📖 علم الإجرام — الفصل 4 من 8 — فهرس الكتاب
مناهج وأساليب دراسة الظاهرة الاجرامية
هناك نوعين من المناهج في دراسة الظاهرة الاجرامية مناهج اجتماعية ومناهج فردية
المناهج الاجتماعية : تهدف إلى تقصي حقائق الظاهرة الاجرامية باعتبارها ظاهرة حتمية وثابتة في حياة أي مجتمع ، وما يسمى بالدراسة الاحصائية وأسلوب الاحصاء الجنائي وهو التعبير عن ظاهرة معينة بالأرقام ، واسلوب الاحصاء الجنائي ظهر في النصف الأول من القرن 19 حينما أصدرت وزارة العدل الفرنسية إحصاء حول عدد الجرائم في فرنسا ، ولهذاالاسلوب فوائد ومزايا متعددة ، فهويفيدنا في معرفة عدد الجرائم المرتكبة وتفسير الظاهرة الاجرامية من حيث الزمان والمكان وفي كونها توجه السياسة الجنائية التي تعتمد على ما يتوصل إليه علماء علم الاجرام وبحوثهم فتأخذ ببحوثهم وعلمهم و تعرضه على المشرع الذي يسن القوانين والفصول الجنائية ، وتقترح الوسائل الكفيلة بمحاربة الظاهرة الاجرامية والوقاية منها ، لكن رغم الفوائد التي جاء بها هذاالاتجاه أي الاتجاه الاحصائي إلاأنه توجه له انتقادات كثيرة بسبب اتسامه بالسطحية بقدر كبير ولا يعطي حجم الاجرام الفعلي للمجتمع وذلك راجع لأسباب خفية عن أعين العدالة ، وبقدر ما نجح هذاالاسلوب في إعطاء نظرة عن حجم ونسبة الاجرام في المجتمع لكنه لم يعط الحجم الحقيقي الفعلي للجريمة داخل المجتمع فالإجرام الفعلي يشمل جميع الجرائم المرتكبة في فترة زمنية محددة بغض وصلت إلى يد الشرطة أم لا ، إذن يستحيل أن نعرف الاجرام الفعلي في مجتمع معين ، إذن سوف نبحث عن احصائيات حول الاجرام الظاهر الذي وصل إلى علم الشرطة من أجل تحديد نسبة و حجم الاجرام الظاهر في مجتمع معين ، لكن رغم أن هذه الاحصائيات لا نستطيع الاعتماد عليها ك مؤشر ثابت لكنها تبقى مؤشرا نسبيا يفرض على الباحث التعامل معه بحيطة وحذر كبيرين لأن الاحصائيات مجرد تسجيل لنشاط الشرطة وليس تعبيرا حقيقيا عن حجم ونسبة الظاهرة الاجرامية في المجتمع . فيمكن القول أن احصائيات الشرطة هي احصائيات خداعة لأمرين اثنين : الأمر الأول مرتبط بالتبليغ أو العلم بالواقعة الاجرامية والثاني اعادة بناءة الموضوع .
عوائق وصول الجريمة إلى مصالح الشرطة : العلم بالواقعة الاجرامية مرتبط بأمرين اثنين أيضا وهو قابلية الجرم للبروز والاحالة ، فهناك جرائم قابلة للبروك كالقتل والسرقة فهي تصل إلى أدي الشرطة وبالتالي الوصول إلى العدالة لأنها تثير سخط وغضب الجماعة فيستحيل التستر عليها من قبل المجتمع بالمقابل جرائم الاختلاس داخل الشركات أو التهرب الضريبي هي جرائم ليست قابلية البروز وقلما تصل إلى يد الشرطة و العدالة الجنائية ،.
الاحالة وجود جرائم دون ضحايا مباشرين كالتهرب الضريبي مثلا وكذلك وجود مسالك للضبط الذاتي لحل المنازعات غير طريق أجهزة العدالة الجنائية مثلا السرقة من مرجان ، فمسألة الإحالة أو التبليغ إلى العدالة الجنائية مسالة مرتبطة بنظرة الجماعة والضحية ونظرتهما للعدالة الجنائية والثقة في قدرتها على حل المنازعات وفاعليتها في إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي ففي الدول المتقدمة مثلا الجمهور له ثقة في أجهزة العدالة وقدرتها على حل النزاع وإرجاع الحق إلى اصحابه .
مسالة عدم الاحالة أو التبليغ تستر العديد من الجرائم وتحول بينها وبين الوصول إلى العدالة الجنائية وبالتالي هذا لا يساعدنا على معرفة حجم الاجرام الفعلي في المجتمع
ظروف وملابسات اركاب الجريمة : ارتكاب الجرائم أمام أعين الناس في مكان مكتظ بالسكان يستحيل التكتم عنها فقابلية الجرائم للبروز والتبليغ عنها و وصولها إلى جهاز العدالة مرتبط بظروف وملابسات الجريمة.
مسألة الاحالة أو التبليغ إلى أجهزة العدالة الجنائية مرتبط بأمرين اساسيين أولهما ظروف موضوعية تتعلق بشخصية الجاني ثم وجود ضحايا مباشرين .
اعادة بناء الموضوع : حجم الجرائم المعلن عنه بالإحصائيات الرسمية مثلا وزارة العدل أصدرت عددا بالجرائم ، لكن ذلك الحجم ليس كل الجرائم التي أحيلت الى العدالة الجنائية بل يشمل فقط الجرائم التي تمت اعادة بنائها أي خضعت لعملية التصفية والغربلة في سائر مراحل عمل الشرطة أو العدالة الجنائية .
مثلا في مجتمع معين عدد الجرائم فيه 100 جريمة ، قد يصل إلى الشرطة 50 جريمة فقط تبليغا أو تربصا أو وشاية ، وليس كلها تحال إلى النيابة العامة فما يصل فقط 30 جريمة والنيابة لا تحيل جميع الجرائم إلى للمحكمة وتقوم في غالب الاحسان بحفظ الملف لأن لديها سلطة الملائمة فيحفظ الملف نظرا لعدم كفاية الادلة أو أن الضرر الواقع لا يستحق إجراء محاكمة أو عدم الاختصاص فيكون نوع القضية مدنيا وليس جنائيا ، إذن 20 جريمة فقط تصل إلى المحكمة لأن من مهام النيابة العامة غربلة و تصفية القضايا المعروضة عليها فيستحيل إحالة جميع القضايا إلى القاضي وليس جميع القضايا التي تعرض على المحكمة يتم الحكم فيها بالسجن فتحصل البراءة وربما عقوبات مخففة ربما فقط 10 جرائم قد يصل بها الأمر إلى السجن ، خلاصة القول يستحيل معرفة معدل الجريمة الفعلي داخل مجتمع ما فجميع الاحصائيات تبقى خداعة .
التمييز بين الاجرام الظاهر والاجرام الشرعي :
الاجرام الشرعي : هو حجم الاجرام الصادر عن المحاكم الجنائية
الاجرام الفعلي : هو عدد الجرائم الحقيقية داخل مجتمع ما
الاجرام الظاهر : هو الاحصاء الصادر عن مراكز الشرطة
سميناه شرعيا لأنه يعتمد على مبدأ الشرعية أي لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص ، لكن لا يمكن الاعتماد كما قلنا على إحصاء المحاكم لأنه لا يمثل الاجرام الفعلي داخل المجتمع لذلك يذهب الباحثون الى الاحصائيات الصادرة عن مراكز الشرطة لأنها تكون أكقر دقة وأحسن وسيلة لحساب حجم الاجرام الظاهر .
الرقم الرمادي = الاجرام الشرعي – الاجرام الظاهر
الرقم ا لاسود = الاجرام الظاهر – الاجرام الفعلي
من خلال هذه المقاربة يتضح أن هناك عملية تصفية وغربلة تقوم بها أجهزة العدالة الجنائية ابتداء من مصالح الشرطة إلى مراكز السجون ، وكخلاصة يمكن القول أن الاحصائيات الجنائية بمختلف مستوياتها سواء كانت صادرة عن مصالح الشرطة أو النيابة العامة أو المحاكم أو السجون لا يمكن الاعتماد عليها كمؤشر إحصائي سليم باستطاعته أن يدلنا عن حجم الاجرام الفعلي داخل مجتمع ما لأن هناك جرائم كثيرة يتم التستر عليها لامتناع الافراد عن التبليغ عنها
الرقم الاسود أو المظلم هو حجم هذه الجرائم المستترة الخفية وهو الفارق بين الاجرام الحقيقي والاجرام المعلن عنه ، ولا يوجد لحد الساعة أي معيار حقيقي يمكن الرجوع إليه لمعرفة حجم الاجرام الفعلي للمجتمع ، فهناك جرائم العار كالاغتصاب و زنى المحارم والاجهاض و جرائم المسؤولين السامين والرشوة والاختلاس ، كل هاته الجرائم يستتر عنها وتقع بشكل يومي ومستمر ولا تصل إلى علم العدالة بل وهناك من الجرائم ما يصل إلى يد العدالة لكنها تتقاعس عنها لعدم كفاية الادلة أو لنقص في الامكانيات والشرطة دائما تتستر عن الحجم الحقيقي للجرائم كي يشعر الناس بالامان وتظهر بمظهر المسيطر على الوضع ولا تسود حالة الخوف في المجتمع ، لكن يمكن القول أن الاحصائيات الرسمية هي احصائيات خداعة لا يمكن الاعتماد عليها ولا يمكن الاعتماد عليها لاستخراج خلاصات حتمية ، فيستحيل على الباحث في علم الاجرام الاعتماد عليها لكنه يستأنس بها فقط ولا يمكنه بأي حال من الاحوال أن يستخرج منها قواعد أو قوانين ونتائج دقيقة .
مناهج البحث في الظاهرة الاجرامية
تنقسم هذه المناهج إلى قسمين اجتماعية وفردية وقد تطرقنا إلى المناهج الاجتماعية وأهم أسلوب فيها وهو الاسلوب الاحصائي أو الدراسة الاحصائية وقلنا أن علماء الاجرام يعتمدون على هذا الاسلوب الاحصائي لدراسة الظاهرة الاجرامية وخلصنا إلى خلاصة مفادها بأن هذا الاسلوب أو الدراسة لا يمكن الاعتماد عليها إلا استئناسا واعتبرناها مؤشرا نسبيا لذلك سننتقل إلى دراسة المناهج الفردية .
مناهج البحث الفردية
تنقسم إلى قسمين الفحص و دراسة تاريخ المجرم
الفحص بدوره ينقسم إلى قسمين فحصبيولوجي و فحصنفسي عقلي
والفحص البيولوجي ينقسم بدوره إلى فحص خارجي وفحص داخلي
الفحص البيولوجي الخارجي : وهو محاولة للربط بين السمات الخلقية للأفراد وسلوكهم الاجرامي بمعنى إيجاد الصلة بين العيوب الخلقية العضوية والسلوكات الاجرامية ، هذا المذهب بقيادة لامبروزو والمدرسة الوضعية مثل عدم تناسق أعضاء الجسم عدم انتظام الاسنان فهذه العيوب تدل على سلوك إجرامي معين ، هذا الاتجاه يعتقد أن كل من له عيوب خلقية معينة يكون ذا ميل اجرامي معين يعني أنه مشروع مجرم قادم ، فالوشم مثلا يدل على قلة أو انعدام الاحساس بالألم لكن ليس هناك دليل علمي على هذه المقولة لأن تعميمها خطأ محض وأن كل عيب بيولوجي في الانسان يؤثر على سلوكه ويجعل لديه ميولا إجرامية .
الفحص البيولوجي الداخلي : محاولة الربط بين الاختلالات التي تصيب وظائف الاعضاء الداخلية التي تصيب الانسان وبين سلوكه الاجرامي مثل الجهاز التناسلي أو الهضمي وكل اختلال للأعضاء الداخلية للإنسان يؤثر على سلوكه الاجرامي .
الفحص النفسي العقلي : يتم هذا الفحص عن طريق استجواب المجرم وملاحظة انفعالاته وتصرفاته حيال ذلك ، والغرض هو محاولة الوقوف على الاضطرابات النفسية التي يعاني منها ومدى علاقتها بالسلوك الاجرامي ، فالباحث يستجوب المجرم وأثناء الاستجواب يلاحظ الانفعالات والاضطرابات النفسية والعقلية فكلما كان الخلل في الغرائز الجنسية كانت الجرائم جنسية وكلما كانت جرائم العنف كان لديه خلل في غريزة البقاء وكلما كان لديه خلل في غريزة القناعة كانت جرائم السرقة .
دراسة تاريخ المجرم : عندما يفشل التحليل البيولوجي الداخلي والخارجي و النفسي العقلي في الكشف عن اسباب ارتكاب الجريمة يتم اللجوء إلى دراسة تاريخ المجرم منذ بدء تكوينه وولادته إلى اللحظة التي يتم فيها ارتكاب الجريمة انطلاقا من قاعدة عامة تقول إن ماضي المجرم يكشف عن حقيقة سلوكه الاجرامي أي الربط بين ماضي المجرم وسلوكه الاجرامي تحت القاعدة التي تقول ” ماضي المجرم يكشف حقيقة جريمته ” ودراسة تاريخ المجرم تكون عبر مراحل أو ثلاثة اساليب : الملاحظة ، الاستبيان ، المقابلة
هذه المناهج التي اعتمدها علماء الاجرام في تحليل الظاهرة الاجرامية انتقلت بنا من عهد النظريات إلى عهد الدراسة العلمية أما النظريات القديمة فكانت على غير أساس علمي .
الملاحظة : هي أولى مراحل المنهج العلمي وأحد أدوات المنهج الاستقرائي وتسبق ارتكاب الفعل الجرمي وتقوم على ربط ومراقبة الظاهرة بهدف استخلاص القاعدة العامة التي تحكم السلوك الاجرامي هذه الملاحظة تجري من خلال الاتصال المباشر بالمجرم بهدف استخلاص القوانين والقواعد العامة التي تحكم سلوكه وتكون عن طريق رصد المجرم وتتبعه ومراقبته اليومية عن طريق مشاركته حياته أو عن طريق جاسوس ليستخلص الدوافع من وراء السلوك الاجرامي وهي تكون اقرب إلى المصداقية والملاحظة تكون نوعين إما بسيطة فتكون دون وسائل تقنية حديثة أي فقط من خلال الملاحظة العادية والاستماع إليه وهناك ملاحظة مركبة التي يعتمد فيها الباحث على وسائل تقنية حديثة كجهاز كشف الكذب أو التسجيل أو الكاميرا وهو طريقة أقرب الى المصداقية للتأكد من مصداقية المعلومات التي يجمعها الباحث .
الاستبيان : وتكون على شاكلة استمارة تضم عددا من الاسئلة توجه إلى الأفراد محل البحث وتطلب منهم تسجيل إجاباتهم فيها دون حضور الباحث الذي فقط يتولى إعداد الاستمارة وغالبا ما تنص على أسباب ارتكاب الفعل الجرمي وهي سبعة اسئلة صاغها عالم الاجرام على شكل أدوات استفهام ” من ؟ ماذا ؟ لماذا ؟ بماذا ؟ متى ؟ اين ؟ كيف ؟ ” الاستبيان وسيلة مهمة للباحث لكن لها مساوئ كثيرة منها أن المجرمين يرفضون إعطاء الاجوبة الصحيحة فيكون جوابهم فيه استهزاء وخداع كما أن الكثير من المجرمين يجهلون الكتابة والقراءة .
المقابلة : إذا كان الاستبيان يتم في غياب الباحث فإن المقابلة تمكن الباحث من الاتصال المباشر بالمجرم ويقوم بنفسه بالاستجواب فيتعرف على كافة البيانات عن المجرم والمعطيات المتعلقة بالجريمة والحالة الاجتماعية للمجرم وللمقابلة مزايا متعددة منها أنها لا تتطلب أن يكون المجرم ذا مستوى دراسي معين عكس الاستبيان ثمأن حضور الباحث في المقابلة يساعده على طرح اسئلة لمتخطر له على بال خلال وضع الاستمارة فتظهر بمناسبة حالة المجرم النفسية خلال المقابلة كما أن المقابلة تبني جسور الثقة بين الباحث والمجرم فتكون الاسئلة أكثر واقعية وصدقا
مناهج واساليب البحث في الظاهرة الاجرامية
حيث أن زوايا النظر إلى الظاهرة الاجرامية متعددة كان طبيعيا أن تتعدد اساليب البحث عن اسبابها فنظرة الطبيب غير نظرة عالم الاجتماع وهي غير نظرة رجل القانون ، والباحث يجب أن يتجرد من كل فكرة مسبقة حتى يكون بحثه موضوعيا خال من أي حكم مسبق على الظاهرة وأهم اساليب البحث في أسباب الظاهرة الاجرامية :
• التجربة : هي العمود الفقري لدراسة الباحثين في العلوم الطبيعية وتقدم أسمى النتائج العلمية لكن الانسان كائن مركب ويصعب إخضاعه لهذه التجارب حيث تمس بحقوقه الادمية والاجتماعية ، فالتجربة على توأمين مثلا تؤدي بنا إلى ظلم أحدهما والزج به في بيئة إجرامية وإخضاعه لتأثيراتها ، كما لا يمكن في العلوم الجنائية تطبيق نتائج التجربة المنصبة على نموذج اجرامي معين “انسان معين” على غيره من المتهمين ، على أي يبقى أن الزمان يجود دائما بأمثلة نستطيع من خلالها دراسة الجريمة والمجرم ومن خلال الملاحظة الدقيقة وبعض الدراسات وعقد مقارنات و استعانة بالإحصائيات واستخلاص النتائج يمكن التوصل الى معلومات ثمينة ونتائج يعتد بها علميا وتصلح اساسا لمعطيات راسخة لعلم الاجرام .
• الملاحظة : هي أول مراحل المنهج العلمي ، وهي أحد أدوات المنهج الاستقرائي وهي تسبق الجريمة ، وتقوم على رصد ومراقبة الظاهرة بهدف استخلاص القاعدة العامة التي تحكمها ، والملاحظة تجري ميدانيا أي المراقبة المباشرة للمجرم بهدف استخلاص القوانين العامة التي تفسر السلوك الاجرامي ، وتلعب الملاحظة دورا قويا في علم الاجرام وتتطلب ملاحظة العينة ثم تسجيل المعلومات ، وتحدث الملاحظة في مواقع طبيعية أو في مختبرات مع وسائل خاصة مع ما يستوجب ذلك من الخبرة والموضوعية في التقدير ، وهناك نوعان من الملاحظة :
• الملاحظة البسيطة : عن طريق المشاهدة والمراقبة دون أي أجهزة فنية وجمع المعلومات عن الظاهرة ، هذه الطريقة تنقسم ايضا الى نوعين :
• طريقة المشاركة : ينزل الباحث الى ميدان الاجرام ويندمج في الوسط المستهدف بالدراسة حتى يصير فردا عاديا فيه ، مزية هذه الطريقة أنها تتيح للدارس معاينة الواقع عن كثب لكن يعاب عليها أنها تقتضي منه أن يصبح شريكا لأعضاء الفئة المستهدفة وهو ما يقلل من نطاق خبراته ثم تأثير المشاركة العاطفية لغيره من الافراد ، هذه الطريقة يصعب سلوكها لصعوبة نزول الباحث الى الواقع ومشاركة الناس طريقة إجرامهم وما يتطلبه من ارتكاب للجريمة من أجل الوصول الى كشف الحقائق .
• طريقة اللامشاركة : حيث يفصح الدارس للفئة المستهدفة عن غرضه ويحاول كسب ودهم وثقتهم ويصل روابط طيبة معهم على أن لا يندمج معهم اندماجا كليا حتى لا يؤثر وجوده على طبيعة نشاطهم
• الملاحظة المنظمة : تختلف هذه الطريقة عن الملاحظة البسيطة في استعانة الباحث بمعدات تقنية متطورة تساعده على جمع المعلومات مثل الاستمارات والاختبارات واجهزة القياس وأجهزة التصوير والتسجيل والتحاليل الكيماوية والكشف الطبي من أجل التحقق من صدق المعلومات التي يسجلها ، جدير بالذكر أن مصادر الملاحظة لدى باحثي علم الاجرام هي كالتالي :
• الادراك المباشر للجريمة أي ملاحظتها أثناء ارتكابها وهو أمر نادر لكن يمكن حصوله من خلال التصوير أو المصادفة – كاميرات المراقبة مثلا –
• اثبات الحالة بعد اتمام الجريمة
• دراسة طريقة ارتكاب الجريمة ، حالة كسر قفل مثلا
• حصيلة الجريمة ، سندات بنكية مزورة مثلا
• دراسة مصنف القضية
• الاعمال المنجزة من قبل المسجونين كالرسم والكتب والادوات المصنوعة
• الدراسة البيولوجية والنفسية والعقلية : هناك فحص بيولوجي وآخر نفسي عقلي
• الفحص البيولوجي : عبر فحص طبي شامل للحالة محل البحث ، فيشمل البحث أوجه الخلل العضوي بجانب فحص الغدد وإجراء الاشعة إلى غير ذلك لمعرفة أي خلل في أجهزة الجسم قد تسبب في حدوث الجريمة وأول من اهتم بهذه الدراسة الايطالي لامبروزو وتبعه آخرون حاولوا ربط السلوك الاجرامي بالخلل العضوي .
• الفحص النفسي العقلي : يقصد به دراسة نفسية المجرم وتحديد مقدار ما يتمتع به من ذكاء ومدى اعتدال غرائزه وعواطفه ، هذا البحث يحصل من خلال الاستجواب والملاحظة وإجراء اختبارات الذكاء .
• الدراسة الاحصائية : هو أكثر الاساليب شيوعا في الدراسات الاجرامية و يعرف بكونه مجموعة من القواعد العددية حول ظاهرة معينة ، أي التعبير عن الظاهرة بالأرقام ويكشف هذا الاسلوب مدى ارتباط عدد معين من الجرائم بوجود ظروف معينة كالفقر والمهنة والطقس والحالة العائلية والدين والظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية . ظهرت أول مرة في فرنسا في القرن 19 وأهم مزايا هذا الاسلوب :
• توجيه السياسة الجنائية في مواجهة الظاهرة الاجرامية
• تفسر الجريمة بحسب المكان والزمان
• اقتراح وسائل المعاملة الامنية من قبل رجال الامن
• شروط نجاح الاسلوب الاحصائي :
• أن تكون العينة محل البحث ممثلة تمثيلا جيدا : لجميع الافراد مما يسمح بتعميم النتائج ، والتمثيل الجيد للعينة يستوجب الاستعانة بالمجموعة الضابطة أي جملة من غير المجرمين ممن تماثل ظروفهم مع ذات العدد من المجرمين الخاضعين للدراسة ، لكن يصعب اختيار المجموعة الضابطة في الدراسات الاجرامية لعدم الرغبة في تعاون المجموعة مع الباحث او يتعذر التأكد من أن بعض المجرمين لم يندس بين غير المجرمين .
• ملائمة أفراد العينة ، أي أن يكون العدد كافيا دون أن يكون مبالغا فيه .
تقدير أسلوب الدراسة الاحصائية :
• أسلوب يتسم بالسطحية لأنها لا تقيس حجم الاجرام الفعلي بل تقيس نشاط أجهزة العدالة الجنائية ، والاجرام الفعلي هو “جميع الجرائم التي ترتكب في مجتمع معين وفي زمن محدد بغض النظر عن وصول هذه الجرائم إلى علم وكالات الضبط الاجتماعي أم لا وسواء حققت الشرطة فيها أم لا ” فأمام استحالة الوقوف على حجم الاجرام الفعلي يلجأ الباحثون إلى إحصائيات الشرطة لكن الباحث يجب أن يتعامل مع هذه المعطيات بكل حذر وحيطة لأن حجم الاجرام المعلن في الاحصائيات الرسمية لا يمثل الاجرام المحال على أجهزة العدالة بل فقط احصائيات الاجرام كما تمت إعادة بنائه من طرف هذه الاجهزة بعد أن يخضع لعملية الغربلة والتصفية :
• المرحلة 1 : مرحلة الشرطة أو الدرك ويسمى بالإجرام الظاهر ، وهي احصائية خادعة لا يمكن اعتبارها إلا كمؤشر نسبي لأن هناك قضايا يتم رفضها أو تتم معالجتها ولا تصل الى المرحلة اللاحقة .
• المرحلة 2 : على مستوى النيابة العامة ، فلا تتم المتابعة الا في عدد قليل من القضايا التي تحال إليها من الشرطة والدرك بسبب ميل النيابة العامة الى حفظ الملفات بدون متابعة .
• المرحلة 3 : مرحلة الحكم ، وتسمى الاجرام الشرعي ، غير أن الاحصائيات التي تصدرها المحاكم الشرعية لا تشمل سوى الافعال التي تمت المعاقبة عليها وليس كل القضايا يتم الادانة فيها ، وبالتالي لا يمكن إحصائيات المحاكم أن تعطينا صورة صادقة عن الظاهرة الاجرامية ، وهنا يفضل الباحث احصائيات الشرطة لأن احصائيات المحاكم أقل بكثير من احصائيات الشرطة .
• المرحلة 4 : تكون على مستوى المؤسسات العقابية ، لا تمثل العدد الحقيقي لأنها لا تشمل سوى من أودعوا السجن ولا تشمل المجرمين الذين لا تطالهم يد العدالة وأولئك الذين تمت ادانتهم بعقوبات مالية كما أن هناك جرائم ترتكب من طرف اشخاص معنوية يحكم عليها بعقوبات مالية أو تدابير وقائية . الاجرام الظاهر (الشرطة) – الاجرام الشرعي (المحاكم) = الرقم الرمادي نلاحظ وجود عملية غربلة وتصفية تقوم بها أجهزة العدالة الجنائية ابتداء م الشرطة والدرك مرورا بالنيابة العامة وانتهاء بمرحلة الحكم . خلاصة القول أن احصائيات أجهزة العدالة لا يعتمد عليها للوصول الى حجم الاجرام الفعلي في بلد معين ما دام أن نسبة مهمة من الجرائم تبقى مستترة وخفية ترتكب ولا تصل الى العدالة الجنائية وذلك بسبب امتناع الاشخاص عن التبليغ عنها فلا ترد في احصائيات المحاكم و لا احصائيات الشرطة وهو ما يعبر عنه بالرقم الاسود وهو الفارق بين الاجرام الحقيقي و الاجرام المعلن عنه في الاحصائيات الرسمية وتنشأ هذه الظاهرة نتيجة تسرب عدد من الجرائم من الحصر الذي يجريه القائمون على الاحصائيات الجنائية ، ويمكن القول أن الاحصائيات الجنائية ليست خداعة فقط وغير مجدية بل ضارة بما تخلفه لدى الافراد من احساس قوي بعدم الامان و تحولها إلى أداة للصراع السياسي داخل الدولة ، ثم هناك غياب أو نقص المجموعة الضابطة بحسب انها إحدى الشروط الضرورية لصحة نتائج الدراسات الاحصائية عامة والجنائية خاصة .
📗 خلاصة الباب
- يميَّز بين الإجرام الفعلي (العدد الحقيقي للجرائم) والإجرام الظاهر (المسجَّل لدى الشرطة) والإجرام الشرعي (الصادر عن الأحكام القضائية)، والفارق بينهما يشكل الرقم الرمادي (شرعي-ظاهر) والرقم الأسود أو المظلم (ظاهر-فعلي) الذي يعكس حجم الجرائم المستترة غير المبلَّغ عنها.
- تنقسم مناهج البحث إلى مناهج اجتماعية (كالأسلوب الإحصائي بمراحله الأربع: الشرطة، النيابة العامة، الحكم، المؤسسات العقابية) ومناهج فردية تتفرع إلى الفحص (البيولوجي الخارجي والداخلي، والنفسي العقلي) ودراسة تاريخ المجرم، إلى جانب أدوات أخرى كالتجربة والملاحظة (البسيطة، المشاركة، المنظمة) والاستبيان والمقابلة.
◀ الفصل السابق: الباب الثاني: علاقة علم الإجرام بالقانون الجنائي والمسطرة الجنائية وبالعلوم الأخرى
الفصل التالي: الباب الرابع: الاتجاه التكويني في تفسير السلوك الإجرامي (لومبروزو وفرويد) ▶