانة جنائية ومدنية وإدارية ويكون القضاء المغربي غير مختص في رفع اي دعوى ضدهم .

    الفقرة الثانية : الاستثناءات التي تؤدي إلى تطبيق القانون المغربي على بعض الجرائم التي تقع خارج المغرب ، بالنسبة للمغاربة في حالة دخولهم المغرب أو أجنبي ارتكب جريمة ضد البلاد وأمنها أو تزوير أوراقها أو الاعتداء على بعثاتها الدبلوماسية .

    الفقرة الثالثة : الاستثناءات المتعلقة بالقانون الدولي الخاص ، القانون الدولي الخاص ينظم العلاقات القانونية ذات النصر الأجنبي ، حيث يتكفل بتوضيح القانون الواجب إعماله حيث يمكن أن يطبق قانون أجنبي داخل المغرب كما يمكن تطبيق القانون المغربي في الخارج . وتسمى قواعد الاسناد أو قواعد تنازع القوانين أو قواعد القانون الدولي الخاص ، حيث يحق للفرنسيين التزوج حسب قانون بلادهم أما التجار الفرنسيين العاملين بالتجارة في المغرب فيخضع قانون تجارتهم للقانون المغربي ويبقى القانون المدني الفرنسي جاريا عليهم بالنسبة لأحوالهم الشخصية .

    المبحث الثالث : نطاق تطبيق القاعدة القانونية من حيث الزمان

    القاعدة القانونية ليست دائمة بل هي معرضة للتعديل أو الالغاء تبعا للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للبلد وإلغاء القاعدة القانونية يقتضي إعمال أخرى محلها الشي الذي يؤدي إلى تنازع بينهما خصوصا بالنسبة للوقائع التي تقع في ظل القاعدة القانونية القديمة وتستمر نتائجها في ظل القاعدة الجديدة ، ومعرفة القاعدة القانونية التييجب أن تطبق يطلق عليه تنازع القوانين في الزمان .

    المطلب الأول : إلغاء القاعدة القانونية

    وهو تجريدها من قوة إلزاميتها بإنهاء العمل بمقتضياتها وقد يكون بتعيين أخرى أو بدون تعيين أخرى جديدة ، والتشريع هوالمعني بالإلغاء ويكون صريحا أو ضمنيا.

    الفقرة الأولى : السلطة التي تمارس إلغاء القوانين ، هي التي وضعتها أو سلطة أعلى منها ، فإلغاء الدستور لا يكون إلا بدستور آخر ، وتشريع عادي يلغى بتشريع عادي آخر كما أن تشريعا فرعيا يلغى بتشريع فرعي آخر كما يراعى التدرج فلا يمكن لعرف أن يلغي تشريعا كما يمكن للتشريع أنيلغي قاعدة دينية وتفقد بذلك ألزاميتها ويمكن للعرف أن يلغي مبدأ من مبادئ القانون الطبيعي فنرى بوضوح أن كل تشريع يمكن أن يلغي التي تليه رتبة .

    الفقرة الثانية : أنواع الإلغاء

    أولا : الإلغاء الصريح : وهو حينتنص قاعدة جديدة على الغاء أخرى صراحة بواسطة نص قانوني .

    ثانيا : الإلغاء الضمني : ويتضح حين تتعارض أحكام القاعدة القانونية الجديدة مع سابقتها .

    المطلب الثاني : تنازع القوانين في الزمان ومبدأ عدم رجعية القوانين

    عند ولادة القاعدة القانونية يولد معها الأثر الفوري أي أنها تسري بمجرد صدورها ولا يمكن أن تطبق على الوقائع التي سبقت صدورها ن وهوما يعرف بمبدأ عدم رجعية القوانين . فالوقائع تظل محكومة بالقاعدة القديمة التي نشأت في ظله ، لكن يحدث تنازع بين قاعدتين قديمة وجديدة فيتم حل التنازع استنادا إلى مبدأين عدم رجعية القوانين ومبدأ الأثر الفوري للقانون .

    الفصل الثاني : تفسير القاعدة القانونية

    غالبا ما ترد القاعدة القانونية في صيغة مقتضبة وموجزة الأمر الذي يستدعي تفسيرها وكل القواعد القانونية تكون محل تفسير لكن القاعدة المكتوبة تكون أكثر هدفا للتفسير بالنظر إلى كلماتها وألفاظها قد تثير الشك حول مضمونها .

    فعملية التفسير هي محاولة استجلاء مضمون القاعدة القانونية وإزالة ما بها من غموض وهل هي المناسبة للتطبيق على النازلة أم لا .

    المبحث الأول : أنواع التفسير ، قضائي ، فقهي ، تشريعي .

    المطلب الأول : التفسير القضائي

    ويكون عندما تكون النوازل موضوعة أمامه حيث يبحث عن القاعدة القانونية الواجب تطبيقها ، وهو تفسير عملي يتأثر بالظروف الواقعية . وهو تفسير غير مطلق وغير إلزامي حيث يتكيف حسب الحالات .

    المطلب الثاني : التفسير الفقهي

    وهو تفسير فقهاء القانون خلال تناولهم للقواعد التشريعية بالدرس والتحليل والتقييم من خلال مؤلفاتهم وأبحاثهم ومحاضراتهم ، وهو تفسير نظري وليس عملي مثل التفسير القضائي ، وهو لسيت له قوة إلزامية حيث تستعين به المحاكم وربما لا ، لكنه يؤخذ بعين الاعتبار عند تعديل القاعدة القانونية .

    المطلب الثالث : التفسير التشريعي

    وهو التفسير الذي يصدر عن المشرع قصد تفسير القاعدة القانونية وهو ملزم وبأثر رجعي فقد يأتي معاصر للتشريع أم بعده ،وهو يصدر عن نفس الجهة التي أصدرت القاعدة القانونية حيث يفسر البرلمان التشريع العادي وتفسر الحكومة التشريع الفرعي والمجال التنظيمي .

    المبحث الثاني : مذاهب التفسير، وتتمحور حول نية المشرع عند وضع التشريع

    المطلب الأول : مدرسة التزام النص ، وتتجلى فلسفتها في تقديس النص وعدم الخروج عليه وعدم المساس به ، لكن هذا التفسير يؤدي إلى اجمود وعدم المواكبة

    المطلب الثاني : المدرسة التاريخية ، وهومراعاة الظروف الاقتصادية ولا أهمية لارادة المشرع وقت التشريع بل المهم هو مناسبة التشريع للوضعية التاريخية الراهنة ةتلبيته لرغبات الناس في وقت التفسير ، لكن يعاب على هذا التفسير المبالغة في الاجتهاد الشخصي وعدم الاتزام بالنصوص .

    المطلب الثالث : المدرسة العلمية أومدرسة البحث الحر ، والمقصود هو البحث عن إرادة المشرع الحقيقية من وراء التشريع فإذا لم نجدها فلا داعي لافتراض غرضه بل التصريح بانعدام النص والبحث في المصادر القانونية الأخرى فإذا لم نجد يتم البحث العلمي الحر ومحاولة خلق القاعدة القانونية اعتمادا على الحقائق الطبيعية والتاريخية والعقلية و المثالية .

    المبحث الثالث : طرق التفسير وقواعده

    يقصد بالتفسير إعطاء القاضي المفهوم الصحيح للنص التشريعي خلال بثه في الدعاوى المرفوعة أمامه وتختلف التفسيرات حسب النص هل سليم أم معيب

    المطلب الأول : حالة النص السليم ، ويكون الوقوف هنا على عبارات النص وألفاظه والاستفادة من فحواه وروحه .

    الفقرة الأولى : المعنى المستنتج من عبارات النص

    يظهر هنا المفهوم واضحا من خلال مصطلحات النص حيث يحمل معنى لغوي واصطلاحيي وغالبا ما يطبق المعنى الاصطلاحي .

    الفقرة الثانية : المعنى المستنتج من روح النص وفحواه

    في هذه الحالة يتم تجاهل ألفاظ النص والاعتماد على معناه وروحه ودلالاته كما يعتمد على مبدأ القياس من خلال الحكم على واقعة بحكم واقعة مشابهة أو الحكم من باب أولى حيث لوكان السكر ممنوعا فالمخدرات أولى .

    مفهوم المخالفة : وهو إعطاء حالة غير منصوص عليها عكس حالة منصوص عليها فمثلا يمنع بيع النجاسات يعني أنه حلال بيع الغير النجاسات .

    المطلب الثاني : حالة النص المعيب

    في حالة النص المعيب يتم تفسير النص القانوني عن طريق مقاربة بعضها ببعض ، اللجوء إلى الأعمال التحضيرية وهي الوثائق والمستندات الرسمية التي تتضمن معطيات حول النص ومختلف التعديلات التي طرأت عليه والمناقشات التي دارت حوله من أجل الوقوف على إرادة المشرع ، كما يمكن اللجوء إلى المصادر التاريخية مثلا القانون الفرنسي أو الشريعة الاسلامية .

    📗 خلاصة الباب

    • تطبق القاعدة القانونية وفق نطاق محدد من حيث الأشخاص (مبدأ لا يعذر أحد بجهله للقانون)، من حيث المكان (مبدأ إقليمية القوانين ومبدأ شخصيتها، مع استثناءات تحول دون تطبيق القانون المغربي داخل المغرب)، ومن حيث الزمان (إلغاء القاعدة القانونية بأنواعه، وتنازع القوانين في الزمان ومبدأ عدم رجعية القوانين).
    • يخضع تفسير القاعدة القانونية عند غموضها لثلاثة أنواع: التفسير القضائي، الفقهي، والتشريعي (التفسير الرسمي الملزم الصادر عن المشرع نفسه)، وتحكمه مذاهب ومناهج متعددة تدور حول البحث عن نية المشرع من عبارة النص أو من روحه وفحواه.

📚 المكتبة القانونية