المدونة

  • الباب الثالث: مناهج وأساليب البحث في الظاهرة الإجرامية

    📖 علم الإجرام — الفصل 4 من 8 — فهرس الكتاب

    مناهج وأساليب دراسة الظاهرة الاجرامية

    هناك نوعين من المناهج في دراسة الظاهرة الاجرامية مناهج اجتماعية ومناهج فردية

    المناهج الاجتماعية : تهدف إلى تقصي حقائق الظاهرة الاجرامية باعتبارها ظاهرة حتمية وثابتة في حياة أي مجتمع ، وما يسمى بالدراسة الاحصائية وأسلوب الاحصاء الجنائي وهو التعبير عن ظاهرة معينة بالأرقام ، واسلوب الاحصاء الجنائي ظهر في النصف الأول من القرن 19 حينما أصدرت وزارة العدل الفرنسية إحصاء حول عدد الجرائم في فرنسا ، ولهذاالاسلوب فوائد ومزايا متعددة ، فهويفيدنا في معرفة عدد الجرائم المرتكبة وتفسير الظاهرة الاجرامية من حيث الزمان والمكان وفي كونها توجه السياسة الجنائية التي تعتمد على ما يتوصل إليه علماء علم الاجرام وبحوثهم فتأخذ ببحوثهم وعلمهم و تعرضه على المشرع الذي يسن القوانين والفصول الجنائية ، وتقترح الوسائل الكفيلة بمحاربة الظاهرة الاجرامية والوقاية منها ، لكن رغم الفوائد التي جاء بها هذاالاتجاه أي الاتجاه الاحصائي إلاأنه توجه له انتقادات كثيرة بسبب اتسامه بالسطحية بقدر كبير ولا يعطي حجم الاجرام الفعلي للمجتمع وذلك راجع لأسباب خفية عن أعين العدالة ، وبقدر ما نجح هذاالاسلوب في إعطاء نظرة عن حجم ونسبة الاجرام في المجتمع لكنه لم يعط الحجم الحقيقي الفعلي للجريمة داخل المجتمع فالإجرام الفعلي يشمل جميع الجرائم المرتكبة في فترة زمنية محددة بغض وصلت إلى يد الشرطة أم لا ، إذن يستحيل أن نعرف الاجرام الفعلي في مجتمع معين ، إذن سوف نبحث عن احصائيات حول الاجرام الظاهر الذي وصل إلى علم الشرطة من أجل تحديد نسبة و حجم الاجرام الظاهر في مجتمع معين ، لكن رغم أن هذه الاحصائيات لا نستطيع الاعتماد عليها ك مؤشر ثابت لكنها تبقى مؤشرا نسبيا يفرض على الباحث التعامل معه بحيطة وحذر كبيرين لأن الاحصائيات مجرد تسجيل لنشاط الشرطة وليس تعبيرا حقيقيا عن حجم ونسبة الظاهرة الاجرامية في المجتمع . فيمكن القول أن احصائيات الشرطة هي احصائيات خداعة لأمرين اثنين : الأمر الأول مرتبط بالتبليغ أو العلم بالواقعة الاجرامية والثاني اعادة بناءة الموضوع .

    عوائق وصول الجريمة إلى مصالح الشرطة : العلم بالواقعة الاجرامية مرتبط بأمرين اثنين أيضا وهو قابلية الجرم للبروز والاحالة ، فهناك جرائم قابلة للبروك كالقتل والسرقة فهي تصل إلى أدي الشرطة وبالتالي الوصول إلى العدالة لأنها تثير سخط وغضب الجماعة فيستحيل التستر عليها من قبل المجتمع بالمقابل جرائم الاختلاس داخل الشركات أو التهرب الضريبي هي جرائم ليست قابلية البروز وقلما تصل إلى يد الشرطة و العدالة الجنائية ،.

    الاحالة وجود جرائم دون ضحايا مباشرين كالتهرب الضريبي مثلا وكذلك وجود مسالك للضبط الذاتي لحل المنازعات غير طريق أجهزة العدالة الجنائية مثلا السرقة من مرجان ، فمسألة الإحالة أو التبليغ إلى العدالة الجنائية مسالة مرتبطة بنظرة الجماعة والضحية ونظرتهما للعدالة الجنائية والثقة في قدرتها على حل المنازعات وفاعليتها في إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي ففي الدول المتقدمة مثلا الجمهور له ثقة في أجهزة العدالة وقدرتها على حل النزاع وإرجاع الحق إلى اصحابه .

    مسالة عدم الاحالة أو التبليغ تستر العديد من الجرائم وتحول بينها وبين الوصول إلى العدالة الجنائية وبالتالي هذا لا يساعدنا على معرفة حجم الاجرام الفعلي في المجتمع

    ظروف وملابسات اركاب الجريمة : ارتكاب الجرائم أمام أعين الناس في مكان مكتظ بالسكان يستحيل التكتم عنها فقابلية الجرائم للبروز والتبليغ عنها و وصولها إلى جهاز العدالة مرتبط بظروف وملابسات الجريمة.

    مسألة الاحالة أو التبليغ إلى أجهزة العدالة الجنائية مرتبط بأمرين اساسيين أولهما ظروف موضوعية تتعلق بشخصية الجاني ثم وجود ضحايا مباشرين .

    اعادة بناء الموضوع : حجم الجرائم المعلن عنه بالإحصائيات الرسمية مثلا وزارة العدل أصدرت عددا بالجرائم ، لكن ذلك الحجم ليس كل الجرائم التي أحيلت الى العدالة الجنائية بل يشمل فقط الجرائم التي تمت اعادة بنائها أي خضعت لعملية التصفية والغربلة في سائر مراحل عمل الشرطة أو العدالة الجنائية .

    مثلا في مجتمع معين عدد الجرائم فيه 100 جريمة ، قد يصل إلى الشرطة 50 جريمة فقط تبليغا أو تربصا أو وشاية ، وليس كلها تحال إلى النيابة العامة فما يصل فقط 30 جريمة والنيابة لا تحيل جميع الجرائم إلى للمحكمة وتقوم في غالب الاحسان بحفظ الملف لأن لديها سلطة الملائمة فيحفظ الملف نظرا لعدم كفاية الادلة أو أن الضرر الواقع لا يستحق إجراء محاكمة أو عدم الاختصاص فيكون نوع القضية مدنيا وليس جنائيا ، إذن 20 جريمة فقط تصل إلى المحكمة لأن من مهام النيابة العامة غربلة و تصفية القضايا المعروضة عليها فيستحيل إحالة جميع القضايا إلى القاضي وليس جميع القضايا التي تعرض على المحكمة يتم الحكم فيها بالسجن فتحصل البراءة وربما عقوبات مخففة ربما فقط 10 جرائم قد يصل بها الأمر إلى السجن ، خلاصة القول يستحيل معرفة معدل الجريمة الفعلي داخل مجتمع ما فجميع الاحصائيات تبقى خداعة .

    التمييز بين الاجرام الظاهر والاجرام الشرعي :

    الاجرام الشرعي : هو حجم الاجرام الصادر عن المحاكم الجنائية

    الاجرام الفعلي : هو عدد الجرائم الحقيقية داخل مجتمع ما

    الاجرام الظاهر : هو الاحصاء الصادر عن مراكز الشرطة

    سميناه شرعيا لأنه يعتمد على مبدأ الشرعية أي لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص ، لكن لا يمكن الاعتماد كما قلنا على إحصاء المحاكم لأنه لا يمثل الاجرام الفعلي داخل المجتمع لذلك يذهب الباحثون الى الاحصائيات الصادرة عن مراكز الشرطة لأنها تكون أكقر دقة وأحسن وسيلة لحساب حجم الاجرام الظاهر .

    الرقم الرمادي = الاجرام الشرعي – الاجرام الظاهر

    الرقم ا لاسود = الاجرام الظاهر – الاجرام الفعلي

    من خلال هذه المقاربة يتضح أن هناك عملية تصفية وغربلة تقوم بها أجهزة العدالة الجنائية ابتداء من مصالح الشرطة إلى مراكز السجون ، وكخلاصة يمكن القول أن الاحصائيات الجنائية بمختلف مستوياتها سواء كانت صادرة عن مصالح الشرطة أو النيابة العامة أو المحاكم أو السجون لا يمكن الاعتماد عليها كمؤشر إحصائي سليم باستطاعته أن يدلنا عن حجم الاجرام الفعلي داخل مجتمع ما لأن هناك جرائم كثيرة يتم التستر عليها لامتناع الافراد عن التبليغ عنها

    الرقم الاسود أو المظلم هو حجم هذه الجرائم المستترة الخفية وهو الفارق بين الاجرام الحقيقي والاجرام المعلن عنه ، ولا يوجد لحد الساعة أي معيار حقيقي يمكن الرجوع إليه لمعرفة حجم الاجرام الفعلي للمجتمع ، فهناك جرائم العار كالاغتصاب و زنى المحارم والاجهاض و جرائم المسؤولين السامين والرشوة والاختلاس ، كل هاته الجرائم يستتر عنها وتقع بشكل يومي ومستمر ولا تصل إلى علم العدالة بل وهناك من الجرائم ما يصل إلى يد العدالة لكنها تتقاعس عنها لعدم كفاية الادلة أو لنقص في الامكانيات والشرطة دائما تتستر عن الحجم الحقيقي للجرائم كي يشعر الناس بالامان وتظهر بمظهر المسيطر على الوضع ولا تسود حالة الخوف في المجتمع ، لكن يمكن القول أن الاحصائيات الرسمية هي احصائيات خداعة لا يمكن الاعتماد عليها ولا يمكن الاعتماد عليها لاستخراج خلاصات حتمية ، فيستحيل على الباحث في علم الاجرام الاعتماد عليها لكنه يستأنس بها فقط ولا يمكنه بأي حال من الاحوال أن يستخرج منها قواعد أو قوانين ونتائج دقيقة .

    مناهج البحث في الظاهرة الاجرامية

    تنقسم هذه المناهج إلى قسمين اجتماعية وفردية وقد تطرقنا إلى المناهج الاجتماعية وأهم أسلوب فيها وهو الاسلوب الاحصائي أو الدراسة الاحصائية وقلنا أن علماء الاجرام يعتمدون على هذا الاسلوب الاحصائي لدراسة الظاهرة الاجرامية وخلصنا إلى خلاصة مفادها بأن هذا الاسلوب أو الدراسة لا يمكن الاعتماد عليها إلا استئناسا واعتبرناها مؤشرا نسبيا لذلك سننتقل إلى دراسة المناهج الفردية .

    مناهج البحث الفردية

    تنقسم إلى قسمين الفحص و دراسة تاريخ المجرم

    الفحص بدوره ينقسم إلى قسمين فحصبيولوجي و فحصنفسي عقلي

    والفحص البيولوجي ينقسم بدوره إلى فحص خارجي وفحص داخلي

    الفحص البيولوجي الخارجي : وهو محاولة للربط بين السمات الخلقية للأفراد وسلوكهم الاجرامي بمعنى إيجاد الصلة بين العيوب الخلقية العضوية والسلوكات الاجرامية ، هذا المذهب بقيادة لامبروزو والمدرسة الوضعية مثل عدم تناسق أعضاء الجسم عدم انتظام الاسنان فهذه العيوب تدل على سلوك إجرامي معين ، هذا الاتجاه يعتقد أن كل من له عيوب خلقية معينة يكون ذا ميل اجرامي معين يعني أنه مشروع مجرم قادم ، فالوشم مثلا يدل على قلة أو انعدام الاحساس بالألم لكن ليس هناك دليل علمي على هذه المقولة لأن تعميمها خطأ محض وأن كل عيب بيولوجي في الانسان يؤثر على سلوكه ويجعل لديه ميولا إجرامية .

    الفحص البيولوجي الداخلي : محاولة الربط بين الاختلالات التي تصيب وظائف الاعضاء الداخلية التي تصيب الانسان وبين سلوكه الاجرامي مثل الجهاز التناسلي أو الهضمي وكل اختلال للأعضاء الداخلية للإنسان يؤثر على سلوكه الاجرامي .

    الفحص النفسي العقلي : يتم هذا الفحص عن طريق استجواب المجرم وملاحظة انفعالاته وتصرفاته حيال ذلك ، والغرض هو محاولة الوقوف على الاضطرابات النفسية التي يعاني منها ومدى علاقتها بالسلوك الاجرامي ، فالباحث يستجوب المجرم وأثناء الاستجواب يلاحظ الانفعالات والاضطرابات النفسية والعقلية فكلما كان الخلل في الغرائز الجنسية كانت الجرائم جنسية وكلما كانت جرائم العنف كان لديه خلل في غريزة البقاء وكلما كان لديه خلل في غريزة القناعة كانت جرائم السرقة .

    دراسة تاريخ المجرم : عندما يفشل التحليل البيولوجي الداخلي والخارجي و النفسي العقلي في الكشف عن اسباب ارتكاب الجريمة يتم اللجوء إلى دراسة تاريخ المجرم منذ بدء تكوينه وولادته إلى اللحظة التي يتم فيها ارتكاب الجريمة انطلاقا من قاعدة عامة تقول إن ماضي المجرم يكشف عن حقيقة سلوكه الاجرامي أي الربط بين ماضي المجرم وسلوكه الاجرامي تحت القاعدة التي تقول ” ماضي المجرم يكشف حقيقة جريمته ” ودراسة تاريخ المجرم تكون عبر مراحل أو ثلاثة اساليب : الملاحظة ، الاستبيان ، المقابلة

    هذه المناهج التي اعتمدها علماء الاجرام في تحليل الظاهرة الاجرامية انتقلت بنا من عهد النظريات إلى عهد الدراسة العلمية أما النظريات القديمة فكانت على غير أساس علمي .

    الملاحظة : هي أولى مراحل المنهج العلمي وأحد أدوات المنهج الاستقرائي وتسبق ارتكاب الفعل الجرمي وتقوم على ربط ومراقبة الظاهرة بهدف استخلاص القاعدة العامة التي تحكم السلوك الاجرامي هذه الملاحظة تجري من خلال الاتصال المباشر بالمجرم بهدف استخلاص القوانين والقواعد العامة التي تحكم سلوكه وتكون عن طريق رصد المجرم وتتبعه ومراقبته اليومية عن طريق مشاركته حياته أو عن طريق جاسوس ليستخلص الدوافع من وراء السلوك الاجرامي وهي تكون اقرب إلى المصداقية والملاحظة تكون نوعين إما بسيطة فتكون دون وسائل تقنية حديثة أي فقط من خلال الملاحظة العادية والاستماع إليه وهناك ملاحظة مركبة التي يعتمد فيها الباحث على وسائل تقنية حديثة كجهاز كشف الكذب أو التسجيل أو الكاميرا وهو طريقة أقرب الى المصداقية للتأكد من مصداقية المعلومات التي يجمعها الباحث .

    الاستبيان : وتكون على شاكلة استمارة تضم عددا من الاسئلة توجه إلى الأفراد محل البحث وتطلب منهم تسجيل إجاباتهم فيها دون حضور الباحث الذي فقط يتولى إعداد الاستمارة وغالبا ما تنص على أسباب ارتكاب الفعل الجرمي وهي سبعة اسئلة صاغها عالم الاجرام على شكل أدوات استفهام ” من ؟ ماذا ؟ لماذا ؟ بماذا ؟ متى ؟ اين ؟ كيف ؟ ” الاستبيان وسيلة مهمة للباحث لكن لها مساوئ كثيرة منها أن المجرمين يرفضون إعطاء الاجوبة الصحيحة فيكون جوابهم فيه استهزاء وخداع كما أن الكثير من المجرمين يجهلون الكتابة والقراءة .

    المقابلة : إذا كان الاستبيان يتم في غياب الباحث فإن المقابلة تمكن الباحث من الاتصال المباشر بالمجرم ويقوم بنفسه بالاستجواب فيتعرف على كافة البيانات عن المجرم والمعطيات المتعلقة بالجريمة والحالة الاجتماعية للمجرم وللمقابلة مزايا متعددة منها أنها لا تتطلب أن يكون المجرم ذا مستوى دراسي معين عكس الاستبيان ثمأن حضور الباحث في المقابلة يساعده على طرح اسئلة لمتخطر له على بال خلال وضع الاستمارة فتظهر بمناسبة حالة المجرم النفسية خلال المقابلة كما أن المقابلة تبني جسور الثقة بين الباحث والمجرم فتكون الاسئلة أكثر واقعية وصدقا

    مناهج واساليب البحث في الظاهرة الاجرامية

    حيث أن زوايا النظر إلى الظاهرة الاجرامية متعددة كان طبيعيا أن تتعدد اساليب البحث عن اسبابها فنظرة الطبيب غير نظرة عالم الاجتماع وهي غير نظرة رجل القانون ، والباحث يجب أن يتجرد من كل فكرة مسبقة حتى يكون بحثه موضوعيا خال من أي حكم مسبق على الظاهرة وأهم اساليب البحث في أسباب الظاهرة الاجرامية :

    • التجربة : هي العمود الفقري لدراسة الباحثين في العلوم الطبيعية وتقدم أسمى النتائج العلمية لكن الانسان كائن مركب ويصعب إخضاعه لهذه التجارب حيث تمس بحقوقه الادمية والاجتماعية ، فالتجربة على توأمين مثلا تؤدي بنا إلى ظلم أحدهما والزج به في بيئة إجرامية وإخضاعه لتأثيراتها ، كما لا يمكن في العلوم الجنائية تطبيق نتائج التجربة المنصبة على نموذج اجرامي معين “انسان معين” على غيره من المتهمين ، على أي يبقى أن الزمان يجود دائما بأمثلة نستطيع من خلالها دراسة الجريمة والمجرم ومن خلال الملاحظة الدقيقة وبعض الدراسات وعقد مقارنات و استعانة بالإحصائيات واستخلاص النتائج يمكن التوصل الى معلومات ثمينة ونتائج يعتد بها علميا وتصلح اساسا لمعطيات راسخة لعلم الاجرام .

    • الملاحظة : هي أول مراحل المنهج العلمي ، وهي أحد أدوات المنهج الاستقرائي وهي تسبق الجريمة ، وتقوم على رصد ومراقبة الظاهرة بهدف استخلاص القاعدة العامة التي تحكمها ، والملاحظة تجري ميدانيا أي المراقبة المباشرة للمجرم بهدف استخلاص القوانين العامة التي تفسر السلوك الاجرامي ، وتلعب الملاحظة دورا قويا في علم الاجرام وتتطلب ملاحظة العينة ثم تسجيل المعلومات ، وتحدث الملاحظة في مواقع طبيعية أو في مختبرات مع وسائل خاصة مع ما يستوجب ذلك من الخبرة والموضوعية في التقدير ، وهناك نوعان من الملاحظة :

    • الملاحظة البسيطة : عن طريق المشاهدة والمراقبة دون أي أجهزة فنية وجمع المعلومات عن الظاهرة ، هذه الطريقة تنقسم ايضا الى نوعين :

    • طريقة المشاركة : ينزل الباحث الى ميدان الاجرام ويندمج في الوسط المستهدف بالدراسة حتى يصير فردا عاديا فيه ، مزية هذه الطريقة أنها تتيح للدارس معاينة الواقع عن كثب لكن يعاب عليها أنها تقتضي منه أن يصبح شريكا لأعضاء الفئة المستهدفة وهو ما يقلل من نطاق خبراته ثم تأثير المشاركة العاطفية لغيره من الافراد ، هذه الطريقة يصعب سلوكها لصعوبة نزول الباحث الى الواقع ومشاركة الناس طريقة إجرامهم وما يتطلبه من ارتكاب للجريمة من أجل الوصول الى كشف الحقائق .

    • طريقة اللامشاركة : حيث يفصح الدارس للفئة المستهدفة عن غرضه ويحاول كسب ودهم وثقتهم ويصل روابط طيبة معهم على أن لا يندمج معهم اندماجا كليا حتى لا يؤثر وجوده على طبيعة نشاطهم

    • الملاحظة المنظمة : تختلف هذه الطريقة عن الملاحظة البسيطة في استعانة الباحث بمعدات تقنية متطورة تساعده على جمع المعلومات مثل الاستمارات والاختبارات واجهزة القياس وأجهزة التصوير والتسجيل والتحاليل الكيماوية والكشف الطبي من أجل التحقق من صدق المعلومات التي يسجلها ، جدير بالذكر أن مصادر الملاحظة لدى باحثي علم الاجرام هي كالتالي :

    • الادراك المباشر للجريمة أي ملاحظتها أثناء ارتكابها وهو أمر نادر لكن يمكن حصوله من خلال التصوير أو المصادفة – كاميرات المراقبة مثلا –

    • اثبات الحالة بعد اتمام الجريمة

    • دراسة طريقة ارتكاب الجريمة ، حالة كسر قفل مثلا

    • حصيلة الجريمة ، سندات بنكية مزورة مثلا

    • دراسة مصنف القضية

    • الاعمال المنجزة من قبل المسجونين كالرسم والكتب والادوات المصنوعة

    • الدراسة البيولوجية والنفسية والعقلية : هناك فحص بيولوجي وآخر نفسي عقلي

    • الفحص البيولوجي : عبر فحص طبي شامل للحالة محل البحث ، فيشمل البحث أوجه الخلل العضوي بجانب فحص الغدد وإجراء الاشعة إلى غير ذلك لمعرفة أي خلل في أجهزة الجسم قد تسبب في حدوث الجريمة وأول من اهتم بهذه الدراسة الايطالي لامبروزو وتبعه آخرون حاولوا ربط السلوك الاجرامي بالخلل العضوي .

    • الفحص النفسي العقلي : يقصد به دراسة نفسية المجرم وتحديد مقدار ما يتمتع به من ذكاء ومدى اعتدال غرائزه وعواطفه ، هذا البحث يحصل من خلال الاستجواب والملاحظة وإجراء اختبارات الذكاء .

    • الدراسة الاحصائية : هو أكثر الاساليب شيوعا في الدراسات الاجرامية و يعرف بكونه مجموعة من القواعد العددية حول ظاهرة معينة ، أي التعبير عن الظاهرة بالأرقام ويكشف هذا الاسلوب مدى ارتباط عدد معين من الجرائم بوجود ظروف معينة كالفقر والمهنة والطقس والحالة العائلية والدين والظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية . ظهرت أول مرة في فرنسا في القرن 19 وأهم مزايا هذا الاسلوب :

    • توجيه السياسة الجنائية في مواجهة الظاهرة الاجرامية

    • تفسر الجريمة بحسب المكان والزمان

    • اقتراح وسائل المعاملة الامنية من قبل رجال الامن

    • شروط نجاح الاسلوب الاحصائي :

    • أن تكون العينة محل البحث ممثلة تمثيلا جيدا : لجميع الافراد مما يسمح بتعميم النتائج ، والتمثيل الجيد للعينة يستوجب الاستعانة بالمجموعة الضابطة أي جملة من غير المجرمين ممن تماثل ظروفهم مع ذات العدد من المجرمين الخاضعين للدراسة ، لكن يصعب اختيار المجموعة الضابطة في الدراسات الاجرامية لعدم الرغبة في تعاون المجموعة مع الباحث او يتعذر التأكد من أن بعض المجرمين لم يندس بين غير المجرمين .

    • ملائمة أفراد العينة ، أي أن يكون العدد كافيا دون أن يكون مبالغا فيه .

    تقدير أسلوب الدراسة الاحصائية :

    • أسلوب يتسم بالسطحية لأنها لا تقيس حجم الاجرام الفعلي بل تقيس نشاط أجهزة العدالة الجنائية ، والاجرام الفعلي هو “جميع الجرائم التي ترتكب في مجتمع معين وفي زمن محدد بغض النظر عن وصول هذه الجرائم إلى علم وكالات الضبط الاجتماعي أم لا وسواء حققت الشرطة فيها أم لا ” فأمام استحالة الوقوف على حجم الاجرام الفعلي يلجأ الباحثون إلى إحصائيات الشرطة لكن الباحث يجب أن يتعامل مع هذه المعطيات بكل حذر وحيطة لأن حجم الاجرام المعلن في الاحصائيات الرسمية لا يمثل الاجرام المحال على أجهزة العدالة بل فقط احصائيات الاجرام كما تمت إعادة بنائه من طرف هذه الاجهزة بعد أن يخضع لعملية الغربلة والتصفية :

    • المرحلة 1 : مرحلة الشرطة أو الدرك ويسمى بالإجرام الظاهر ، وهي احصائية خادعة لا يمكن اعتبارها إلا كمؤشر نسبي لأن هناك قضايا يتم رفضها أو تتم معالجتها ولا تصل الى المرحلة اللاحقة .

    • المرحلة 2 : على مستوى النيابة العامة ، فلا تتم المتابعة الا في عدد قليل من القضايا التي تحال إليها من الشرطة والدرك بسبب ميل النيابة العامة الى حفظ الملفات بدون متابعة .

    • المرحلة 3 : مرحلة الحكم ، وتسمى الاجرام الشرعي ، غير أن الاحصائيات التي تصدرها المحاكم الشرعية لا تشمل سوى الافعال التي تمت المعاقبة عليها وليس كل القضايا يتم الادانة فيها ، وبالتالي لا يمكن إحصائيات المحاكم أن تعطينا صورة صادقة عن الظاهرة الاجرامية  ، وهنا يفضل الباحث احصائيات الشرطة لأن احصائيات المحاكم أقل بكثير من احصائيات الشرطة .

    • المرحلة 4 : تكون على مستوى المؤسسات العقابية ، لا تمثل العدد الحقيقي لأنها لا تشمل سوى من أودعوا السجن ولا تشمل المجرمين الذين لا تطالهم يد العدالة وأولئك الذين تمت ادانتهم بعقوبات مالية كما أن هناك جرائم ترتكب من طرف اشخاص معنوية يحكم عليها بعقوبات مالية أو تدابير وقائية . الاجرام الظاهر (الشرطة) – الاجرام الشرعي (المحاكم) = الرقم الرمادي نلاحظ وجود عملية غربلة وتصفية تقوم بها أجهزة العدالة الجنائية ابتداء م الشرطة والدرك مرورا بالنيابة العامة وانتهاء بمرحلة الحكم . خلاصة القول أن احصائيات أجهزة العدالة لا يعتمد عليها للوصول الى حجم الاجرام الفعلي في بلد معين ما دام أن نسبة مهمة من الجرائم تبقى مستترة وخفية ترتكب ولا تصل الى العدالة الجنائية وذلك بسبب امتناع الاشخاص عن التبليغ عنها فلا ترد في احصائيات المحاكم و لا احصائيات الشرطة وهو ما يعبر عنه بالرقم الاسود وهو الفارق بين الاجرام الحقيقي و الاجرام المعلن عنه في الاحصائيات الرسمية وتنشأ هذه الظاهرة نتيجة تسرب عدد من الجرائم من الحصر الذي يجريه القائمون على الاحصائيات الجنائية ، ويمكن القول أن الاحصائيات الجنائية ليست خداعة فقط وغير مجدية بل ضارة بما تخلفه لدى الافراد من احساس قوي بعدم الامان و تحولها إلى أداة للصراع السياسي داخل الدولة ، ثم هناك غياب أو نقص المجموعة الضابطة بحسب انها إحدى الشروط الضرورية لصحة نتائج الدراسات الاحصائية عامة والجنائية خاصة .

    📗 خلاصة الباب

    • يميَّز بين الإجرام الفعلي (العدد الحقيقي للجرائم) والإجرام الظاهر (المسجَّل لدى الشرطة) والإجرام الشرعي (الصادر عن الأحكام القضائية)، والفارق بينهما يشكل الرقم الرمادي (شرعي-ظاهر) والرقم الأسود أو المظلم (ظاهر-فعلي) الذي يعكس حجم الجرائم المستترة غير المبلَّغ عنها.
    • تنقسم مناهج البحث إلى مناهج اجتماعية (كالأسلوب الإحصائي بمراحله الأربع: الشرطة، النيابة العامة، الحكم، المؤسسات العقابية) ومناهج فردية تتفرع إلى الفحص (البيولوجي الخارجي والداخلي، والنفسي العقلي) ودراسة تاريخ المجرم، إلى جانب أدوات أخرى كالتجربة والملاحظة (البسيطة، المشاركة، المنظمة) والاستبيان والمقابلة.

  • الدعوى المدنية التابعة ف7-14

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 6 من 14 — فهرس الكتاب

    مدخل

    المادة 7 : ” يرجع الحق في إقامة الدعوى المدنية للتعويض عن الضرر الناتج عن جناية أو جنحة أو مخالفة، لكل من تعرض شخصياً لضرر جسماني أو مادي أو معنوي تسببت فيه الجريمة مباشرة. يمكن للجمعيات المعلن أنها ذات منفعة عامة أن تنتصب طرفاً مدنياً، إذا كانت قد تأسست بصفة قانونية منذ أربع سنوات على الأقل قبل ارتكاب الفعل الجرمي، وذلك في حالة إقامة الدعوى العمومية من قبل النيابة العامة أو الطرف المدني بشأن جريمة تمس مجال اهتمامها المنصوص عليه في قانونها الأساسي. غير أنه، بالنسبة للجمعيات المذكورة والتي تعنى بقضايا مناهضة العنف ضد النساء، حسب قانونها الأساسي، فإنه لا يمكنها أن تنتصب طرفا إلا بعد حصولها على إذن كتابي من الضحية. يمكن للدولة وللجماعات الترابية المحلية أن تتقدم بصفتها طرفا مدنيا، لمطالبة مرتكب الجريمة بأن يرد لها المبالغ التي طلب منها دفعها لموظفين أو لذوي حقوقهم طبقا للقانون الجاري به العمل.”

    المادة 8 : ” يمكن أن تقام الدعوى المدنية ضد الفاعلين الأصليين أو المساهمين أو المشاركين في ارتكاب الجريمة، وضد ورثتهم أو الأشخاص المسؤولين مدنياً عنهم.”

    المادة 9 : ” يمكن إقامة الدعوى المدنية والدعوى العمومية في آن واحد أمام المحكمة الزجرية المحالة إليها الدعوى العمومية. تختص هذه المحكمة سواء كان المسؤول عن الضرر شخصا ذاتيا أو معنويا خاضعا للقانون المدني. كما تختص بالنظر في القضايا المنسوبة لأشخاص القانون العام في حالة ما إذا كانت دعوى المسؤولية ناتجة عن ضرر تسببت فيه وسيلة من وسائل النقل.”

    المادة 10 : ” يمكن إقامة الدعوى المدنية، منفصلة عن الدعوى العمومية، لدى المحكمة المدنية المختصة. غير أنه يجب أن توقف المحكمة المدنية البت في هذه الدعوى إلى أن يصدر حكم نهائي في الدعوى العمومية إذا كانت قد تمت إقامتها.”

    المادة 11 : ” لا يجوز للطرف المتضرر الذي أقام دعواه لدى المحكمة المدنية المختصة أن يقيمها لدى المحكمة الزجرية. غير أنه يجوز له ذلك إذا أحالت النيابة العامة الدعوى العمومية إلى المحكمة الزجرية قبل أن تصدر المحكمة المدنية حكمها في الموضوع.”

    المادة 12 : ” إذا كانت المحكمة الزجرية تنظر في الدعوى العمومية والدعوى المدنية معاً، فإن وقوع سبب مسقط للدعوى العمومية يترك الدعوى المدنية قائمة، وتبقى خاضعة لاختصاص المحكمة الزجرية.”

    المادة 13 : ” يمكن للطرف المتضرر أن يتخلى عن دعواه أو يصالح بشأنها أو يتنازل عنها دون أن يترتب عن ذلك انقطاع سير الدعوى العمومية أو توقفها، إلا إذا سقطت هذه الدعوى تطبيقا للفقرة الثالثة من المادة الرابعة، مع مراعاة مقتضيات المادة 372 بعده”.

    المادة 14 : ” تتقادم الدعوى المدنية طبقا للقواعد المعمول بها في القانون المدني. إذا تقادمت الدعوى العمومية فلا يمكن إقامة الدعوى المدنية إلا أمام المحكمة المدنية.”

    نصت المادة 7 على أن حق إقامة الدعوى المدنية للتعويض عن الضرر الناتج عن جناية أو جنحة أو مخالفة، يرجع لكل من تعرض شخصيا لضرر جسماني أو مادي أو معنوي تسببت في الجريمة مباشرة.

    طرفا الدعوى المدنية التابعة

    أولا : المدعي في الدعوى المدنية التابعة

    يجب أن يكون أهلا للتقاضي لكي تتوفر فيه صفة المدعي بالحقوق المدنية. و يترتب على عدم توفر أهلية الأداء لشخص معين، عدم امكانية قيامه بمباشرة التصرف، فيباشره حينها الولي أو الوصي أو المقدم أو القيم، حسب الأحوال.

    وبمناسبة الضرر فلا ينبغي في هذه الحالة التوسع في مفهوم الضرر الذي يمكن المطالبة به أمام القضاء الزجري حتى لا يخرج عن الحكمة التي توخاها المشرع منه، فيلزم على المتضرر أن تتوفر فيه شروط حتى تكون له الصفة للمطالبة بالتعويض.

    والضرر الشخصي بصريح المادة 7 هو الضرر الذي يصيب الطرف المدني شخصيا، أي الشخص الذي تعرض الى السرقة و أو من تعرض جسمه للإيذاء في جرائم الاعتداء بالضرب و الجرح، وأيضا الذي يلحقه ضرر شخصي من الجريمة مباشرة دون أن يكون مجنيا عليه فيها، كالابن الذي يلحقه ضرر مادي يفقده مورد العيش بسبب وفاة والده في حادثة سير، فتنتقل اليه بعد وفاته حقوقه في التعويض، كما أن ضحية الجريمة لا يعوض إلا عن الضرر الناشئ مباشرة عن الواقعة الجرمية المطروحة على المحكمة الزجرية دون غيره من الأضرار التي لحقته بصفة غير مباشرة من الفعل الجرمي.

    ثانيا : المدعى عليه في الدعوى المدنية

    هو كل شخص طبيعي أو معنوي يلزمه القانون بتعويض الضرر الناشئ عن الجريمة سواء كان الفاعل الأصلي أو مساهما أو مشاركا في ارتكابها، ويجوز اقامتها على ورثة مرتكب الجريمة أو الأشخاص المسؤولين عنه مدنيا.

    1- المتهم : يعتبر المتهم هو المتابع في الدعوى العمومية، بإتيانه فعل أصليا يجعل منو فاعلا فيها أو مشاركا في ارتكابها، و إذا كان المتهم المطلوب بالتعويض ناقص الأهلية بسبب صغر السن، أو السفه، أو الإدانة بعقوبة جنائية، تعين إدخال نائبه القانوني، وعلى المحكمة أن تثير تلقائيا عدم توفر الأهلية في المدعى عليه وبالتالي تصرح بعدم قبول الدعوى حسب الفصل 1 من المسطرة المدنية.

    2- الوارث : إذا توفي المدعى عليه و الدعويان معا قائمتين أمام المحكمة الزجرية، فإن الدعوى العمومية تسقط بموت المتهم، وتواصل إجراءات الدعوى المدنية التابعة في مواجهة الورثة طبقا للمادة 12من قانون المسطرة الجنائية.

    3- المسؤول عن الحق المدني : حسب المادة 9 فإن المحكمة الزجرية مختصة سواء كان المسؤول عن الضرر شخصا ذاتيا أو شخصا معنويا خاضعا للقانون المدني، بل وحتى القضايا المنسوبة لأشخاص القانون العام.

    4- الوكيل القضائي : تنص المادة 3 على تبليغ الوكيل القضائي للمملكة حين إقامة الدعوى العمومية في حق قاضي أو موظف أو عون أو مأمور لمسمطة العمومية، على أن النيابة العامة تشعر الوكيل القضائي للمملكة بذلك وفق منطوق المادة 37 التي جاء فيها : ” تمثل النيابة العامة لدى كل محكمة زجرية وتحضر مناقشات هيئات الحكم. ويجب النطق بجميع المقررات بحضورها. تقوم النيابة العامة بإشعار الوكيل القضائي للمملكة بالمتابعات المقامة في حق القضاة أو الموظفين أو الأعوان التابعين للسلطة أو القوة العمومية وتشعر كذلك الإدارة التي ينتمون إليها. تسهر النيابة العامة على تنفيذ المقررات القضائية.”

    ممارسة الدعوى المدنية التابعة

    نصت كل من المواد 10و 11من قانون المسطرة الجنائية، على أنه يمكن للمتضرر أن يقيم الدعوى المدنية التابعة منفصلة عن الدعوى العمومية أمام المحكمة المدنية المختصة، إلا أنه إذا أقيمت الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية، والدعوى العمومية أمام المحكمة الزجرية بشكل منفصل، يجب على المحكمة المدنية إيقاف البت في الدعوى المدنية إلى أن يبث القضاء الزجري بحكم نهائي في الدعوى العمومية تفاديا لحدوث تضارب بين القرارين.

    موضوع الدعوى المدنية التابعة

    يخضع التعويض المدني أمام المحكمة الزجرية لنفس الأحكام التي تطبق على التعويض في المسؤولية التقصيرية، المطالب به في إطار دعوى مدنية أصلية، كما يمكن أن يكون موضوعها إرجاع الأشياء أو المبالغ أو الأمتعة المنقولة الموضوعة تحت يد العدالة إلى أصحاب الحق فيها، فهي بمثابة إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل وقوع الجريمة، وتجوز المطالبة بالرد من طرف الضحية أو حتى من طرف المتهم، ويمكن للمحكمة أن تحكم برد الأشياء المحجوزة من نفسها، أو برد ثمنها إذا كان قد تقرر بيعها خشية فسادها أو تلفها أو نتيجة تعذر الاحتفاظ بها.

    كما يجوز دخول المدعي المدني أمام المحكمة الجنائية للمطالبة بتعويض عن الأضرار التي لحقته من الجريمة، كأداء الرسوم و المصاريف القضائية، ومن الطبيعي أن يطالب باستردادها، وعلى المحكمة أن تحدد من يتحمل عبء تلك المصاريف.

    التنازل عن الدعوى و تقادم الدعوى المدنية التابعة

    من المعلوم أنه يجوز للطرف المتضرر أن ينهي الدعوى المدنية التابعة، سواء أمام المحكمة الزجرية أو أمام هيئة التحقيق، بالتخلي عنها أو التصالح بشأنها أو التنازل عنها، دون أن يترتب عن ذلك انقطاع سير الدعوى العمومية أو توقفها، إلا إذا كانت شكايته شرطا ضروريا للمتابعة، ففي هذه الحالة تسقط الدعوى العمومية.

    وللإشارة فقط فإن تنازل الطرف المدني عن دعواه لا يحول دون الحكم عليه بالصوائر المؤداة قبل تنازله، وانما يعفيه فقط من المصاريف التي أداها بعد تنازله.

    أما التقادم وبالرجوع الى المادة 14 فإن الدعوى المدنية تتقادم طبقا للقواعد المعمول بها في قانون الالتزامات والعقود، واذا تقادمت الدعوى العمومية فلا يمكن إقامة الدعوى المدنية إلا أمام المحكمة المدنية، وبالرجوع للقواعد العامة فإن مدة تقادم حق الدائن في المطالبة بدينه هي خمسة عشرة سنة بصريح الفصل 387 ق ل ع الذي ينص على أن ” كل الدعاوى الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمس عشرة سنة، فيما عدا الاستثناءات الواردة فيما بعد، والاستثناءات التي يقضي بها القانون في حالات خاصة.”

    وبالاطلاع على مقتضيات الفصل 381 من ق ل ع نجده ينص في فقرته الثالثة على أنه ” يقطع التقادم بكل إجراء تحفظي أو تنفيذي يباشر على أموال المدين أو بكل طلب يقدم للحصول على إذن من مباشرة هذه الإجراءات “.

    📗 خلاصة الباب

    • الدعوى المدنية التابعة تخوّل للمتضرر من الجريمة المطالبة بالتعويض أمام القاضي الجنائي نفسه، تبعا للدعوى العمومية، تفاديا لتعدد المحاكم وتناقض الأحكام.
    • يتحدد طرفا هذه الدعوى في المدعي (المتضرر مباشرة من الجريمة) والمدعى عليه (الفاعل أو المسؤول عنه مدنيا)، وتسقط بالتنازل عنها أو بتقادمها المستقل أحيانا عن تقادم الدعوى العمومية.

  • الباب الثاني: علاقة علم الإجرام بالقانون الجنائي والمسطرة الجنائية وبالعلوم الأخرى

    📖 علم الإجرام — الفصل 3 من 8 — فهرس الكتاب

    الاهمية العملية لعلم الاجرام

    نظرا لأن علم الاجرام يقوم به دارسون من فنون أخرى غير فن القانون فقد اعتبر الكثير أن علم الاجرام مادة غير قانونية ، فرجل الاجتماع مثلا يتحدث لنا عن أسباب الظاهرة الاجرامية ويفسرها أبلغ مما يفعل ذلك رجل القانون . ولو أن هذا الأمر فيه بعض الصحة إلا أنه لا ينبغي أن يحول دون أن يخوض رجل القانون في دراسة اسباب الظاهرة الاجرامية حتى وان بدا له أن دوره فيها هو دور الرجل الثاني أو الثالث ، وذلك راجع إلى أن علم الاجرام مادته هو الانسان وليس كالقانون المدني مثلا الذي ينصب على الذمة المالية ، لذلك كان لزاما على رجل القانون أن يحيط بعلم الاجرام لأنه يعطيه بعدا ثالثا لن يستطيع أن يطبق النص القانوني تطبيقا سليما اذا كان غافلا عن أسباب الظاهرة الاجرامية و أسبابها ودوافعها المختلفة .

    فالمشرع عندما يضع النص الجنائي فهو يضع في اعتباره التطبيق المرن ، ويجعل العقوبة بين حد أدنى وحد أقصى ، والقاضي ملزم بتطبيق العقوبة المناسبة لكل حالة حسب خطورة الفعل و خطورة الفاعل ، فالقاضي الذي يحيط بالدوافع النفسية والاجتماعية للمجرم يستطيع أن يطبق النص الجنائي تطبيقا صائبا ، فعلم الاجرام هو الذي يعطي لرجل القانون هذا البعد الثالث رغم أن رجل القانون لا يملك خبرة الطبيب ولا عالم الاجتماع لكنه يستعين بهؤلاء ويطابق دراساتهم على الواقع ثم يكون له رأي في النهاية .

    أهمية علم الاجرام العملية :

    • يساهم في علاج الجريمة بعد وقوعها

    • الاساس الذي يعتمد عليه في تفريد العقوبة تشريعا وقضاء وتنفيذا ، فدراسة الأسباب الفردية للجريمة تؤدي الى معرفة الاسباب التي أدت إلى السلوك الاجرامي وبالتالي الموالمة بين الجريمة وبين العقوبة سواء عند وضع النص القانوني أو عند الحكم أو عند التنفيذ .

    • التفريد التشريعي : التفريد هو اختيار العقوبة الملائمة والمناسبة للمتهم والمشرع عندما يضع النص الجنائي يجب عليه أن يضع في اعتباره التطبيق المرن لهذا النص ولا يجب أن يساوي بين العاقل وفاقد العقل والارادة ، بين الكامل الاهلية والقاصر ، بين من ارتكب الجريمة مع سبق الاصرار وبين من ارتكبها تحت ظروف استثنائية ، لأن المسؤولية الجنائية تتدرج حسب المراحل العمرية للإنسان وإن الشخص قبل سن 12 سنة يكون منعدم الأهلية و في سن 16 يكون ناقص الأهلية وفي سن 18 يكون مكتمل الأهلية ويتحمل مسؤولية تصرفاته ، بخلاف المدرسة الكلاسيكية التي لا تفرق بين قاصر وكامل الأهلية ، بين عاقل و مجنون ، فتقول جريمة واحدة عقوبة واحدة ، هكذا فرق المشرع المغربي مثلا بين مرتكب جريمة القتل مع سبق الاصرار والترصد وبين مرتكب نفس الجريمة تحت تأثير الاستفزاز ، و طبق تشديدا في الاولى نظرا لتواجد خطورة إجرامية وتخفيفا في الثانية لانعدام النية الاجرامية والخطورة الجرمية ، لذلك عمل المشرع على تفريد الجزاء الجنائي ووضع جزاءات مختلفة لنفس الجريمة ، وعلم الاجرام هو من يساعد المشرع على هذه المغايرة و التفريد التشريعي للجزاءات الجنائية ، فعلم الاجرام إذن يقدم أهمية كبيرة للمشرع فيما يتعلق بالتفريد التشريعي للجزاءات الجنائية ، ولا يمكن للمشرع أن يعمل على إخراج نصوص جنائية فعالة دون الاستفادة من الابحاث في علم الاجرام .

    • التفريد القضائي : التمييز بين التفريد التشريعي والتفريد القضائي : التفريد التشريعي يكون أثناء تشريع القوانين أو النصوص الجنائية أما التفريد القضائي فيكون عند تطبيق هذه القواعد القانونية ، التفريد التشريعي يقوم به المشرع مثلا عندما يشرع قوانين أو نصوص تفرق بين العقوبة الموجهة أو المطبقة على كامل الاهلية وناقص الاهلية و بين من لديه نية اجرامية وبين من ليس لديه نية اجرامية أو خطورة اجرامية ، فيقوم به عند سن القوانين فتكون هناك مغايرة واختلاف في تحديد العقوبة لنفس الجرم ، لكن التفريد القضائي يقوم به القاضي نفسه عند تطبيق النص القانوني الجنائي تحت معيار الحد الادنى والاقصى وحسب دراسته لنوع الجريمة والشخصية الاجرامية ، ففي القديم في فترة سميت بالفترة السوداء كان القاضي مثل الالة وقد سلبت منه السلطة القضائية فالسلطة التنفيذية هي من تصدر له الاحكام فينطق القاضي بالحكم حسب مكانة الجاني في المجتمع وحسب لونه وعرقه ولغته فيحكم عليه بما شاء وكيفما شاء حيث انعدمت قاعدة لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص ، بل وحتى تنفيذ الحكم كان يختلف من شخص لآخر ، لكن بعد الثورة على الاستبداد انتزعت السلطة القضائية من يد السلطة التنفيذية و طبقت قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وأصبح للمجتمع دور في تحديد العقوبة التي يجب أن يتقيد بها لكن تبين بعد ذلك أن هناك عقوبة جريمة واحدة عقوبة واحدة تخل بمبدأ المساواة ، فكيف يمكن أن تكون هناك عقوبة واحدة لجريمة واحدة في إطار نية إجرامية مختلفة ، فظهرت الحاجة إلى إعادة صياغة تلك المبادئ ، فظهر ما يسمى بمبدأ التفريد القضائي ، فأعطيت للقاضي صلاحيات جديدة وسلطة تقديرية محصورة بين الحد الادنى والاقصى ، ثم ظهر أن هذا لا يكفي فجاء ما يسمى بالنزول عن الحد الادنى فيمكن للقاضي النزول عن الحد الادنى للعقوبة إذا ظهر له أن العقوبة مبالغ فيها ، لكن يجب أن يكون هذا النزول معللا بأسباب يقبلها القانون ، فيكون الحكم على الشكل الآتي ” نظرا للظروف الاجتماعية والنفسية قررت المحكمة منح المتهم ظروف التخفيف و نزول العقوبة ” وفي بعض الاحيان ينطق القاضي بالعقوبة ويوقف تنفيذها ” حكم سنة موقوف التنفيذ ” ويمكن للقاضي مع المشروع الجديد أن يخاطب المتهم ويقول له ” ما رأيك أن تقضي العقوبة حبسية أو تشتري عقوبتك ، كل يوم مدفوع الأجر 2000 درهم مثلا عن كل يوم ، أو ما يسمى بالغرامة اليومية لكن فقط في الجرائم البسيطة كالمخالفات أو الجنح أما الجنايات فلا يمكن ذلك وحتى الغرامة المالية تخضع لمبدأ التفريد فالغني يمكن أن يشتري عقوبته بسعر أكبر من الفقير ، وقد يحكم لا بالغرامة ولا بالحبس بل بالأشغال الشاقة ، فيمكن الحكم على طالب أو موظف مثلا ارتكب جريمة مثلا بأن يعمل خدمة أو عملا لفائدة مؤسسة دون أجر كعقوبة بديلة ، لأن الطالب لو أودعناه السجن ربما يتعلم فنونا أخرى للجريمة لم يكن يعرفها فمن الأحسن أن يعمل عملا لفائدة المجتمع يكون عقوبة له ، كل ذلك في إطار السلطات التقديرية التي منحت للقاضي التي وصلت إليها السياسة الجنائية المعاصرة التي رجعت إلى الأصل و هو النظام الاسلامي حيث أن القاضي في التشريع الاسلامي له سلطة تقديرية واسعة حسب ظروف الجاني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم ” أي من لهم قدر في المجتمع وشهد لهم بالصلاح إن زلت لهم قدم فالأحسن هو الستر و العفو وجبر عثرات الكرام ، حيث أن الاسلام يراعي الدوافع النفسية والاجتماعية التي دفعت الشخص إلى ارتكاب جريمة والحكم بالعفو بينما من يستحق العقوبة هو من ثبتت في حقه الخطورة الاجرامية ، وللقاضي في الاسلام الصلاحية في الحكم ابتداء من التوبيخ وانتهاء بالإعدام ، حسب الفعل الجرمي و خطورة الفاعل .

    • التفريد التنفيذي : الجهة المكلفة بتنفيذ العقوبة تلجأ إلى التفريد التنفيذي مراعاة لشخص المحكوم عليه و ظروفه ، عند تصنيف المحكوم عليهم أو تحديد الاعمال التي يمكن أن يقوموا بها أو من يصدر له قرار العفو ومن يتمتع بالإفراج المشروط وماهية الرعاية اللاحقة لشخص المفرج عنه ، ومراعاة المجرم وظروفه شرط أساسي لنجاح الاجراء الذي تتخذه جهة التنفيذ ، السجن ظهر بمثابة مكان لتنفيذ العقوبة والانتقام والزجر والردع من أجل أن لا يعاود المجرم سلوكه الاجرامي ولإعطاء المجتمع رسالة مفادها بأن الشخص الذي يرتكب جريمة يستحق العقوبة و كل من حاول ارتكاب الجريمة فالسجن هو مكانه الطبيعي ، من أجل إعادة التأهيل والاصلاح والادماج ، فالسجن بمثابة طبيب نفسي أو مستشفى للمجرم فالمجرم شخص مريض يحتاج إلى مستشفى وهو السجن ، فيدخله ليتكيف من جديد مع قيم المجتمع والتقاليد التي سلبت منه فيعاود تأهيله وجعله إنسانا صالحا ومصلحا في المجتمع ، هذا هو الوضع الحديث للسجون وعلم الاجرام له فضل كبير في تحويل أو تغيير الهدف السجني ، فعلم الاجرام وأبحاثه ساهمت بشكل كبير في خدمة المؤسسات السجنية عن طريق الفحص والتصنيف من قبل إدارة السجون ، فهي تفحصه نفسيا وعضويا ثم تصنفه فالنساء لديهم مؤسسات خاصة والاطفال كذلك والرجال أيضا والمعتقلين الاحتياطيين والمجانين ، ثم يتم التصنيف أيضا داخل كل صنف حسب درجة الخطورة والسن والعقل والجنس ، فعلم الاجرام هو المتدخل من أجل ضبط هذه التصنيفات والفحوصات . أيضا ظهر في علم الاجرام بأن السجين إذا تم الحكم عليه بـ 10 سنوات وانضبط حاله خلال 5 سنوات وتعلم حرفة جيدة يفرج عنه قاضي تطبيق العقوبات إفراجا شرطيا أو يعفو عنه بالمرة .

    • يساهم في وقاية المجتمع من الجريمة قبل وقوعها ، فعلم الاجرام يساهم في اكتشاف الخطورة الاجرامية في بعض الاشخاص مما يسهل مهمة رجل الأمن في اتخاذ الإجراء المناسب قبل وقوع الجريمة ، كما أن دراسة الظروف الاجتماعية تؤدي إلى إجراءات عديدة للحد من هذه الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى الجريمة ، وعلم الاجرام من العلوم التي تفيد المواطن فتجعله قادرا على تفهم غيره وبالتالي تفادي الضرر سواء من جانبه أو من غيره .

    علم الاجرام والقانون الجنائي

    القانون الجنائي هو الذي يحدد فيه المشرع الجرائم والعقوبات المقابلة لها ، فهو يوضح الجريمة كحقيقة قانونية ويصف أركانها وأنواعها ومسؤولية فاعلها ، أي أنه يتخذ طابعا معياريا بحتا ، فيضع المشرع النموذج القانوني للجريمة فيكون هذا النموذج معيارا نقيس به سلوك الافراد لتحديد مسؤوليتهم الجنائية ، أما علم الاجرام بما أنه علم نظري بحت مهمته تقصي اسباب الجريمة فهو يهتم بدراسة الجريمة كظاهرة انسانية واجتماعية ، فهو يدرس الجريمة بما هو كائن بينما القانون الجنائي فهو نظام قانوني و ليس علما فهو يدرس الجريمة حسب ما يجب أن تكون عليه ويضع لها عقوبة في حالة وقوعها .

    لذلك يختلف علم الاجرام والقانون الجنائي من حيث موضوع البحث ومن حيث أسلوب ومنهج كل منهما . القانون الجنائي يتقيد في تحديده لفكرتي الجريمة والمجرم بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات دون أن يحيد عنها قيد أنملة ، فلا يهتم الا بما اعتبره المشرع جريمة ، بينما علم الاجرام فقد يتجاوز هذا المعنى ليشمل دراسة مظاهر الانحراف وإن لم يصدق عليها وصف الجريمة من الناحية القانونية مثل إدمان الخمر ، الكذب ، الهدر المدرسي ، الشذوذ الجنسي .. ، كما أنه يوسع من مفهوم المجرم ليشمل حالات تنطوي على خطورة إجرامية ولو لم تصدر عنها أحكام بالإدانة الجنائية بسبب توافر سبب من أسباب امتناع المسؤولية الجنائية . نضيف إلى ذلك أن رجل القانون يعتمد في بحثه على الاسلوب القانوني في محاولة استنباط إرادة المشرع من خلال الاعتماد على اسلوب استنباطي فلسفي يقوم على المنطق القانوني أما الباحث في علم الاجرام فيعتمد على الاسلوب العلمي المبني على الملاحظة و التجربة في دراسة الظاهرة الاجرامية ، ومع ذلك تبقى هنالك علاقة وثيقة بين علم الاجرام والقانون الجنائي ترجع إلى وحدة الموضوع أي الجريمة وكذا التأثير المتبادل الذي يحدثه كل واحد منهما على الآخر .

    تأثير القانون الجنائي على علم الاجرام

    لا يمكن أن يتقدم علم الاجرام خطورة إلى الامام دون مساعدة القانون الجنائي الذي يحدد نطاق دراسات علم الاجرام و يزوده بالمادة الأولية الخام لدراسته من خلال إمداده دائما بتعريف الجريمة والمجرم أمام عجز علم الاجرام عن استخلاص مدلول خاص للجريمة والمجرم ، كما أن القضاء الجنائي هو الذي يمد الباحثين وعلماء الاجرام بالمادة الاساسية الأولية الخام التي ينصب عليها أي المجرمين المحكوم بإدانتهم .

    تأثير علم الاجرام على القانون الجنائي

    علم الاجرام من العلوم المساعدة للقانون الجنائي ، حيث أن أبحاث علم الاجرام والنتائج التي تكشف عنها الدراسات الاجرامية تدفع المشرع إلى إدخال تعديلات جوهرية على سياسة التجريم والعقاب بل وكانت وراء عديد من النظم والمؤسسات القانونية الخاصة بالقانون الجنائي ، كإيقاف التنفيذ والافراج الشرطي ونظرية الظروف والتدابير الوقائية وتصنيف المجرمين والرعاية اللاحقة فهذه الافكار لم تكن لتأخذ طريقها إلى القانون الجنائي لولا أبحاث علم الاجرام . دراسات علم الاجرام تبقى هي الملهم الأساسي للكثير من النظم القانونية في القانون الجنائي ، ودعته للتدخل بالتجريم في كثير من الحالات التي بلغت نسبة معينة من الخطورة الاجرامية والاجتماعية من ذلك تجريم حالات التشرد و التسول وإدمان الخمر والمخدرات ، وتبدو جلية من خلال تطبيق نظام التدابير الاحترازية والنص على عقوبات تراعي في توقيعها شخصية الجاني وظروفه الخاصة أكثر من مراعاة الفعل الجرمي . ويبقى الفضل الأكبر الذي يدين به القانون الجنائي لعلم الاجرام متمثلا في سياسة تفريد الجزاء الجنائي بمعنى اختيار الجزاء الجنائي الأفضل للمجرم استنادا الى الخطورة الشخصية للجاني وجسامة الجريمة ف141 ق ج .

    علم الاجرام وقانون المسطرة الجنائية

    قانون المسطرة الجنائية هو الذي ينظم الخصومة الجنائية منذ نشوء حق الدولة في العقاب أي منذ ارتكاب الجاني لجريمته حتى انتهاء هذه الخصومة بصدور حكم بات في الدعوى ثم تنفيذ الحكم إن كان بالإدانة ، فهو علم قاعدي يرسم به المشرع الحدود الفاصلة بين ضمانة حق الدولة في توقيع العقاب على الجاني وضمانة حقوق المتهم في محاكمة عادلة دون انتهاك لحقوقه الفردية ، ورغم ما يبدو من اختلاف بين مجال علم الاجرام وبين قانون المسطرة الجنائية إلا أن أبحاث علم الاجرام كانت الدافع وراء العديد من النظم القانونية التي تضمنتها الاجراءات الجنائية من ذلك :

    نظام الفحص السابق : وهو أن يقوم القاضي قبل الحكم بالعقوبة بجمع أكبر قدر من المعلومات عن المتهم سواء ما تعلق منها بظروفه الاجتماعية أو حالته النفسية أو البيئية تمهيدا لمعرفة الاسباب الدافعة لارتكاب الجريمة وتحديد الخطورة الكامنة في نفسه ثم بالتالي اختيار العقوبة أو التدبير الملائم للحد من هذه الخطورة وإعادة الادماج والتأهيل وليكون هذا الفحص دقيقا و فعالا كان لزاما على القاضي أن يستعين برجال التخصص من أطباء و علماء نفس واجتماع ، هذه النظام هو ثمرة من ثمرات أبحاث علم الاجرام ويطبق في عديد من الدول الأروبية .

    نظام قاضي التنفيذ : ظهرت الدعوة إليه في مؤتمرات دولية خاصة مؤتمر برلين سنة 1935 ومؤتمر علم الاجرام في روما سنة 1938 ، مفاده أن العقوبة كي تؤتي أكلها لا بد أن تراعي شخص المحكوم عليه وظروفه أثناء توقيع العقوبة عليه وهو ما يعرف بالتفريد التنفيذي للعقوبة وترك مثل هذه السلطة للإدارة العقابية دون ما رقابة من القضاء فتكون تحت رقابة قاضي رسمي هو قاضي التنفيذ يتخصص في مرحلة التنفيذ العقابي ويمكن له الافراج عن المجرم قبل انقضاء مدة عقوبته سواء عن طريق الافراج الشرطي أو نهائيا انتقالا من تحقيق وظيفة الردع العام والعدالة إلى وظيفة التأهيل والاصلاح .

    علم الاجرام وعلاقته بالعلوم الأخرى

    أولا : علم الاجرام والعلوم الجنائية

    هل يمكن أن نتحدث عن مفهوم واحد أم أن كل علم يحافظ على استقلاله ، نورد هنا رأي فيري الذي يعتبر القانون الجنائي لا يمكن أن يكون مستقلا ولا فائدة منه خارج نطاق علم الاجرام ، فالنسبة إليه دراسة الجريمة من أجل حماية المجتمع لا يمكن أن يقوم بها القانون الجنائي وإنما يحققه علم الاجرام الذي يعمد إلى تحديد الجريمة تحديدا اجتماعيا يحافظ على الواقع الطبيعي للجريمة ويدرسها انطلاقا من مفهومها الاجتماعي وهو ما دعا فيري إلى إلغاء القانون الجنائي وتعويضه بعلم الاجرام لذلك يوصف فيري بأنه أعطى مفهوما امبرياليا لعلم الاجرام

    لكن الحقيقة أن علم الاجرام متميز عن القانون الجنائي ويختلف عنه اختلافا واضحا ، فالقانون النائي يعتبر ضابطا معياريا يضم المبادئ السلوكية العامة ويحددها في شكل جرائم ويضع لها عقوبات محددة تكون على شكل أمر أو نهي ، أما علم الاجرام فيعالج الظاهرة الاجرامية ، ورغم التخصص الذي فرضته الضرورة لكنهما يلتقيان في موضوع دراسة الجريمة ويلتقيان ايضا في تحديد وشرح الظاهرة الاجرامية لكنهما يختلفان في طريقة التعامل مع المجرم والجريمة ، فالقانون الجنائي يصيغ قواعده آخذا بعين الاعتبار المعطى العلمي الذي يقدمه علم الاجرام ، لكنه يعاقب على الجريمة بطريقة مجردة دون اي اعتبار لشخصية المجرم ومحيطه الاجتماعي ، لهذا يمكن القول أن علم الاجرام يعتبر مصدرا من مصادر القانون الجنائي كما أن القانون الجنائي هو مصدر من مصادر علم الاجرام لأن ميدان علم الاجرام محدد بالاطار الذي يرسمه القانون الجنائي لذلك يقال أن الجريمة ليست حقيقية في الواقع بل هي حقيقة في القانون .

    يمكن أن نقول أن ما يجمع بين علم الاجرام والقانون الجنائي هي السياسة الجنائية باعتبارها فنا وعلما موضوعها صياغة أحسن للقاعدة القانونية على ضوء علم الاجرام .

    أما علم الادلة الجنائية فله علاقة كبيرة بعلم الاجرام ، ذلك أن علم الادلة الجنائية هو علم الدعوى الجنائية ويهتم بالوسائل العلمية والفنية التي تساعد على معرفة المجرم والجريمة وظروف ارتكابها واعطاء درجة الخطورة بينما علم الاجرام يهتم بدراسة الجريمة كظاهرة اجتماعية انطلاقا من شخصية المجرم و معرفة اسباب ودوافع ارتكاب الجريمة

    أخيرا نتطرق لعلاقة علم الاجرام بعلم العقاب الذي يقوم على حق الدولة في العقاب و يهتم بنتائج وأهداف و وظائف العقوبة من ردع أو اصلاح أو إعادة تأهيل و إدماج في المجتمع وهو في كل هذا لا بد له من الاستعانة بعلم الاجرام ، أما علم الاجرام فيتخذ من تطبيق العقوبة اساسا لإجراء الدراسات المفيدة حول شخصية المجرم و معرفة أفضل للسلوك الاجرامي .

    ثانيا : علم الاجرام والعلوم الانسانية

    علم الاجرام لا بد له أن يمارس دراسته للمجرم و الجريمة على ضوء علم النفس وعلم الاجتماع بل مستعينا حتى العلوم الانسانية الاخرى دون أن تكون لهذه العلوم صفة الانفرادية في تفسير الظاهرة الاجرامية . لا بد أن نشير هنا إلى علم الحياة الجنائي أو البيولوجيا الجنائية التي تدرس التركيب العضوي للمجرم والوظائف الجينية لديه ثم علم النفس الجنائي الذي يدرس الذكاء والطبع و الاستعداد الاجتماعي للمجرم كما يدرس شخصية المجرم وتأثرها بالمحيط الاجتماعي ومدى تأثير ذلك على السلوك الاجرامي ، أما علم الاجتماعي الجنائي فقد تكفل بدراسة السلوك الاجرامي في مفهومه الاجتماعي مركزا على العوامل الاجتماعية والتفاعل الحاصل بينها وبين ما ينتج عنها من سلوك منحرف .

    📗 خلاصة الباب

    • تكمن الأهمية العملية لعلم الإجرام أساسا في تفريد العقوبة (تشريعيا وقضائيا وتنفيذيا) بحسب الخطورة الإجرامية للمجرم لا وفق معيار موحد للجريمة، وفي المساهمة في وقاية المجتمع من الجريمة قبل وقوعها عبر اكتشاف الخطورة الإجرامية الكامنة.
    • يتمايز علم الإجرام عن القانون الجنائي من حيث موضوع البحث ومنهجه، مع تأثير متبادل بينهما: فالقانون الجنائي يحدد نطاق دراسة علم الإجرام (بتحديده الجرائم)، بينما تغذي أبحاث علم الإجرام السياسة الجنائية للمشرع. كما يرتبط بقانون المسطرة الجنائية عبر مؤسستي الفحص السابق وقاضي التنفيذ (المطروح في مؤتمرات دولية كمؤتمر برلين 1935).
    • يتقاطع علم الإجرام مع العلوم الجنائية الأخرى (علم الأدلة الجنائية، علم العقاب) ومع العلوم الإنسانية (علم النفس، علم الاجتماع) التي لا غنى عنها لدراسة المجرم والجريمة دراسة علمية متكاملة.

  • الدعوى العمومية

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 5 من 14 — فهرس الكتاب

    المبادئ العامة للدعوى العمومية

    المادة 1 : ” كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية . يفسر الشك لفائدة المتهم.”

    قرينة البراءة

    اعتمد قانون المسطرة الجنائية المغربي في المادة الأولى افتراض البراءة بالنسبة لكل متهم أو مشتبه فيه. واذا كان المتهم هو الشخص الذي وجه إليه اتهام رسمي بارتكاب فعل يجرمه القانون، فالمشتبه فيه هو الذي يكون محل شبهة بارتكاب جريمة، ويكون من جراء ذلك خاضعا لبحث تجريه السلطات المختصة في المرحلة السابقة عن توجيه الاتهام.

    ولكن أكبر بعد لقرينة البراءة هو البعد المتعلق بإثبات الجريمة، وقد وسع قانون المسطرة الجنائية من هذا البعد، واعتمد عدة آليات نذكر منيا:

    • جعل عبء الإثبات على الطرف الذي يقيم الدعوى العمومية، مما يجعل المتهم لا يتحمل عبء إثبات براءته.

    • عرض ومناقشة وسائل الإثبات شفهيا وحضوريا بالجلسة.

    • عدم إعطاء محاضر الشرطة القضائية أية حجية في الجنايات.

    تفسير الشك لفائدة المتهم

    لم تكتف المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية بإقرار قرينة البراءة، ولكنها أكدت على مبدأ راسخ في القانون الجنائي مفاده أن الشك يفسر لفائدة المتهم، وقاعدة تفسير الشك لصالح المتهم من القواعد الحقوقية في الفقه القانوني، يراد بها أنه كلما وجد شك إلا تعين اعتباُره في صالح المتهم. فلا يمكن إدانة متهم إلا بناء على أدلة ثابتة وحجج دامغة، وأنه كمما خامر القضاة شك إلا كانوا مدعوين للتصريح ببراءة المتهم.

    الدعوى العمومية والدعوى المدنية التابعة

    المادة 2: ” يترتب عن كل جريمة الحق في إقامة دعوى عمومية لتطبيق العقوبات والحق في إقامة دعوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي تسببت فيه الجريمة.”

    يتضح من هذه المادة ان الضرر الناتج عن الجريمة سواء كان ضررا فعليا او ضررا قانونيا يفسح المجال امام الجهات المتضررة للمطالبة بمساءلة الشخص الذي ارتكب الفعل الجرمي عما قام به.

    ممارسة الدعوى العمومية

    إن الدعوى التي تقام أمام القضاء الزجري ضد مرتكب الجريمة من أجل المطالبة بتوقيع الجزاء عليه تسمى دعوى عمومية، لأنها تثار باسم المجتمع بكامله، وفي هذا الإطار فقد ظهر في القرون القريبة الماضية نظامين مختفين للمحاكمة الجنائية وهما النظام الاتهامي والنظام التفتيشي.

    ويقوم النظام الاتهامي على “الاتهام” كعنصر رئيسي لممارسة الدعوى العمومية، حيث تقضي قوانين الدولة بأن يتم تحريك الدعاوى الزجرية من طرف متِهم، وطالما أن هذا الأخير لم يتحرك، فإن المحاكم لا يمكنها أن تضع يدها على القضية ولو علمت بها، كما ان تنازل المدعي يضع حدا للمتابعة، النظام الاتهامي يعتمد على ثلاثة أركان أساسية للمحاكة، هي العلنية والشفوية والحضورية.

    أما النظام التفتيشي فيعتمد على الشكليات التي تسبق المحاكمة و التي تؤثر على كل المراحل اللاحقة بها، مما يعطي لمرحلة البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي دورا حاسما في مسار الدعوى العمومية، وبالتالي يكون لهذه الإجراءات وقع أكثر تأثيرا من مرحلة المحاكمة العلنية، ويعتمد النموذج التفتيشي على مبدأين أساسيين هما الكتابة والسرية.

    الطرف المدعي في الدعوى العمومية

    الدعوى العمومية لها طرفان رئيسيان: طرف مدعي وطرف مدعى عليه، فالطرف المدعي يكون إما النيابة العامة أو المتضرر أو جهات أخرى عينها القانون، والمدعى عليه هو المجرم، سواء كان فاعلا أصليا أو مساهما أو مشاركا، وقد يقتضي الأمر إدخال أطراف أخرى في الدعوى أو تدخلها تلقائيا، كالمطالب بالحق المدني والمسؤول عن الحقوق المدنية.

    النيابة العامة

    عهد قانون المسطرة الجنائية للنيابة العامة بإقامة الدعوى العمومية وممارستها، أي تحريكها وتتبعها ومراقبة سيرها إلى غاية تنفيذ الحكم الصادر بشأنها، بما في ذلك القيام بالسير على المقررات القضائية، وتسخير القوة العمومية مباشرة أثناء ممارسة مهامها.

    تنظيم النيابة العامة

    يمثل النيابة العامة لدى محكمة النقض الوكيل العام للملك يساعده محامون عامون، ويمثلها لدى محكمة الاستئناف الوكيل العام للملك أو نوابه، ويمثلها لدى المحكمة الابتدائية وكيل المك أو نوابه. وتملك النيابة العامة سلطة الملاءمة لإقامة الدعوى العمومية أو عدم إقامتها تبعا لسلطتها التقديرية.

    كيفية المتابعة

    أولا : إقامة الدعوى من طرف وكيل الملك

    يختص وكيل الملك بإقامة الدعوى العمومية في الجنح و المخالفات إلا ما استثناه القانون.

    • المخالفات

    تقام الدعوى العمومية من طرف وكيل الملك بناء على السند القابل للتنفيذ حيث تقترح النيابة العامة على المخالف أداء نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة للمخالفة، إذا كانت ثابتة في حقه بمقتضى محضر أو تقرير، ولا يظهر فيها متضرر أو ضحية، ويعاقب عليها فقط بغرامة مالية، واذا اعترض المخالف على الأداء تحال القضية على الجلسة، وفق المواد من 375 إلى 382 من قانون المسطرة الجنائية.

    الاستدعاء للجلسة: يوجه وكيل الملك الاستدعاء للمخالف لحضور الجلسة العلنية التي يبث فيها قاض منفرد في الموضوع، هذه الطريقة هي الكيفية العادية لإقامة الدعوى العمومية في المخالفات، ويمكن تطبيقيا حتى بالنسبة للمخالفات القابلة لتطبيق مسطرة السند القابل للتنفيذ. وبطبيعة الحال فإنها تعتبر الوسيلة الوحيدة لإقامة الدعوى العمومية في المخالفات الأخرى التي لا تتوفر فيها شروط مسطرة السند القابل للتنفيذ.

    ب- الجنح

    تقام الدعوى العمومية في الجنح إما بالاستدعاء المباشر، أو بواسطة الإحالة الفورية على المحكمة، أو عن طريق المطالبة بإجراء تحقيق إذا كانت الجريمة تقبل التحقيق، أو بواسطة ملتمس يرمي لاستصدار أمر قضائي في غيبة المعني بالأمر.

    الاستدعاء للجلسة :

    يوجه وكيل الملك الاستدعاء للمتهم لحضور الجلسة وفقا لمقتضيات المواد 308وما يليها، ويستدعي في نفس الوقت المسؤول عن الحق المدني إن وجد.

    الإحالة الفورية:

    طبقا للمادة 74 يتم تقديم المتهم إلى الجلسة فورا، وفي كل الأحوال داخل ثلاثة أيام دون سابق استدعاء، بعد استنطاقه من طرف وكيل الملك أو نائبه. وتطبيق هذه المسطرة لا يكون متاحا إلا إذا كان المتهم ماثلا أمام النيابة العامة، سواء كان تحت الحراسة النظرية أو تم تقديمه من طرف الشرطة أو دعي للحضور من قبلها فحضر. وتبعا لما نصت عليه المادة 74 فلا تطبق هذه المسطرة إلا في حالة التلبس بالجنحة المنصوص عليها في المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية، أو إذا لم تتوفر في مرتكبها ضمانات كافية للحضور، حيث يمكن لوكيل الملك أو نائبه ان يصدر أمرا بإيداع المتهم في السجن بعد اشعاره بحقه في تنصيب محام حالا، واستنطاقه على الأفعال المنسوبة إليه، ويمكن لوكيل الملك أن يقرر إيداع المتهم بالسجن أو يقدمه للمحكمة حرا مقابل تقديم كفالة مالية أو شخصية.

    المطالبة بإجراء تحقيق :

    يمكن لوكيل الملك أن يلتمس إجراء تحقيق إذا كان الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجنحة هو خمس سنوات أو أكثر، كما يمكن لو أن يلتمس إجراء تحقيق إذا تعمق الأمر بجنحة ارتكبها حدث يقل سنه عن 18سنة كيفما كانت العقوبة المقررة لتلك الجنحة، وفي حالات أخرى قد ينص القانون على إجراء التحقيق إجباريا أو اختياريا، فيتعين تطبيق إرادة المشرع .

    الأمر القضائي :

    إذا تعمق الأمر بجنحة يعاقب عليها القانون فقط بغرامة لا تتجاوز 5000 درهم ولا يظهر فيها متضرر، ويكون ارتكابها مثبت في محضر أو تقرير، يمكن لوكيل الملك أن يتقدم بملتمس إلى القاضي من أجل إصدار أمر قضائي في غيبة المتهم ودون استدعائه، ولا يمكن ان تتجاوز الغرامة التي يحكم بها القاضي في هذه الحالة نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا للجنحة، بالإضافة للمصاريف والعقوبات الإضافية، ويتم تبليغ الامر القضائي للمتهم و للمسؤول المدني عند الاقتضاء.

    ثانيا : إقامة الدعوى العمومية من قبل الوكيل العام للملك

    خول القانون للوكيل العام للملك الحق في إقامة الدعوى العمومية وممارستها أمام محكمة الاستئناف في الجنايات والجرائم المرتبطة بها أو غير

    القابلة للتجزئة سواء كانت جنحا أو مجرد مخالفات، وتكون الجرائم مرتبطة إذا ارتكبت في وقت واحد من طرف عدة أشخاص مجتمعين، أو إذا ارتكبت من طرف أشخاص مختلفين، ولو في أقوات مختلفة وأماكن مختلفة، ولكن بناء على اتفاق مسبق بينهم.

    • الإحالة المباشرة

    تنص المادة 49 من قانون المسطرة الجنائية على أن الوكيل العام للملك يحيل ما يتخذه من الإجراءات إلى هيئات التحقيق أو هيئات الحكم المختصة، جاء في المادة 419 : ” تحال القضية على غرفة الجنايات على النحو التالي:

    • بقرار الإحالة الصادر عن قاضي التحقيق؛

    • بإحالة من الوكيل العام للملك طبقا للمادتين 49 و 73 من هذا القانون؛

    • بإحالة من الغرفة الجنحية عند إلغاء قرار قاضي التحقيق بعدم المتابعة.”

    وتكون الإحالة ممكنة :

    • في الجنايات متى تعمق الأمر بالتلبس بجناية طبقا لممادة 56 من قانون المسطرة الجنائية. إذا لم يكن التحقيق إلزاميا.

    • في الجنح المرتبطة بجناية، فبإمكان الوكيل العام للملك أن يتابع الجانح في حالة سراح مقابل كفالة مالية أو شخصية.

    • التماس إجراء التحقيق:

    إذا لم يكن متاحا تطبيق الإحالة المباشرة على غرفة الجنايات، فإن الوكيل العام للملك يحيل القضية على قاضي تحقيق بمقتضى ملتمس بإجراء التحقيق. نصت المادة 83 على أنه : ” يكون التحقيق إلزاميا:

    • في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو التي يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها ثلاثين سنة؛

    • في الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث؛”

    – ويكون التحقيق اختياريا في باقي الجنايات الأخرى.

    ثالثا : إقامة الدعوى العمومية من طرف بعض الموظفين

    أوردت المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، قاعدة عامة مفادها أنه يمكن إقامة الدعوى العمومية من طرف الموظفين المكلفين بذلك، ويقصد بذلك أن القانون هو الذي يمنح هذه الصلاحية لبعض الموظفين خارج سلك القضاء، ونذكر في هذا الصدد الجمارك وإدارة المياه والغابات.

    المادة 3 : ” تمارس الدعوى العمومية ضد الفاعل الأصلي للجريمة والمساهمين والمشاركين في ارتكابها. يقيم الدعوى العمومية ويمارسها قضاة النيابة العامة، كما يمكن أن يقيمها الموظفون المكلفون بذلك قانوناً. يمكن أن يقيمها الطرف المتضرر طبقا للشروط المحددة في هذا القانون. إذا أقيمت الدعوى العمومية في حق قاض أو موظف عمومي أو عون أو مأمور للسلطة أو القوة العمومية، فتبلغ إقامتها إلى الوكيل القضائي للمملكة.”

    إقامة الدعوى العمومية من طرف المتضرر

    أسند المشرع المغربي الاختصاص في ممارسة الدعوى العمومية واقامتها وجعلها من أهم صلاحيات قضاء النيابة العامة وبعض الموظفين، لكنه فتح نافذة للمتضرر ليستعمل سلطة إقامة الدعوى العمومية، ذلك أنه من الناحية المبدئية فإن حق المتضرر في إقامة الدعوى العمومية هو حق عام و شامل لكافة الجرائم إلا ما استثناه القانون، ولكن المتضرر لا يممك سوى حق إقامة الدعوى دون ممارستها.

    كما يتعين عليه تقديم شكاية إما لقاضي التحقيق أو الى هيئة الحكم، ودعمها بأسباب كافية، ويتعين عليه أيضا أن ينصب نفسه مطالبا بالحق المدني لقبول شكايته، وأن يختار موطنا بدائرة المحكمة و إيداع المبلغ المفترض أنه ضروري لمصاريف الدعوى داخل الأجل، وللإشارة فقط فإنه لا يمكن للمتضرر من الجريمة إقامة الدعوى العمومية عن طريق الادعاء المدني في مواجهة حدث، ولكنه يمكن أن ينضم إلى الدعوى العمومية التي تقيمها النيابة العامة، ويطالب بالحق المدني في مواجهة الحدث بإدخال المسؤول عنه مدنيا.

    المدعى عليه في الدعوى العمومية

    تمارس الدعوى العمومية ضد الفاعل الأصلي والمساهمين والمشاركين في ارتكاب الجريمة، ويقصد بالفاعل الأصلي الشخص المعتبر قانونا والمسؤول جنائيا و شخصيا عن الجريمة و لو لم ينفذها، بنفسه، أما المساهم فهو كل من ارتكب شخصيا عملا من أعمال التنفيذ المادي للجريمة، بينما المشارك في الجناية أو الجنحة هو كل من لم يساهم في التنفيذ، ولكنه قام بأحد الأفعال المبينة في الفصل 129 الذي جاء فيه : ” يعتبر مشاركا في الجناية أو الجنحة من لم يساهم مباشرة في تنفيذها ولكنه أتى أحد الأفعال الآتية:

    • أمر بارتكاب الفعل أو حرض على ارتكابه، وذلك بهبة أو وعد أو تهديد أو إساءة استغلال سلطة أو ولاية أو تحايل أو تدليس إجرامي.

    • قدم أسلحة أو أدوات أو أية وسيلة أخرى استعملت في ارتكاب الفعل، مع علمه بأنها ستستعمل لذلك.

    • ساعد أو أعان الفاعل أو الفاعلين للجريمة في الأعمال التحضيرية أو الأعمال المسهلة لارتكابها، مع علمه بذلك.

    • تعود على تقديم مسكن أو ملجأ أو مكان للاجتماع، لواحد أو أكثر من الأشرار الذين يمارسون اللصوصية أو العنف ضد أمن الدولة أو الأمن العام أو ضد الأشخاص أو الأموال مع علمه بسلوكهم الإجرامي.

    أما المشاركة في المخالفات فلا عقاب عليها مطلقا.”

    قيود المتابعة و سقوط الدعوى العمومية

    الاصل أن يتم الضرب على يد مرتكب الجريمة لكن هناك حالات يمنع حق إقامة الدعوى العمومية منذ الاصل وحالات أخرى بعد ارتكاب الجريمة وقبل اقامة الدعوى العمومية أو بعد اقامتها حيث يترتب عن توفر مانع من الموانع سقوط الدعوى العمومية .

    أولا : قيود المتابعة

    سلطة إقامة الدعوى العمومية للنيابة العامة ليست سلطة مطلقة بل مقيدة بقيود تحد من نفوذها، هذه القيود تتعلق ببعض الاشخاص الذين يتمتعون بالحصانة القضائية ” الملك، البرلمانيون، الدبلوماسيون المعتمدون بالمغرب وأخيرا الاختصاص واشتراط الكتابة، وأهم ما يميز هذه القيود أن الثلاثة الاولى تتسم بطابع الديمومة بينما الرابعة قيد خاص .

    الحصانة القضائية

    الملك : بنص الدستور الذي يوجب للملك واجب التوقير، الفصل 46 من الدستور ” شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام.” فـلا يمكن لوكيل الملك أن يتابع الملك.

    الدبلوماسيون: رغم عدم وجود نص صريح في القانون الداخلي، فالمغرب ملتزم بعدة اتفاقيات دولية تعطي حصانة للممثلين الدبلوماسيين مما يجعل القضاء المغربي ملزما بمراعاة قواعد الحصانة القضائية لهؤلاء الاشخاص، وتتمثل البعثات الدبلوماسية في رؤساء الدول الاجنبية والمعتمدون الدبلوماسيون وافراد عائلتهم وممثلو الهيئات الدولية والقوات العسكرية الاجنبية المرخص لها في المغرب، فإذا ارتكب أحد هؤلاء الاشخاص جريمة في المغرب فالحكومة المغربية تطلب من دولته سحب بعثتها واعتباره شخصا غير مرغوب به لأنه انتهك حرمة القانون الوطني للدولة . وقد رتب المشرع آثار قانونية على كل ضابط شرطة قضائية لم يتقيد بهذه المقتضيات حسب الفصل 229 بمعاقبته بالتجريد من الحقوق الوطنية .

    أعضاء البرلمان: ينظم الفصل 39 من الدستور موضوع الحصانة البرلمانية، ويمكن أن نميز بين نوعين من أنواع الحصانة:

    • حصانة موضوعية نص عليها الفصل 64 من الدستور ” لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان، ولا البحث عنه، ولا إلقاء القبض عليه، ولا اعتقاله ولا محاكمته، بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه، ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي، أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك”.

    • حصانة اجرائية تربط مساءلته بإجراءات مسطرية ينبغي سلوكها، حيث لا يمكن المتابعة أو إلقاء القبض بدون اذن مجلس البرلمان الذي ينتمي إليه البرلماني.

    الفصل 229 : ” كل عضو في الهيئة القضائية، أو أحد ضباط الشرطة القضائية، في غير حالات التلبس، يثير متابعة أو يصدر أو يوقع أمرا من أوامر التحقيق أو حكما، أو يعطي أمرا بإجراء احتياطي ضد شخص يتمتع بحصانة قضائية، وذلك قبل أن يحصل على رفع تلك الحصانة بالطرق القانونية، يعاقب بالتجريد من الحقوق الوطنية.”

    الاختصاص

    في بعض الحالات يتعذر على النيابة العامة إقامة المتابعة لإسناد المشرع اثارتها لجهات أخرى من ذلك :

    • مستشارو الملك أو اعضاء الحكومة أو كتاب الدولة أو قاض بمحكمة بالنقض أو بالمجلس الاعلى للحسابات أو عضو في المجلس الدستوري أو والي أو عامل أو رئيس أول محكمة استئناف أو عادية أو متخصصة أو وكيل عام لديها .

    • أعضاء السلك القضائي، قاض بمحكمة الإستئناف أو رئيس محكمة ابتدائية عادية أو متخصصة او وكيل الملك أو قاض بالمجلس الجهوي للحسابات.

    • الوالي والعامل، ولو خارج مهامهما.

    • الباشا أو الخليفة أو القائد بالنسبة للجنايات التي يرتكبونها أثناء ممارستهم لمهامهم.

    اشتراط شكاية

    تعتبر الشكاية من أهم القيود التي ترد على تحريك الدعوى العمومية من قبل النيابة العامة في بعض الحالات، فالمشرع اشترط على الضحية أن تتقدم شخصيا بالشكاية أو عن طريق وكيل بموجب وكالة محددة لغرض تقديم الشكاية، ولا ينتقل هذا الحق للورثة كما لا يمكن للنيابة العامة المتابعة بعد وفاة الضحية، من هذه الحالات :

    جريمة أهمال الاسرة، الفصول 479-480 من ق ج

    جريمة الخيانة الزوجية، الفصل 491 من ق ج

    السرقة في حق الاصول، الفصل 535 من ق ج

    استعمال ناقلة دون إذن مالكها، الفصل 522 من ق ج

    خيانة الامانة، الفصل 548 من القانون الجنائي

    إصدار شيك بدون رصيد، الفصلان 316 و 317 من مدونة التجارة

    الطلب

    من الموانع المؤقتة في تحريك الدعوى العمومية في بعض الحالات ضرورة تقديم طلب نظمها قانون الصحافة مثلا السب والشتم ضد بعض المجالس والهيئات كالمجالس القضائية و الادارات و الجيش والهيئات المذكورة في الفصل 45 من ق ص، وتقديم الشكاية أو الطلب يفتح باب المتابعة للنيابة العامة دون أن يلزمها بذلك .

    سقوط الدعوى العمومية

    نصت المادة 4 من ق.م.ج على أنه : تسقط الدعوى العمومية بموت الشخص المتابع، وبالتقادم وبالعفو الشامل وبنسخ المقتضيات الجنائية التي تجرم الفعل، وبصدور مقرر اكتسب قوة الشيء المقضي به. وتسقط بالصلح عندما ينص القانون صراحة على ذلك. تسقط أيضا بتنازل المشتكي عن شكايته، إذا كانت الشكاية شرطاً ضرورياً للمتابعة، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.”

    أولا: وفاة الشخص المتابع

    فإذا مات الشخص تعين على النيابة العامة حفظ الملف، كون الدعوى العمومية هي دعوى شخصية.

    ثانيا : التقادم

    تقادم الدعوى العمومية بمرور 15 سنة في الجنايات و 4 سنوات في الجنح و سنة واحدة في المخالفات، جاء في الفصل 5 من ق م ج : ” تتقادم الدعوى العمومية، ما لم تنص قوانين خاصة على خلاف ذلك بمرور:

    • خمس عشرة سنة ميلادية كاملة تبتدئ من يوم ارتكاب الجناية؛

    • أربع سنوات ميلادية كاملة تبتدئ من يوم ارتكاب الجنحة؛

    • سنة ميلادية كاملة تبتدئ من يوم ارتكاب المخالفة.

    غير أنه إذا كان الضحية قاصراً وتعرض لاعتداء جرمي ارتكبه في حقه أحد أصوله أو من له عليه رعاية أو كفالة أو سلطة، فإن أمد التقادم يبدأ في السريان من جديد لنفس المدة ابتداء من تاريخ بلوغ الضحية سن الرشد المدني.

    لا تتقادم الدعوى العمومية الناشئة عن الجرائم التي ينص على عدم تقادمها القانون أو اتفاقية دولية صادقت عليها المملكة المغربية وتم نشرها بالجريدة الرسمية.” وهناك نصوص خاصة تنص على أجال أخرى للتقادم بعضها أطول مما نص عليه قانون المسطرة الجنائية، كقانون العدل العسكري، الذي يقضي بأن مدة التقادم في جريمتي العصيان والفرار من الجندية تبتدئ من اليوم الذي يبلغ في سن الجاني 50سنة، ومنها ما يقرر أحكام أخف كقانون الصيد الذي ينص على أن مدة التقادم سنة واحدة من تاريخ إنجاز المحضر المثبت للمخالفة. و يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من التقادم :

    التقادم المسقط : هو الذي تسقط الدعوى العمومية معه ولا يمكن إثارتها من جديد.

    التقادم القاطع : هو الذي يترتب عليه اعتبار المدة الزمنية السالفة ابتداء من تاريخ ارتكاب الجريمة وكأنها لم تكن ويبدأ احتساب مدة التقادم بكاملها من جديد انطلاقا من اليوم الموالي من تاريخ الاجراء القاطع.

    التقادم الموقف : هو الذي يترتب عليه توقيف مدة تقادم الدعوى العمومية عندما يستحيل إقامتها لأسباب ترجع الى القانون نفسه

    يختلف التقادم الموقف عن التقادم القاطع في عدم إهمال احتساب المدة المنصرمة فيتوقف في التاريخ الذي يطرأ فيه المانع القانوني ثم يبدأ في السريان من جديد بزوال المانع القانوني مع الاحتفاظ باحتساب المدة السابقة عن التوقف .

    ثالثا : العفو الشامل

    لكن لا يمكن إثارته إلا بنص تشريعي صريح عملا بالفصل 51 من ق ج، فإذا صدر العفو الشامل قبل إقامة الدعوى غلت يد النيابة العامة عن تحريك الدعوى العمومية لأن أثر العفو ينصرف إلى إزالة الوصف الجرمي عن الفعل المرتكب وبالتالي نفي الركن القانوني أما إذا صدر العفو بعد إقامة الدعوى كان سببا لسقوطها وإذا صدر العفو بعد صدور الحكم كان سببا لسقوط العقوبة . نشير إلى أن العفو العام يمارسه البرلمان بنص الفصل 71 من دستور 2011 .

    رابعا : العفو الخاص

    من حقوق الملك ويباشر طبقا لظهير العفو الخاص، ويمكن إصداره قبل تحريك المتابعة أو خلال ممارسة الدعوى العمومية أو بعد إصدار الحكم. ينصرف أثر العفو الخاص إلى العقوبة المحكوم بها على خلاف العفو الشامل الذي ينصرف إلى الفعل الجرمي فينفيه/ لذلك يطلق عليه العفو المولوي بغرض التمييز بين العفو الشامل والعفو الخاص، والعفو الخاص يمارسه الملك بنص الفصل 58 من دستور 2011 لكنه لا يسقط الدعوى المدنية التابعة .

    خامسا : نسخ المقتضيات الجنائية التي تجرم الفعل

    نص الفصل الخامس من القانون الجنائي على أنه : ” لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لم يعد يعتبر جريمة بمقتضى قانون صدر بعد ارتكابه. فإن كان قد صدر حكم بالإدانة، فإن العقوبات المحكوم بها، أصلية كانت أو إضافية، يجعل حد لتنفيذها.” اذا قامت النيابة العامة بتحريك الدعوى العمومية ثم صدر قانون جديد ينفي الصفة الاجرامية عن الفعل المرتكب فإن الدعوى العمومية تسقط وذلك بشروط :

    • القانون الجديد يلغي الصفة الاجرامية عن الفعل المرتكب

    • أن يلغي الصفة الاجرامية كليا ويجعله مباحا، أما إذا كان يخفف من الوصف القانوني للسلوك المرتكب أو من العقوبة المقررة له فلا يمكن أن تسقط الدعوى لكن يستفيد من التخفيف عملا بمقتضيات المادة 6 من القانون الجنائي حيث يطبق في حقه القانون الأصلح .

    • أن لا ينصب النسخ على قانون مؤقت يظل ولو بعد إنهاء العمل ساري على الجرائم المرتكبة خلال مدة تطبيقه .

    سادسا : صدور مقرر اكتسب قوة الشيء المقضي به

    ذلك أنه من أسس المحاكمة العادلة، عدم إمكانية محاكمة شخص مرتين من أجل فعل واحد، حتى لو اتصف الفعل بأكثر من وصف، لذلك قضت المادة 4من قانون المسطرة الجنائية أن الدعوى العمومية تسقط بصدور مقرر اكتسب قوة الشيء المقضي به. لكن هناك شروط وجب توافرها :

    • أن يكون المقرر قضائيا صادرا عن سلطة قضائية، بمعنى أن تكون الأحكام والقرارات والأوامر الصادرة عن هيآت الحكم محددة ومعللة باسباب وأن يتلى المنطوق في جلسة علنية وأن تصدر باسم جلالة الملك وطبقا للقانون وأن تتضمن جملة من البيانات محددة على سبيل الحصر في المادة 365 من ق م ج .

    • أن تحوز قوة الشيء المقضي به جميع طرق الطعن أو لانصرام أجل الطعن .

    سابعا : الصلح

    يسمح القانون بإجراء الصلح بمقتضى نصوص خاصة في بعض الجرائم، و يجب أن تشير هذه النصوص صراحة بجواز المصالحة التي يترتب عليها سقوط الدعوى العمومية، ومن بين النصوص والقوانين المنظمة للصلح الصيد البحري والجمارك وتلك المتعلقة بالمحافظة على الغابات.

    ثامنا : التنازل عن الشكاية

    سحب الشكوى متى كانت شرطا ضروريا للمتابعة تعد سببا من أسباب سقوط الدعوى العمومية، وقد حدد القانون حالات لا تجوز فيها المتابعة الا بناء على شكاية من المتضرر وعليه في هذه الحالات تسقط المتابعة فيها بمجرد التنازل عن الشكاية، من بين الجرائم التي تتوقف المتابعة فيها على الشكاية :

    • الخيانة الزوجية، المادة 492

    • السرقة بين الاقارب، المادة 535

    • إهمال الأسرة، المادة 481

    • خيانة الامانة، الفصل 548 من ق ج

    • السب والقذف بواسطة الصحافة، الفصل 522 من ق ج

    📗 خلاصة الباب

    • الدعوى العمومية هي حق المجتمع في زجر مرتكب الجريمة، تحركها النيابة العامة كأصل عام، ويحكمها مبدأ قرينة البراءة إلى أن تثبت الإدانة بحكم نهائي.
    • تسقط الدعوى العمومية بأسباب محددة حصرا: وفاة المتابَع، التقادم، العفو الشامل أو الخاص، نسخ النص المجرِّم، صدور مقرر حائز لقوة الشيء المقضي به، الصلح، أو التنازل عن الشكاية في الجرائم التي يشترط فيها القانون شكاية.
    • تتقيد ممارسة الدعوى العمومية أحيانا بشرط الشكاية المسبقة من المتضرر في جرائم معينة، وتخضع لقيود الحصانة القضائية لبعض الأشخاص بحكم صفتهم.

  • الباب الأول: ماهية علم الإجرام

    📖 علم الإجرام — الفصل 2 من 8 — فهرس الكتاب

    مدخل

    موضوع السلوك الاجرامي يعالج عادة ضمن مادة ” علم الاجرام ” ونحن عندما نتحدث على السلوك الاجرامي وما يمثله من تعقيد في جذوره و من تباين في تجلياته بشكل غير مستقر فنحن غير ملزمين بنظريات علم الاجرام التي لا حصر لها وإنما غرضنا أن نربط السلوك الاجرامي ببعض النظريات العلمية التي تراعي العوامل الداخلية للمجرم ، وإذا كان السلوك الاجرامي يمثل صراعا نفسيا اجتماعيا بل وحتى بيولوجيا أو عضويا لصاحبه فالوصول إلى استجلاء هذه العوامل المشابكة والمتفاعلة فيما بينها يصبح أمرا صعبا ، هذه الطبيعة المركبة للسلوك الاجرامي يجعلنا نركز على جذور السلوك الاجرامي على ضوء النظريات العلمية التي تساعد بحكم دقتها على الاقتراب من فهم السلوك الاجرامي وبالتالي رسم طرق الوقاية منه .

    الفكر الانساني كان دائما يطرح السؤال التالي ما هي الجريمة ولماذا نجرم ؟ والحقيقة أنه لا توجد معادلة واحدة تفسر السلوك الاجرامي ، بل تتعاضد عدة علوم انسانية وتتدخل لتفسر الظاهرة ، منتهجة في سبيل ذلك الكثير من التحاليل البيولوجية الأنثروبولوجية والاجتماعية والعقلية و النفسية .

    الدراسة الفلسفية المجردة وقفت عاجزة عن تفسير ايجاد حلول للظاهرة الاجرامية لأنها كانت نظريات افتراضية نظرية فلسفية لا تقوم على اي أسس علمية لذلك فعلم الاجرام الحديث قام انطلاقا من قواعد علمية ثابتة معتمدا على الدراسة والتجربة والملاحظة واستخلاص النتائج ، هذا التحول نتج عنه علم الاجرام وقد اضيف إلى مواد القانون رغم المعارضة الشديدة من بعض المفكرين اعتبارا لكون علم الاجرام مادة غير قانونية لا يجب أن تدرس في كليات الحقوق فمحتواها خليط من دراسات تنتمي إلى علم الطب والنفس والاجتماع فهي دراسات لا علاقة لها بالعلوم القانونية ، لكن رجل القانون لا يمكن أن يتحدث عن مادة يكون فيها له دور الرجل الثالث فأستاذ النفس سيتحدث أفضل من استاذ القانون عن العوامل النفسية التي تؤدي الى ارتكاب الجريمة والطبيب سيتحدث أفضل من أستاذ القانون عن المشاكل العضوية والتكوينية المؤدية الى الجريمة ، هذا القول وإن كان فيه بعض الصحة و رجل القانون بحكم تكوينه القانوني قد لا يلم بكثير من الخصائص النفسية والطبية لكن لا ينبغي ذلك أن يحول بينه وبين دراسة اسباب الظاهرة الاجرامية حتى وإن كان دوره في ذلك دور الرجل الثاني أو الثالث ، فرجل القانون يجب أن يكون ملما بعلم الاجرام حتى يستطيع تطبيق القاعدة القانونية تطبيقا سليما ، فرجل القانون الذي من المفترض أن يطبق القانون يجب أن يكون على دراية بأسباب الجريمة والعوامل التي تؤدي لها مطلعا على علم الاجرام مفرقا بين أنواع المجرمين حتى يستطيع تنزل القاعدة القانونية التنزيل الصحيح .

    تعريف علم الاجرام

    يرى بعض الفقهاء أن علم الاجرام هو العلم الذي يبحث في اسباب الجريمة و مكوناتها وسياقها و نتائجها ، ويرى رمسيس بهنام أنه العلم الذي يدرس الجريمة كحقيقة واقعية و يدرس اسبابها و بواعثها العضوية والبيئية من أجل علاجها والوقاية منها و هكذا يرى الدكتور عبد المنعم العوضي حيث يقول هو العلم الذي يهدف إلى الوقوف على اسباب الظاهرة الاجرامية تمهيدا لعلاجها .

    نلاحظ أن أغلب التعريفات ربطت بين علم الاجرام ودراسة أسباب الجريمة والدوافع من ورائها ولم تتطرق إلى طبيعة الفعل الاجرامي هل هو ضار بالمجتمع أم نافع ؟ والواقع أنه مهما تعددت الاتجاهات في وضع تعريف للجريمة فإنها لن تصل إلى تحديد مفهوم الجريمة نظرا لطبيعتها المركبة واستحالة جمع عناصر ثابتة وشاملة تسمح بهكذا تعريف ، ولأن العمل الاجرامي هو عمل نسبي لا يخضع لتقنيات التحديد بكيفية مطلقة فإن تعريف الجريمة يتأرجح بين المفهومين الاجتماعي والقانوني ، المفهوم القانوني مدرسته الاتجاه الاوروبي والمفهوم الاجتماعي منبته الاتجاه الامريكي.

    ولاعتبارات عملية يؤخذ بالاتجاه الأوروبي أي بالمفهوم القانوني الذي يساعد على تحديد الجريمة وهو لا يهتم كثيرا بكل الانحرافات الاجتماعية بقدر ما يهتم بتلك التي ينص عليها القانون الجنائي وهو ما ذهب اليه دوكريف حين قال ” إني أمتنع عن إعطاء تعريف للجريمة إذ يتوجب علينا اعتماد التعريف القانوني المعطى لها لأن هذا التعريف ليس إلا وصفا دقيقا لواقع موجود قبل القانون وهذا الواقع هو الاجرام ” لكن بصفة عامة التحديد القانوني للجريمة لا يزيل عنها صفتها الاجتماعية التي تظل ملازمة لها فهي لصيقة كل مجتمع بشري مما يجعلها ظاهرة اجتماعية .

    لماذا يسلك الانسان مسلكا إجراميا ؟

    لماذا يسلك الانسان مسلكا إجراميا ، ما هي الدوافع التي تدفع الانسان لارتكاب سلوك إجرامي ؟ رغم وجود قواعد قانونية و مبادئ أخلاقية ، هل لأن الجريمة نتيجة حتمية في الانسان أم أنها نتيجة ظروف اجتماعية أم نتيجة اختلالات وراثية ؟ أم هي اختلالات نفسية وعقلية معينة ؟ تؤثر على الانسان فتشوه لديه القيم الأخلاقية ، تتعدد السبل لكن النتيجة واحدة ، الجريمة .

    نشير أولا إلى أن الجريمة هي ظاهرة صحية ومفيدة لتطر الأخلاق والقانون في المجتمع ، و قد نتفق جميعنا في طرح السؤال حول لماذا يسلك الانسان مسلكا إجراميا لكن الجواب يختلف باختلاف علماء الاجرام والفقه الجنائي ، فقد نجد الاجابة في عدة علوم كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الطب اعتبار أن علم الاجرام لا يقتصر على القوانين والحقوق في تفسير الظاهرة الاجرامية لأنه الجريمة لها علاقة بالإنسان وتكوينه النفسي والبيولوجي وهذا لا يمنع رجال القانون من دراسة الظاهرة الاجرامية وتأملها ولو اعتمادا على أبحاث أجيال سابقة والاستفادة من مجهوداتهم في بحثهم عن السلوك الاجرامي للإنسان ولأن علم النفس يهم الانسان وسلوكه فهو يختلف عن باقي فروع القانون كالقانون المدني مثلا الذي لا يمس الانسان في تكوينه وسلوكه بل يمس ذمته المالية ، و لعل السبب الذي يدفع رجال القانون للبحث في علم الاجرام هو أنه يمس وينصب على دراسة السلوك الاجرامي للإنسان والعوامل التي تؤدي إلى قيامه بالسلوك الاجرامي .

    القانون الجنائي الخاص والعام يستنبطان من القاعدة القانونية بخلاف علم الاجرام الذي يستنبط انطلاقا من الأبحاث والدراسات والعلوم الانسانية الاخرى ، ولا يجب على رجل القانون أن يغفل على معرفة هذه الابحاث والدراسات والعلوم التي تفسر الظاهرة الاجرامية فالقاضي الجنائي مثلا لا يستطيع تطبيق القاعدة القانونية تطبيقا سليما دون الأخذ بعلم الاجرام ، ابرز مثال على ذلك هو تكييف الحكم حسب الحالة والتوفيق بين الحد الادنى والحد الاقصى للعقوبة ، والأحداث لا يمكن معاملتهم كالبالغين ، فالمشرع عندما يريد تفريد العقوبة فهو لا يسوي بين الاسوياء وبين فاقدي الارادة ، على عكس المدرسة الكلاسيكية التي تقول بـ ” جريمة واحدة عقوبة واحدة ” ، فقديما كان القاضي مجرد آلة ينطق بالحكم فكان ناطقا باسم القانون والسلطة القضائية كانت تتبع أهواء السلطة التنفيذية والمجرم يأتي للمحكمة وهو لا يدري أي عقوبة ستنزل عليه ، بعد ذلك ظهر مفهوم مبدأ الشرعية الجنائية أي “لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص” أي منع التعسف واقرار مبدأ المساواة ، أي المساواة تعني جريمة واحدة عقوبة واحدة ولا تفريق بين الاشخاص ، لكن تبين بعد ذلك أن المساواة الحقيقية هي أن لكل جريمة عقوبات مختلفة فظهرت الحاجة الى اعطاء القاضي سلطة تقديرية في اختيار العقوبة المناسبة لكل جريمة طبقا لمعايير خطورة الفعل الاجرامي وخطورة السلوك الاجرامي ، القاضي كانت لديه سابقا عقوبة واحدة الان له عقوبات متراوحة بين الحد الادنى والاقصى وقد يعطيه الحق في اختيار العقوبة المناسبة له ، فـبعد ظهور علم الاجرام اصبح الحكم تتدخل فيه الحالة النفسية والبيولوجية والدوافع الخارجية التي تؤثر على الانسان و تدفعه لارتكاب الجريمة فظهرت قاعدة الحد الأدنى والحد الاقصى ، فالعقوبة تختلف من شخص لآخر ولو كانت نفس الجريمة انطلاقا من الفصل 141 ” للقاضي السلطة التقديرية في تحديد العقوبة وتفريدها في نطاق الحد الأدنى والأقصى مراعيا خطورة الجريمة من ناحية وشخصية المجرم من ناحية أخرى “

    تحديد الحكم حسب خطورة الفعل الاجرامي وخطورة الفاعل أي المجرم من بين المستجدات التي أتى بها علم الاجرام ، وله يرجع الفضل في إعطاء العقوبة المناسبة حسب الفرد ولو تشابهت الجريمة والقاضي لن يكون مصيبا في الحكم إذا لم يكن ملما بعلم الاجرام عارفا بالظروف الاجتماعية والنفسية والبيولوجية التي تؤثر على الجاني .

    وهناك مثلا ما يسمى بالسجل العدلي فالشخص الذي له سجل عدلي نظيف تختلف عقوبته عن مرتكب الجريمة الذي سبق له أن ارتكب جريمة ، فتحضر ظروف التخفيف و تحضر ظروف التشديد .

    خطورة الفعل و خطورة الفاعل مستجدات أتى بها علم الاجرام والقاضي لا يستطيع تطبيق القانون الجنائي تطبيقا سليما إن لم يكن ملما بالفاعل نفسيا واجتماعيا و مطلعا على سجله العدلي وتبقى خطورة الفعل وخطورة الفاعل من أبحاث علم الاجرام وغالبا لن يكون رجل القانون ملما بالتكوين العضوي والنفسي للجاني كما يكون ملما بذلك الطبيب وعالم النفس وعالم الاجتماع لكنه يستطيع أن يستفيد من كل ما يدلي به هؤلاء ويطابقه على الواقع ثم يكون له رأيه في النهاية ، فدراسة علم الاجرام من الاهمية بمكان لأنها تقدم بعدا ثالثا لرجل القانون .

    • ما هي الأهمية العلمية لعلم الاجرام ؟

    • ماذا يقدم لنا علم الاجرام ؟

    • ما هي الفائدة من دراسة علم الاجرام ؟

    • لماذا ندرس هذه المادة ؟

    • ماذا يقدم علم الاجرام بالنسبة للمشرع ؟

    • ماذا يقدم علم الاجرام للقاضي ؟

    • ماذا يقدم علم الاجرام للمؤسسات السجنية ؟

    إن أهم ما قدمه علم الاجرام هو تفريد الجزاء أو العقوبة الجنائية ونتحدث هنا عن تفريد تشريعي و تفريد قضائي وتفريد تنفيذي ، والتفريد هو اختيار العقوبة الملائمة والمناسبة للمتهم والمشرع عندما يضع النص الجنائي يجب عليه أن يضع في اعتباره التطبيق المرن لهذا النص ولا يجب أن يساوي بين العاقل وفاقد العقل والارادة ، بين الكامل الاهلية والقاصر ، لأن المسؤولية الجنائية تتدرج حسب المراحل العمرية للإنسان وإن الشخص قبل سن 12 سنة يكون منعدم الأهلية و في سن 16 يكون ناقص الأهلية وفي سن 18 يكون مكتمل الأهلية ويتحمل مسؤولية تصرفاته ، بخلاف المدرسة الكلاسيكية التي لا تفرق بين قاصر وكامل الأهلية ، بين عاقل و مجنون ، فتقول جريمة واحدة عقوبة واحدة ، هكذا فرق المشرع المغربي مثلا بين مرتكب جريمة القتل مع سبق الاصرار والترصد وبين مرتكب نفس الجريمة تحت تأثير الاستفزاز ، و طبق تشديدا في الاولى نظرا لتواجد خطورة إجرامية وتخفيفا في الثانية لانعدام النية الاجرامية والخطورة الجرمية ، لذلك عمل المشرع على تفريد الجزاء الجنائي ووضع جزاءات مختلفة لنفس الجريمة ، وعلم الاجرام هو من يساعد المشرع على هذه المغايرة و التفريد التشريعي للجزاءات الجنائية ، فعلم الاجرام إذن يقدم أهمية كبيرة للمشرع فيما يتعلق بالتفريد التشريعي للجزاءات الجنائية ، ولا يمكن للمشرع أن يعمل على إخراج نصوص جنائية فعالة دون الاستفادة من الابحاث في علم الاجرام .

    أما بالنسبة للقضاء فيمكن لعلم الاجرام أن يخدمه كالتالي:

    أولا : التمييز بين التفريد التشريعي والتفريد القضائي : التفريد التشريعي يكون أثناء تشريع القوانين أو النصوص الجنائية أما التفريد القضائي فيكون عند تطبيق هذه القواعد القانونية ، التفريد التشريعي يقوم به المشرع مثلا عندما يشرع قوانين أو نصوص تفرق بين العقوبة الموجهة أو المطبقة على كامل الاهلية وناقص الاهلية و بين من لديه نية اجرامية وبين من ليس لديه نية اجرامية أو خطورة اجرامية ، فيقوم به عند سن القوانين فتكون هناك مغايرة واختلاف في تحديد العقوبة لنفس الجرم ، لكن التفريد القضائي يقوم به القاضي نفسه عند تطبيق النص القانوني الجنائي تحت معيار الحد الادنى والاقصى وحسب دراسته لنوع الجريمة والشخصية الاجرامية ، ففي القديم في فترة سميت بالفترة السوداء كان القاضي مثل الالة وقد سلبت منه السلطة القضائية فالسلطة التنفيذية هي من تصدر له الاحكام فينطق القاضي بالحكم حسب مكانة الجاني في المجتمع وحسب لونه وعرقه ولغته فيحكم عليه بما شاء وكيفما شاء حيث انعدمت قاعدة لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص ، بل وحتى تنفيذ الحكم كان يختلف من شخص لآخر ، لكن بعد الثورة على الاستبداد انتزعت السلطة القضائية من يد السلطة التنفيذية و طبقت قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وأصبح للمجتمع دور في تحديد العقوبة التي يجب أن يتقيد بها لكن تبين بعد ذلك أن هناك عقوبة جريمة واحدة عقوبة واحدة تخل بمبدأ المساواة ، فكيف يمكن أن تكون هناك عقوبة واحدة لجريمة واحدة في إطار نية إجرامية مختلفة ، فظهرت الحاجة إلى إعادة صياغة تلك المبادئ ، فظهر ما يسمى بمبدأ التفريد القضائي ، فأعطيت للقاضي صلاحيات جديدة وسلطة تقديرية محصورة بين الحد الادنى والاقصى ، ثم ظهر أن هذا لا يكفي فجاء ما يسمى بالنزول عن الحد الادنى فيمكن للقاضي النزول عن الحد الادنى للعقوبة إذا ظهر له أن العقوبة مبالغ فيها ، لكن يجب أن يكون هذا النزول معللا بأسباب يقبلها القانون ، فيكون الحكم على الشكل الآتي ” نظرا للظروف الاجتماعية والنفسية قررت المحكمة منح المتهم ظروف التخفيف و نزول العقوبة ” وفي بعض الاحيان ينطق القاضي بالعقوبة ويوقف تنفيذها ” حكم سنة موقوف التنفيذ ” ويمكن للقاضي مع المشروع الجديد أن يخاطب المتهم ويقول له ” ما رأيك أن تقضي العقوبة حبسية أو تشتري عقوبتك ، كل يوم مدفوع الأجر 2000 درهم مثلا عن كل يوم ، أو ما يسمى بالغرامة اليومية لكن فقط في الجرائم البسيطة كالمخالفات أو الجنح أما الجنايات فلا يمكن ذلك وحتى الغرامة المالية تخضع لمبدأ التفريد فالغني يمكن أن يشتري عقوبته بسعر أكبر من الفقير ، وقد يحكم لا بالغرامة ولا بالحبس بل بالأشغال الشاقة ، فيمكن الحكم على طالب أو موظف مثلا ارتكب جريمة مثلا بأن يعمل خدمة أو عملا لفائدة مؤسسة دون أجر كعقوبة بديلة ، لأن الطالب لو أودعناه السجن ربما يتعلم فنونا أخرى للجريمة لم يكن يعرفها فمن الأحسن أن يعمل عملا لفائدة المجتمع يكون عقوبة له ، كل ذلك في إطار السلطات التقديرية التي منحت للقاضي التي وصلت إليها السياسة الجنائية المعاصرة التي رجعت إلى الأصل و هو النظام الاسلامي حيث أن القاضي في التشريع الاسلامي له سلطة تقديرية واسعة حسب ظروف الجاني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم ” أي من لهم قدر في المجتمع وشهد لهم بالصلاح إن زلت لهم قدم فالأحسن هو الستر و العفو وجبر عثرات الكرام ، حيث أن الاسلام يراعي الدوافع النفسية والاجتماعية التي دفعت الشخص إلى ارتكاب جريمة والحكم بالعفو بينما من يستحق العقوبة هو من ثبتت في حقه الخطورة الاجرامية ، وللقاضي في الاسلام الصلاحية في الحكم ابتداء من التوبيخ وانتهاء بالإعدام ، حسب الفعل الجرمي و خطورة الفاعل .

    بالنسبة للمؤسسات السجنية : أو المكلفة بتنفيذ العقوبة ، السجن ظهر بمثابة مكان لتنفيذ العقوبة والانتقام والزجر والردع من أجل ألا يعاود المجرم سلوكه الاجرامي ولإعطاء المجتمع رسالة مفادها بأن الشخص الذي يرتكب جريمة يستحق العقوبة و كل من حاول ارتكاب الجريمة فالسجن هو مكانه الطبيعي ، من أجل إعادة التأهيل والاصلاح والادماج ، فالسجن بمثابة طبيب نفسي أو مستشفى للمجرم فالمجرم شخص مريض يحتاج إلى مستشفى وهو السجن ، فيدخله ليتكيف من جديد مع قيم المجتمع والتقاليد التي سلبت منه فيعاود تأهيله وجعله إنسانا صالحا ومصلحا في المجتمع ، هذا هو الوضع الحديث للسجون وعلم الاجرام له فضل كبير في تحويل أو تغيير الهدف السجني ، فعلم الاجرام وأبحاثه ساهمت بشكل كبير في خدمة المؤسسات السجنية عن طريق الفحص والتصنيف من قبل إدارة السجون ، فهي تفحصه نفسيا وعضويا ثم تصنفه فالنساء لديهم مؤسسات خاصة والاطفال كذلك والرجال أيضا والمعتقلين الاحتياطيين والمجانين ، ثم يتم التصنيف أيضا داخل كل صنف حسب درجة الخطورة والسن والعقل والجنس ، فعلم الاجرام هو المتدخل من أجل ضبط هذه التصنيفات والفحوصات .

    أيضا ظهر في علم الاجرام بأن السجين إذا تم الحكم عليه بـ 10 سنوات وانضبط حاله خلال 5 سنوات وتعلم حرفة جيدة يفرج عنه ” قاضي تطبيق العقوبات ” إفراجا شرطيا أو يعفو عنه بالمرة .

    الاجرام ظاهرة اجتماعية كونية

    أثبت كل الباحثين في علم الاجرام أن الجريمة تنبثق من المجتمع وتلازمه ، و هي ظاهرة طبيعية في كل مجتمع لذلك نعطيها صفة الكونية اي أنها لا تقتصر على مجتمع دون آخر ، فهي لا تستلزم زمانا أو مكانا محددا ، والظاهرة الاجرامية رغم كونيتها فإنها تخضع لترتيب زمني متسلسل ومتلاحق تعرفه كل المجتمعات ، ولإثبات كونية الظاهرة الاجرامية سنقف على الاوقات الثلاثة للجريمة ثم نقف على ترابط وتداخل هذه الاوقات التي لا غنى عنها لوجود الجريمة والسلوك الاجرامي يعرف ثلاثة مراحل لدراسته واستجلاء معناه .

    المرحلة الاولى : وضع القواعد الجنائية ، حيث تصيغ الجماعة النمط الاجتماعي وتفرضه على أفرادها وتضع قواعد زاجرة في مواجهة كل من يخالفه ، هذا ونشير إلى أن النمط الاجتماعي يتغير باستمرار وبالتالي تتغير القوانين الجنائية ، والانسان في صراع داخل الجماعة وبالتالي كان خرق القاعدة القانونية أمرا واردا بقوة .

    المرحلة الثانية : عدم احترام القاعدة القانونية ، قد يحدث انتهاك للقواعد الاساسية للسوك الاجتماعي وهذا الانتهاك يعتبر إجراما يستوجب العقوبة .

    المرحلة الثالثة : رد الفعل الاجتماعي ، ذلك أن المجتمع يحمي كيانه وطمأنينته فيلجأ إلى فرض السلوك الاجتماعي الذي يبغيه ، ويفرض عقوبات زجرية على كل مخالف ، و رد الفعل الاجتماعي الزجري هو مقابل للسلوك الاجرامي ، وهذا الحق في العقاب يملكه المجتمع وتبرره ضرورة الحفاظ على التضامن الاجتماعي وطمأنينة واستقرار المجتمع .

    هذه الاوقات الثلاثة للجريمة لا يمكن استيعابها منفردة ، بل هي حلقة واحدة تعمل كل واحدة على خلق أخرى فلا تتصور جريمة بدون قاعدة سلوكية ولا رد فعل اجتماعي في غياب جريمة ، وهذا الترابط يزداد قوة كلما تقدم المجتمع في خلق وتطوير مبادئ سلوكية معتمدة لديه ومعاقب عليها . فنلمس حلقية الجريمة و نلاحظ الاوقات الثلاثة للجريمة فالقاعدة الجنائية قابلة للخرق وهو ما يؤدي للعقاب ثم للتفكير في وضع قاعدة قانونية جديدة فنجد أنفسنا أمام دائرة حلقية .

    نشأة علم الاجرام وتطوره

    الجريمة ظاهرة طبيعية في المجتمع تلازمه خلال سيره وتطوره تقتضيها ضرورة الحياة المشتركة فيمكننا القول أن الجريمة لا توجد اذا انتفت العلاقة بين الافراد ، لذلك تاريخ علم الاجرام طويل منذ الانسان البدائي الذي اعتبر الجريمة مخالفة لأوامر تمليها القبيلة والعشيرة ، أما الانسان اليوناني فاعتبر الانسان المجرم شقي اصابته لعنة الالهة و والجريمة قدر الاهي أما السفسطائيون فيعتبرون الانسان المجرم مخفيا لضعفه يعوضه نظرا لطبيعته البشرية ذات المجموعة من الغرائز الحيوانية ، لكن سقراط آمن بالفعل البشري وقدرته على مقاومة الاهواء الشهوات الحيوانية و ربط الفضيلة بالمعرفة واعتبر الانسان الجاهل وحده من يرتكب الجريمة ، أما أفلاطون فاعتبر الالهة غير مسؤولة عن خطإ الانسان والانسان المجرم لا يقوم بجرمه إلا لنقص في عقله أو عوامل خبيثة تتحكم فيه فلا تترك له حرية اختيار الفضيلة وهو يعتبره مريضا يحتاج إلى دواء والعقاب هو الدواء بل وعزله عن المجتمع حتى لا ينتشر مرضه ، وعلى العموم سادت فكرة الخير والشر بين الفلاسفة اليونان لكن المجرم لم تبدأ دراسته العلمية بالمعنى الصحيح إلا سنة 1876 مع الطبيب الايطالي لومبروزو في كتابه “الانسان المجرم” وأستاذ القانون الجنائي الايطالي كاروفالو صاحب كتاب علم الاجرام والايطالي الثالث اينريكو فيري صاحب كتاب السوسيولوجيا الجنائية . لومبروزو كان أستاذا للطب الشرعي والامراض العقلية قد اتاحت له مهنته و تعامله مع المجرمين والقتلة والمرضى العقليين حيث لاحظ عيوبا في تكوينهم الجسمي العضوي الذي اعتبره حصيلة الوراثة الاجرامية . أما أنريكو فيرري فقد اعتمد الخط العلمي الذي وضعه لومبروزو لكنه اختلف معه في اسباب الجريمة واضاف إلى أسباب لومبروزو العامل الاجتماعي والطبيعي والجغرافي وقال بأن الجريمة نتيجة لتداخل عدة عوامل داخلية وخارجية في المجرم طبيعية واجتماعية و كان إدخال العامل الاجتماعي ثورة على القانون الجنائي . أما كاروفالو فقد انتقد الاتجاه البيولوجي عند لومبروزو وابتعد تماما عن دراسة التكوين العضوي للمجرم ونادى بدراسة مضمون السلوك الاجرامي دراسة دقيقة حتى يمكن تقويم المجرم واصلاحه ، وبعد تأسيس علم الاجرام من طرف هؤلاء الثلاثة تتابعت المحاولة العلمية الفلسفية لتفسير السلوك الاجرامي وتوالت الدراسات والكتب أهمها كتاب علم الجريمة للهولانديبونجير سنة 1905 و كتاب التكوين الجرمي لـ دي توليو سنة 1929 و كتاب مقدمة في علم الاجرام للبلجيكي دو غريف سنة 1949 و كتاب القيم علم الاجرام للفرنسي بينتيل سنة 1963 ، إضافة إلى ذلك تتوالى الدراسات والنشرات والابحاث المتعلقة بعلم الاجرام تصدر عن عدة مؤسسات دولية ووطنية ، كما أن مؤتمرات الأمم المتحدة حول الجريمة والوقاية منها اصبحت مرجعا أساسيا قانونيا وفقهيا تهتدي به الدول وتستفيد منه .

    مفهوم علم الاجرام إو إشكالية مفهوم علم الاجرام

    علم الاجرام من العلوم التي يستحيل إيجاد تعريف محدد ومعين لها يعطي ماهية علم الاجرام ، وذلك راجع لاختلاف المدارس والابحاث والباحثين الذين حاول كل واحد منهم على حدة أن يعطي تفسيرا دقيقا لهذا العلم ، مما ساهم في تعدد الآراء والانتقادات لكل مدرسة منهم ، فهم اجتهدوا انطلاقا من الفترة التي عاشوها ، فتنوعت الآراء وتعقدت النفسيات والاجابات والبحوث لكن الملاحظ أن أول جريمة ارتكبت من قبل قابيل ضد هابيل وقعت قبل ظهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والنفسية وغاب عنهم جميع الاضطرابات النفسية والعقلية والبيولوجية ، أيضا مع آدم و حواء توفرت لهم جنة الله في السماء ومع ذلك خرقوا القاعدة القانونية الالاهية وأكلوا من الشجرة ، فأخرجهما الله من الجنة عقابا لهما ، ومع ذلك جعل الله الاستغفار والله يحب التوابين ولو لم يذنب البشر لأتى الله بقوم يخطؤون ويستغفرون ، فالجريمة إذن متأصلة في الانسان والذنب والخطأ من صفات البشر ، فهي ظاهرة طبيعية فيه ، و توجد في كل المجتمعات بلا استثناء وفي كل المستويات الاجتماعية لكن تبقى القاعدة ” إنه من الصحي أن ترتكب الجرائم لكن يجب ألا يرتفع معدل الجريمة في مجتمع ما على سقف معين ، ولا يجب أن ينخفض على مستوى معين ، لأنه انخفاض غير طبيعي وهو أمر لا يفرح العدالة الجنائية بل ينذر بالأسوأ القادم .

    علم الاجرام يستحيل معرفة مفهومه نظرا لحداثته ، فكيف يمكن للقاضي والمشرع والمؤسسة السجنية أن تعتمد على علم حديث لم ينضج بعد ولو يصل إلى مرحلة النضج العلمي ، لكننا ننسى أننا بصدد علم يدخل ضمن العلوم الانسانية وليس العلوم التطبيقية أو الطبيعية فلا يمكن باي حال من الأحوال ا لوصول إلى خلاصات ثابتة ومطلقة .

    ظهر علم الاجرام في القرن 19 على يد لومبروزو الذي استخدم الملاحظة والتجربة من أجل البحث عن اسباب الجريمة ليشعل بذلك ثورة علمية لم تهدأ نيرانها إلى اليوم ، فلأول مرة في تاريخ البشرية تم إخضاع الظاهرة الاجرامية للمنهج العلمي ، فاستخدم العلم لدراسة الظاهرة الاجرامية ، وما يحسب لـ لومبروزو أنه كان من السباقين في هذا العلم نظرا لحداثة هذا العلم وتعدد نطاقاته وموضوعاته وارتباطه بالعلوم الاخرى .

    لكننا سنقف حول اتجاهين لعلم الاجرام ، الاتجاه الأول موسع والثاني ضيق .

    الاتجاه الموسع : بعض العلماء في علم الاجرام اشاروا على أنه يمكن اعطاء تفسير لعلم الاجرام دون استخدام فكرة الانحراف أي السلوك الاجتماعي المغاير للمجتمع سواء شكل هذا السلوك جريمة أو لا ، لأن الانحراف مفهوم أوسع وأشمل من مفهوم الجريمة ، فكل جريمة انحراف وليس كل انحراف جريمة فمحاولة الانتحار مثلا ليست جريمة في القانون الجنائي وهو لا يعاقب عليها لكنه يبقى سلوكا منحرفا ويدل على انحراف في سلوك الانسان ، فقيام طالب بسلوك منحرف قد لا يعتبر جريمة لكن اذا ارتبط بنص جنائي كان جريمة ، وأن تكذب على صديقك ليس جريمة بل سلوك منحرف لكن الكذب أمام القاضي يعتبر شهادة زور وهو جريمة وليس مجرد سلوك منحرف ، والانحراف هو موضوع دراسة علم الاجرام الذي يقول أننا لا يجب أن نقف فقط على مفهوم الجريمة مفهوما قانونيا لكن يجب دراسة الانحراف سواء كان جريمة أو لم يكن جريمة ودراسة الانحراف يجب أن يكون بمفهومه الواسع والشامل ، لكن كانتقاد لهذه الفكرة إذا اهتم علم الاجرام بهذا النطاق الواسع من الانحراف و دراسة كل انحراف على حدة سيتوسع نطاق علم الاجرام فكل فرد لا بد أن ينحرف يوما ما لكن انحرافه ليس بالضرورة يؤدي إلى ارتكاب جريمة . الانحراف هو فعل صحي لكن السلوك المنحرف هو الشيء غير الصحي . الانحراف سلوك مضاد للمجتمع والسلوك اللااجتماعي مضاد لقيم وأخلاق المجتمع وكل سلوك مخالف لقيم المجتمع هو انحراف لكن ليس كل انحراف جريمة .

    علم الاجرام حسب الاتجاه الموسع هو العلم الذي يهتم بدراسة الجريمة والانحراف معا ، بغية الوصول إلى اسبابه وطرق علاجه . و قد أعطى تعريفا موسعا لعلم الاجرام ” هو العلم الذي يهتم بدراسة السلوك اللاجتماعي بهدف الوصول الى أسبابه وسبل علاجه ” ، نلاحظ أن مصطلح السلوك اللاجتماعي مصطلح فضفاض فلا نستطيع احصاءه فهو يتغير حسب الازمنة والمجتمعات ، فهو السلوك المنحرف المضاد للمجتمع دائما ، ويمكن القول أننا لا نستطيع الوصول الى اعطاء تفسير للظاهرة الاجرامية دون المرور عبر تفسير السلوك المنحرف ، انتشر هذا الرأي في الفقه الامريكي حيث قال ادوين أن علم الاجرام يجب أن يضم 3 فروع مترابطة هي علم الاجتماع القانوني و علم العقاب و علم اسباب الجريمة هذا التوسع في تعريف علم الاجرام أمر لا مبرر له حيث أنه يؤدي الى ادخال علوم اخرى تحت جناح علم الاجرام مما يجعل من دراسة الظاهرة الاجرامية فكرة متشعبة لا تمكن باحثيها من التوصل الى نتائج محددة و دقيقة لأن الانحراف مفهوم واسع شاسع ويختلف من مجتمع لآخر ، بل وهناك من جعل علم الاجرام كل دراسة كل سلوك مضاد للمجتمع مما يفقد علم الاجرام ذاتيته واستقلاليته ويجعله علم سلوك فحسب ويخلطه بعلم الاجتماع .

    الاتجاه الموسع يضم شقين كبيرين يوصل أحدهما الى الاخر ، الشق السببي التفسيري فيقول أن علم الاجرام هو علم من العلوم السببية التفسيرية فهو يهتم بدراسة أسباب و عوامل الجريمة ، ثم شق الوقاية والعلاج بمعنى أنه يهتم بالوسائل العلمية التي يجب أن تكون أنجع الطرق لمكافحة الجريمة .

    الاتجاه الضيق : أغلب علماء الاجرام خاصة من يتبنون المفهوم القانوني لتفسير الجريمة يقفون على الشق الأول فقط أي الشق السببي التفسيري فيقولون بأن علم الاجرام يجب أن تتحد موضوعاته في البحث عن سبب الظاهرة الاجرامية ولماذا يسلك الانسان مسلكا إجراميا دون دراسة سبل مواجهتها فأصحاب هذا الاتجاه يقولون بأن علم الاجرام يجب أن يهتم بدراسة وتفسير الظاهرة الاجرامية واسبابها دون الشق الوقائي العلاجي لأن هذا الشق الثاني يعتبرونه ليس مهمة علم الاجرام بل مهمة علم السياسة الجنائية وعلم العقاب ، فمهمة علم الاجرام واحدة هي البحث لماذا يجرم الانسان أما سبل الوقاية والعلاج فيجب أن تتكلف بها فروع قانونية و اجتماعية أخرى كعلم السياسة الجنائية والعقاب والوقاية العامة من الجريمة ، هذا الاتجاه يعرف علم الاجرام كالتالي وهو التعريف الاقرب للصواب ” علم الاجرام هو العلم الذي يدرس ويبحث في الجريمة باعتبارها ظاهرة في حياة المجتمع و حياة الفرد من أجل الكشف عن اسبابها وتحديد العوامل الدافعة لارتكابها “

    الاتجاه الضيق يضم شكلين ، علم الاجرام التطبيقي أو الاكلينيكي فهو ينظر الى الجريمة على أنها ظاهرة فردية تتنوع اسبابها وعواملها حسب كل حالة ، ثم علم الاجرام العام وهو يختص بدراسة علاقات السببية العامة التي تربط بين ظروف ووقائع معينة وبين حجم وشكل الظاهرة الاجرامية .

    بقي ان نشي إلى أمر مهم وهو أن الجريمة بدأت دراستها منذ الأزل ، لكن في عهد لومبروزو انتقلت من ظاهرة مجردة إلى دراسة علمية ، وبما أن علم الاجرام أصبح دراسة علمية فلا بد م استعمال مناهج البحث العلمي واساليب الدراسة العلمية .

    📗 خلاصة الباب

    • علم الإجرام هو العلم الذي يبحث في أسباب الجريمة ومكوناتها وسياقها ونتائجها، ويؤخذ به عمليا بالمفهوم القانوني الذي يساعد على تحديد الجريمة وفق ما يجرِّمه المشرع، خلافا للقانون الجنائي الذي يستنبط أحكامه من القاعدة القانونية مباشرة.
    • الإجرام ظاهرة اجتماعية كونية تلازم كل مجتمع عبر ثلاث مراحل: وضع القواعد الجنائية، احتمال عدم احترامها، ثم رد الفعل الاجتماعي تجاهها، وقد ظهر علم الإجرام كعلم مستقل في القرن التاسع عشر على يد لومبروزو الذي انتقل من الدراسة النظرية للجريمة إلى دراستها التجريبية.
    • يتردد مفهوم علم الإجرام بين اتجاه موسع (يدرس الجريمة والانحراف معا) واتجاه ضيق (يقتصر على دراسة الجريمة بمفهومها القانوني، وينقسم بدوره إلى علم إجرام تطبيقي إكلينيكي وآخر نظري تفسيري).

  • مبدأ الفصل بین الوظائف القضائیة

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 4 من 14 — فهرس الكتاب

    أولا : وظیفة المتابعة

    تعتبر مؤسسة النیابة العامة الممثل الرسمي للمجتمع إلى جانب أي ھیئة قضائیة زجریة، فبواسطة إخبارھا بمختلف الجرائم المرتكبة تقوم بتحریك الدعوى العمومیة عن طریق إثارة المتابعة، یساعدھا في ذلك جھاز الشرطة القضائیة الذي یعتبر تابعا لھا. ھذه التبعیة تمكن المؤسسة المذكورة من تنشیط ومراقبة عمل الضابطة القضائیة ، وھي عبارة تقویة مراقبة القضاء لأعمال الشرطة القضائیة، حیث أصبح متعینا على وكیل الملك معاینة أماكن الوضع تحت الحراسة النظریة مرة كل أسبوع على الأقل للتحقق من شرعیة الاعتقال وظروفھا، كما أصبحت النیابة العامة ملزمة بتقییم عمل جھاز ضخم یتكون من شرطة ودرك ملكي وموظفین ینتمون لمجالات مختلفة، ترجع إلیھم مھمة اكتشاف ومعاینة الجرائم، بل وفي معظم الحالات یقومون بالأبحاث الأولى عن الأدلة.

    فبمجرد ما تضع السلطات القضائیة من تحقیق وحكم یدھا على النازلة، تنتصب النیابة العامة أمامھا كمدعیة باسم المجتمع، حیث تقوم بتتبع تطورات الدعوى، وتعبر عن مطالبھا بتقدیم ملتمسات افتتاحیة، تكمیلیة أو نھائیة؛ كما یمكن لھا أن تطالب، في حالة قیام تحقیق إعدادي، بإنجاز بعض الإجراءات الخاصة بالبحث، بالإضافة إلى سلطتھا في ممارسة الطعن في القرارات القضائیة.

    ثانيا : وظیفة التحقیق

    تعتبر وظیفة التحقیق ضرورية لكل محاكمة جنائیة، مادام أنه في كل الحالات یجب عرض ومناقشة كل عناصر الإثبات المقدمة حتى یتمكن القاضي من تكوین فكرة واضحة عن الأفعال والمسؤولین عنھا، وعلى الرغم من أن الھیئات المكلفة بالتحقیق تضطلع بھذا الدور الھام، فإنھا مقیدة مع ذلك ببعض أصناف الجرائم ، فحسب المادة 83 من القانون الجدید للمسطرة الجنائیة، ” یكون التحقیق إلزامیا:

    ) في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو التي يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها ثلاثين سنة؛

    2) في الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث؛

    3) في الجنح بنص خاص في القانون.

    يكون اختيارياً فيما عدا ذلك من الجنايات وفي الجنح المرتكبة من طرف الأحداث، وفي الجنح التي يكون الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها خمس سنوات أو أكثر.”

    ھذا البحث الذي تقوم به سلطات التحقیق لا تنجزه لوحدھا، بل یساعدھا في ذلك وبصفة مباشرة ضباط الشرطة القضائیة؛ وبالرغم من تمتع سلطات التحقیق بالاستقلال مبدئیا لكنها تجمعھا بالنیابة العامة علاقات وثیقة.

    ثالثا : وظیفة الحكم

    عادة ما تتلو ھذه المرحلة وبصفة بعدیة مرحلة التحقیق. ومع ذلك یمكن ممارستھا مباشرة ومن دون القیام بأي بحث قضائي رسمي. فإذا ظھر أن القضیة لا تتطلب أبحاثا خاصة لمعرفة الحقیقة، وإذا كان القانون لا یستلزم التحقیق، فإن وكیل الملك له الحق في إحالة القضیة مباشرة على ھیئة الحكم؛ ھذه الأخیرة لا یمكن لھا مباشرة أي إجراء یدخل في اختصاصاتھا من دون أن تتأكد أولا من سلامة وضع یدھا على القضیة، فتقوم بفحصھا وفق مناقشات علنیة على شكل النظام الاتھامي، في إطارھا یدور”البحث في الجلسة” استحضارا وتتمیما لكل المعلومات المحصل علیھا في المرحلة السابقة. بعد تحقیق التوضیحات تنتھي مرحلة المحاكمة باتخاذ القرار القضائي المناسب.

    📗 خلاصة الباب

    • يقوم النظام الجنائي على الفصل بين ثلاث وظائف قضائية مستقلة: وظيفة المتابعة (النيابة العامة)، ووظيفة التحقيق (قاضي التحقيق)، ووظيفة الحكم (هيئة الحكم)، ضمانا للحياد وعدم الجمع بين الخصم والحكم في يد واحدة.

  • قواعد المسطرة الجنائیة ومبدأ الشرعية

    📖 المسطرة الجنائية — الفصل 3 من 14 — فهرس الكتاب

    مدخل

    یحتل مبدأ لا متابعة ولا اعتقال ولا إدانة إلا بنص القانون، مكانة الصدارة في المسطرة الجنائیة، فالقانون والقانون وحده هو الذي یحدد الھیئات المكلفة بمحاكمة الجناة، اختصاصھم وكذا المسطرة المتبعة من طرف ھذه الھیئات من أجل استصدار الحكم بالإدانة أو البراءة. وكل ھذا ینظمه المشرع بدقة حتى یتجنب التعسف من جھة، ویمكن الشخص المتابع من الدفاع عن نفسه، أي تأمین ما یسمى بحقوق الدفاع.

    والحقیقة أن المبدأ المذكور یعرف مرونة جلیة من خلال قواعد عامة أخرى وأعراف متبعة في اجتھاد وعمل الھیئات القضائیة والھیئات المساعدة لھا، والتي تؤثر على مفھوم القانون وتطبیقه، ولا غرابة في التعامل مع النص، لأن مبدأ الشرعیة الذي یحكم المادة الجنائیة المسطریة على الخصوص یھدف إلى تحقیق غایة أخرى بالإضافة إلى حمایة حقوق وحریات الإنسان، أي حسن سیر العدالة الذي یقضي من جھته بتقویة الصیانة اللازمة لتلك الحقوق والحریات، وبالتوفیق بینھا وبین مستلزمات استقرار النظام المجتمعي، لذلك فإن نتائج مبدأ الشرعیة المتعلقة بتفسیر القانون وتطبیقه تتمیز بخصوصیات معینة في المسطرة تخالف نسبیا ما هو عليه الحال في جوھر المادة الجنائیة.

    تفسیر قواعد المسطرة الجنائیة

    یذھب الفقه الفرنسي إلى القول بأنه جرى العمل على أن نعتبر القضاة في مادة التفسیر ملزمون بتطبیق قاعدة التفسیر الضیق بالنسبة لقواعد الموضوع. بینما بإمكانھم اعتماد قاعدة التفسیر الواسع –على الشكل الممارس في إطار القانون المدني- بالنسبة للقوانین الجنائیة الشكلیة مثلا. وھذا لیس صحیحا بشكل كامل ، ذلك أن المقصود بالتفسیر الضیق، منع القضاة من اتخاذ قاعدة التفسیر كوسیلة من شأنها المطبق تحمیل الشخص المتابع لمصیر أسوأ مما تقضي بھ القواعد الموضوعية نفسھا. فالمسار المنطقي لا یعتمد على التمییز بین قواعد الموضوع وقواعد الشكل، بل یعمل على التمییز بین المقتضیات التي ھي في صالح الشخص المتابع وتلك التي ھي لیست في صالحه.

    فقواعد الشكل وعلى خلاف قواعد الموضوع مھیأة أساسا لتأمین سیر حسن لإدارة العدل الجنائي، وھي بذلك تعتبر مبدئیا في صالح المتھم. لذلك فلا مانع من القول بأن قانون المسطرة الجنائیة ھو أكثر انسجاما مع ھذه المنھجیة –أي منھجیة التفسیر الواسع- ومن ھذه الزاویة لا یمنع على القاضي أن یلجأ إلى البرھنة بواسطة القیاس المبني على مقارنة وجود أو غیاب جانب من المعطیات، أو القیاس العكسي أو القیاس على المبدأ الأقوى.

    لكن ھذه الصلاحیة المعترف بھا للقاضي تتوقف عندما تؤدي منھجیة التفسیر الواسع إلى الإضرار بحقوق الدفاع أو حقوق الفرد أو حسن سیر العدالة؛ ففي ھذه الحالات یصیر العمل بالمنھجیة المعاكسة ھو الكفیل باحترام ھذه الضمانات، فالمادة 126 من القانون الجدید

    للمسطرة الجنائیة تشتمل على قواعد تقدیم محاضر الاستماع إلى الشھود في مرحلة التحقیق الإعدادي؛ ولا نعرف نصا یقول الفقیه المشیشي مقابلا لھا في إجراءات المحاكمة والتحقیق النھائي، ولا یجد الاجتھاد حرجا في تمدیدھا إلى ھذا النطاق لاتحاد العلة والغایة .

    تطبیق قواعد المسطرة الجنائیة في الزمن

    إن التغییرات والتعدیلات التي یدخلھا المشرع على نصوص المسطرة الجنائیة تطبق فور صدورھا أو ابتداء من التاریخ الذي یعینه التغییر او التعدیل. فإن صدر تعدیل یغیر الإجراءات التي یتم بھا التحقیق مثل كیفیة استدعاء الشھود ومقابلتھم مع المتھم، ودخول المساكن وفترات الاعتقال الاحتیاطي، فإن على قاضي التحقیق التخلي عن الإجراءات السابقة وتطبیق الإجراءات التي جاء بھا التعدیل ابتداء من تاریخ نفاذه، مع بقاء الإجراءات المنجزة في ظل القانون السابق صحیحة وقانونیة ومنتجة لكل آثارها، فإذا كانت الغایة الكبرى للمسطرة ھي تحقیق حسن سیر العدالة، فإنه یصیر من المؤكد أن كل تعدیل لقانونھا یرمي إلى ذات الھدف أو یفرض العمل به ولو على الحالات الجاریة.

    لذلك يقال بأن قواعد المسطرة الجنائیة ذات طبیعة مزدوجة، أي أنھا تطبق على جرائم حدثت في الماضي، فإذا صدر قانون في الفترة الفاصلة بین حدوث الجریمة وإنجاز المتابعة والمحاكمة، فإن إجراءاته ستطبق على جریمة سابقة علیه حدثت في ظل قانون آخر وقد تمس بعض قواعدھا بمركز الفرد مساسا بلیغا كأن یرفع القانون الجدید فترة التقادم مثلا.

    انطلاقا من ھذه المعطاة، فإنه كلما تعارض التطبیق الفوري مع احترام المتقاضین وخاصة منھا ما یضمن لھم دفاعا صحیحا إلا ووجب انحساره، بحیث یجب الرجوع إلى قاعدة عدم الرجعیة أو الامتناع عن التطبیق الفوري إذا ألغى مثلا القانون الجدید إحدى طرق الطعن فحرم بذلك الأطراف من إمكانیة التعرض أو الاستئناف، أو إذا رفع درجة الجریمة وغیر بذلك المحكمة المختصة بالحكم فیھا، أو إذا عدل مدة تقادم الدعوى العمومیة أو شدد وسائل الإثبات مخالفا مبدأ حریة الإثبات في المواد الجنائیة.

    لذلك فإن قوانین المسطرة الجنائية تطبق بأثر فوري حتى على الجرائم المرتكبة قبل صدورھا، لكن دون المساس بالإجراءات التي تمت في ظل القانون السابق وخضعت فعلا لأحكامه سواء كانت مقتضیات القانون اللاحق في مصلحة المتھم أو ضده، فلا مجال لتطبیق القانون الأصلح على قواعد المسطرة بما في ذلك فترات التقادم وطرق الطعن وآجالھا.

    📗 خلاصة الباب

    • تُفسَّر قواعد المسطرة الجنائية تفسيرا ضيقا حماية لحقوق الدفاع، وتطبَّق القواعد الشكلية بأثر فوري على الدعاوى الجارية بمجرد دخولها حيز التنفيذ، خلافا لقواعد التجريم والعقاب الموضوعية الخاضعة لمبدأ عدم الرجعية.

  • نظريات العدالة

    📖 علم الاجتماع القانوني — الفصل 10 من 10 — فهرس الكتاب

    أولا: العدالة الاجتماعية

    العدالة الاجتماعية هي العدالة من حيث توزيع الثروة، والفرص، والامتيازات داخل المجتمع، وتهدف إلى تقريب الشرائح الاجتماعية لبعضها البعض لخلق التعايش السلمي بينها والتفاعل الإيجابي بين جميع الأطراف، لخلق ديناميكية تجعل من تلك المنظومة الاجتماعية منظومة فعالة.

    تُبنى هذه العدالة على أساسين: التكافؤ في الفرص والتمييز الإيجابي. والمقصود بالتكافؤ في الفرص أنه لا يوجد تمييز بين المواطنين مهما كانت خلفيتهم الاجتماعية عندما يتعلق الأمر بالمشاركة في العملية الاقتصادية ولهم نفس الحقوق والواجبات.

    ثانيا: العدالة التوزيعية

    العدالة التوزيعية هي التي تُعنى بتوزيع الأعباء والمنافع بين أفراد المجتمع بحسب معيار معين (كالاستحقاق أو الحاجة أو المساواة المطلقة)، وتراعى فيها أوضاع كل من الأطراف المعنية وظروفهم الخاصة، خلافا للعدالة التبادلية التي تراعي فقط قيمة الأشياء محل العلاقة.

    ثالثا: العدالة التبادلية أو التعويضية

    وتكون فيها المساواة الحسابية المطلقة على عكس العدالة التوزيعية، وهذه العدالة تراعى فيها قيمة الأشياء محل العلاقات الاجتماعية التبادلية سواء أكانت إرادية كالعقد أم غير إرادية كالفعل الضار أو الإثراء بلا سبب، وذلك بصرف النظر عن ظروف كل من المتعاقدين.

    فمن يتصرف تصرفا ضارا بالغير يجب أن يعوض المتضرر بما يعادل الضرر، فيعاد الطرفان إلى حالة المساواة التي كانت بينهما قبل هذا الفعل. وهذا المبدأ هو الأساس الذي تقوم عليه نظرية المسؤولية المدنية بشقيها العقدي والتقصيري في القانون الوضعي الحديث.

    📗 خلاصة الباب

    • العدالة الاجتماعية تُعنى بتوزيع الثروة والفرص والامتيازات داخل المجتمع، وتقوم على أساسي التكافؤ في الفرص والتمييز الإيجابي لتحقيق التعايش السلمي بين الشرائح الاجتماعية.
    • العدالة التوزيعية تراعي ظروف الأطراف عند توزيع الأعباء والمنافع، بينما تقوم العدالة التبادلية (التعويضية) على المساواة الحسابية المطلقة بصرف النظر عن ظروف الأطراف، فتراعي فقط قيمة الشيء محل العلاقة.
    • العدالة التبادلية هي الأساس النظري لمبدأ التعويض عن الضرر (سواء نشأ عن عقد أو فعل ضار أو إثراء بلا سبب)، وهي الركيزة الفلسفية لنظرية المسؤولية المدنية في القانون الوضعي الحديث.

  • الدين والشريعة الإسلامية كمصدر للقانون

    📖 علم الاجتماع القانوني — الفصل 9 من 10 — فهرس الكتاب

    أولا: درجة حضور الشريعة الإسلامية في القانون المغربي

    إن درجة حضور الشريعة الإسلامية كمصدر للقانون تختلف من فرع لآخر من فروع القانون. فتعتبر الشريعة الإسلامية (الفقه الإسلامي) عموما مصدرا ثالثا من مصادر القانون المغربي بعد التشريع والعرف، وهذا بخلاف بعض التشريعات العربية التي جعلته المصدر الأول، كالقانون الأردني الذي جاء فيه أن مصدر القانون المدني هو الفقه الإسلامي، وأن مرجع تفسير نصوص القانون هو علم أصول الفقه.

    هناك قوانين مغربية مستمدة مباشرة من الفقه الإسلامي: مدونة الأسرة، مدونة الأوقاف، مدونة الحقوق العينية، وأحكام كثيرة من قانون الالتزامات والعقود.

    ثانيا: الدين ومبادئ الشريعة الإسلامية كموضوع لعلم الاجتماع القانوني

    إن الإجابة على مدى تأثر القانون بالدين أو تأثيره فيه إنما تختلف من فقيه إلى آخر حسب المسلمات والمنطلقات الفكرية التي يعتقد بها في جوهر وأساس القانون، فمنهم من ركّز على تأثر القانون بالتطورات الاجتماعية (وعندها يكون القانون أقرب إلى الجانب السلبي أي المتلقي للتطورات الاجتماعية) في حين اهتم البعض الآخر بتأثير القانون على التغيرات الاجتماعية (وعندها يكون للقانون الدور الإيجابي الاجتماعي الفاعل).

    ويدرس علم الاجتماع القانوني الدين بوصفه ممارسة وخطابا وسلوكا مجتمعيا مؤثرا في نشأة القواعد القانونية، كما هو الحال في مدونة الأسرة المغربية التي استمدت مصادرها أساسا من الشريعة الإسلامية والفقه المالكي مع مراعاة الالتزامات الدولية للمملكة، وهو نموذج واضح على التفاعل بين المصدر الديني والمصدر الاجتماعي والدولي في بناء النص القانوني الواحد.

    📗 خلاصة الباب

    • الشريعة الإسلامية مصدر ثالث من مصادر القانون المغربي بعد التشريع والعرف، خلافا لبعض الأنظمة العربية الأخرى (كالأردن) التي تجعلها المصدر الأول للقانون المدني.
    • تستمد قوانين مغربية عدة مباشرة من الفقه الإسلامي: مدونة الأسرة، مدونة الأوقاف، مدونة الحقوق العينية، وأحكام كثيرة من قانون الالتزامات والعقود.
    • يدرس علم الاجتماع القانوني الدين كممارسة وخطاب وسلوك مجتمعي مؤثر في نشأة القاعدة القانونية، وتُعد مدونة الأسرة نموذجا للتفاعل بين المصدر الديني والاجتماعي والدولي داخل نص قانوني واحد.

  • قائمة المراجع

    📖 المسؤولية المدنية — الفصل 10 من 10 — فهرس الكتاب

    النصوص التشريعية

    • قانون الالتزامات والعقود، ظهير 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913)، صيغة محيّنة بتاريخ 26 غشت 2019، وزارة العدل.

    • القانون رقم 41.90 المحدث بموجبه محاكم إدارية.

    • القانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات.

    • القانون رقم 52.05 المتعلق بمدونة السير على الطرق.

    • القانون رقم 24.09 المتعلق بالمسؤولية الناتجة عن المنتجات المعيبة.

    • القانون رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة.

    • ظهير 2 أكتوبر 1984 المتعلق بتعويض الأضرار البدنية الناتجة عن حوادث السير.

    المراجع الفقهية المحال عليها في المتن

    • وهبة الزحيلي، نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية في الفقه الإسلامي.

    • بواتيه (Pothier)، شرّاح القانون الفرنسي القديم، درجات الخطأ.

    • سالي وديموج (Saleilles et Josserand)، النظرية الموضوعية للمسؤولية.

    • بلانيول (Planiol)، نظرية وحدة المسؤولية.


    ◀ الفصل السابق: خاتمة

    🔖 فهرس الكتاب

  • علاقة علم الاجتماع القانوني بالديموغرافيا

    📖 علم الاجتماع القانوني — الفصل 8 من 10 — فهرس الكتاب

    الديموغرافيا كأداة لتفسير الظاهرة القانونية

    وعلم الاجتماع القانوني والديموغرافيا يرتبطان ارتباطا وثيقا، ذلك أن التحولات الديموغرافية (كنمو السكان، هيكلهم العمري، توزيعهم الجغرافي، ومعدلات الهجرة) تشكل أحد أهم العوامل المؤثرة في نشأة القواعد القانونية وتطورها، كما أن للقانون بدوره أثرا على السلوك الديموغرافي للمجتمع (كقوانين تنظيم النسل أو تشجيع الزواج أو الهجرة).

    وهكذا، فقد يستدل علم الاجتماع القانوني على أسباب نجاح أو فشل التدابير الصحية الوقائية بمعدل الوفيات المسجلة بين الأطفال أو النساء خلال فترة معينة، كما أنه قد يستدل على مدى نجاح أو فشل التدابير المتخذة للحد من استفحال الطلاق بمعدل هذا الأخير. وقد يحكم على مدى فعالية التدابير المتخذة لتوطين الاستثمارات بمنطقة أو مناطق معينة بمعدل البطالة المسجل بها أو بمعدل الهجرة من البوادي إلى المدن.

    ويبدو أنه على الرغم من العلاقات المتبادلة بينهما، فإنهما يختلفان على مستوى المنهجية، على اعتبار أن الديموغرافيا تتبع في دراستها المنهج الكمي، في حين يستند علم الاجتماع القانوني على الجانب الكيفي التفاعلي الذي يبحث عن الأسباب ويستخلص النتائج.

    📗 خلاصة الباب

    • تشكل التحولات الديموغرافية (النمو السكاني، الهيكل العمري، الهجرة) أحد أهم العوامل المفسرة لنشأة القواعد القانونية وتطورها، كما يؤثر القانون بدوره في السلوك الديموغرافي.
    • يستعمل علم الاجتماع القانوني معدلات ديموغرافية (الوفيات، الطلاق، البطالة، الهجرة) كمؤشرات لقياس نجاح أو فشل السياسات والتدابير القانونية المتخذة.
    • يختلف العلمان منهجيا: الديموغرافيا تعتمد المنهج الكمي الإحصائي، بينما يعتمد علم الاجتماع القانوني المنهج الكيفي التفاعلي الباحث عن الأسباب.

  • خاتمة

    📖 المسؤولية المدنية — الفصل 9 من 10 — فهرس الكتاب

    انتهينا في هذا المؤلَّف من دراسة النظرية العامة للمسؤولية المدنية في القانون المغربي، منطلقين من موقعها بين مصادر الالتزام، مروراً بأركانها الثلاثة في المسؤولية عن الفعل الشخصي، فمسؤولية الإنسان عن فعل غيره وعن الأشياء التي في حراسته، وصولاً إلى المسؤولية الإدارية التي طوّرها القضاء لا التشريع، وانتهاءً بدعوى المسؤولية وقواعد التعويض عنها.

    والخيط الجامع بين هذه الأبواب كلها أن المسؤولية المدنية، على تعدد صورها، تبقى محكومة بميزان دقيق بين حرية الفرد في التصرف وواجبه في عدم الإضرار بغيره، وأن القضاء لا التشريع وحده هو من يرسم الحدود الدقيقة لهذا الميزان في كل نازلة على حدة، فتقسيم المسؤولية إلى عقدية وتقصيرية، وتمييز الخطأ المرفقي عن الخطأ الشخصي في المسؤولية الإدارية، وتحديد شروط القوة القاهرة، كلها أدوات عملية للحكم لا أوصاف نظرية مجردة.


  • علاقة علم الاجتماع القانوني بتاريخ القانون والقانون المقارن وفلسفة القانون

    📖 علم الاجتماع القانوني — الفصل 7 من 10 — فهرس الكتاب

    أولا: القانون وتاريخ القانون

    يهتم تاريخ القانون بدراسة القانون بالظواهر الإنسانية، وبدراسة الإنسان ككائن اجتماعي، ويعد مجال دراسة لاحق، فتاريخ القانون يعنى بالمجالات المحددة التي لا تتعدى الأنظمة والمؤسسات القانونية في الماضي، وما يطرحه من إمكانية دراسة تاريخية لتطورها ومقارنتها في الزمان، ومدى تأثير القانون القديم على القيم الحالية والصراحة، ومن أمثلة ذلك مقارنة القوانين الاجتماعية السائدة قبل ثورة الصناعية والقوانين المطبقة بعدها، بهدف الكشف عن الفوارق بينها، ومدى تأثير ثورة الصناعية على تحسين القوانين الاجتماعية.

    ثانيا: القانون المقارن

    يهتم القانون المقارن بمقارنة القوانين بغض النظر عن المكان حيث يمكن مقارنة قانون دولة معينة، كمقارنة قانون فرع من القانون مع فرع من القانون لدولة معينة لدولة أخرى، أو مقارنة قانون معينة مع نظيرة الفرع نفسه مع دولة ثانية. إن القانون المقارن يعتمد على المنهج المقارن في دراسة القانون، ويسلم فقهاء القانون المقارن بأهمية القانون المقارن على دراسة القانون الوطني بينها ومن الاستفادة من القوانين الأجنبية، عبر طريق المقارنة بينها ومدى الاستفادة من الأنظمة القانونية المتقدمة للدول خصوصا الوطنية، فالقانون المقارن يهدف إلى تحسين النظام القانوني عبر الاستفادة من اختلاف الأنظمة القانونية، كما يشكل مصدرا للمعلومات حول أنظمة قانونية مختلفة فيما هو قانوني وما لا تمتد إلى ما هو سوسيولوجي.

    ثالثا: فلسفة القانون

    فلسفة القانون حسب روسكو باوند هي محاولات لدراسة القانون دراسة عقلية عن كل زمان ومكان معينين وينبني نتائجها تصلح لكل زمان ومكان. فدراسة فلسفة القانون تهدف الى دراسة المشاكل الاساسية للقانون وهي: وجود القانون: طبيعته وجوهره والاساس الذي يقوم عليه وكيفية تطوره؛ مصادر القانون؛ غاية القانون: القيم القانونية والمثل العليا التي يسعى القانون الى تحقيقها.

    كما تعد فلسفة القانون ضرورة عملية لفهم المذاهب الكبرى في القانون ولتحليل المفاهيم الاساسية والمصطلحات الأساسية فيه مثل مفاهيم العدالة والحق.

    📗 خلاصة الباب

    • تاريخ القانون يدرس الأنظمة والمؤسسات القانونية في الماضي وتطورها الزمني، مما يسمح مثلا بمقارنة القوانين الاجتماعية قبل الثورة الصناعية وبعدها لفهم أثرها.
    • القانون المقارن يعتمد المنهج المقارن بين قوانين الدول المختلفة (أو بين فروع القانون داخل الدولة نفسها) بهدف الاستفادة من الأنظمة القانونية المتقدمة وتحسين النظام القانوني الوطني.
    • فلسفة القانون (حسب روسكو باوند) دراسة عقلية للمشاكل الأساسية للقانون: وجوده وطبيعته، مصادره، وغايته (القيم والمثل العليا كالعدالة والحق)، وهي ضرورية لتحليل المفاهيم والمصطلحات القانونية الأساسية.

  • الباب السادس : التعويض

    📖 المسؤولية المدنية — الفصل 8 من 10 — فهرس الكتاب

    الفصل الأول : وظيفة التعويض وطبيعته

    إذا وقع عمل غير مشروع كان للمضرور حق في التعويض عما لحق به من ضرر، وقد أيّد المشرع حق المضرور في التعويض في الفصلين 77 و78، وقرر في الفصول 98 و99 و100 بعض الأحكام الواجبة التطبيق في حقل التعويض:

    • الفصل 99 : «إذا وقع الضرر من أشخاص متعددين عملوا متواطئين، كان كل منهم مسؤولاً بالتضامن عن النتائج، دون تمييز بين من كان منهم محرضاً أو شريكاً أو فاعلاً أصلياً».

    • الفصل 100 : «يُطبَّق الحكم المقرر في الفصل 99، إذا تعدد المسؤولون عن الضرر وتعذّر تحديد فاعله الأصلي من بينهم، أو تعذّر تحديد النسبة التي ساهموا بها في الضرر».

    وظيفة التعويض : للتعويض وظيفة تهذيبية تتمثل في ردع السلوك غير الاجتماعي وتهدئة المضرور وإفشاء روح العدالة وإعادة التوازن المفقود بسبب الضرر، كما أنه يقوم بوظيفة جبر الضرر الحاصل وإعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل الضرر ولو نسبياً. والتعويض جزاء مدني وليس جزاءً جنائياً، والقاضي ملزم بالحكم بالتعويض الكامل والشامل عن الضرر الحاصل على ألا يتجاوز حدود الضرر.

    طبيعة التعويض :

    • التعويض العيني : هو الذي يتضمن إزالة الضرر بعينه بالقضاء على سببه، كهدم حائط مبني في أرض الغير، وله صورتان: رد عين الشيء، أو إعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل وقوع العمل غير المشروع.

    • التعويض بمقابل : له طابع تخفيفي من وطأة الضرر، فهو غالباً ما يكون نقداً يُعطى دفعة واحدة، لكن قد يكون تعويضاً نقدياً مقسطاً أو إيراداً مدى الحياة. أما التعويض غير النقدي فمثاله طلب إزالة المحلات المسببة للضوضاء (الفصل 91)، وكذلك نشر حكم الإدانة في دعاوى القذف على نفقة المسؤول.

    الفصل الثاني : قواعد تقدير التعويض

    نشير هنا إلى أربع قواعد مهمة تحكم مبدأ التعويض:

    • القاعدة الأولى : يجب أن يكون التعويض عن الضرر تعويضاً كاملاً بحيث يشمل الخسارة التي لحقت المدعي والمصروفات الضرورية وكذلك الكسب الذي فاته (الفقرة الأولى من الفصل 98).

    • القاعدة الثانية : يجب على المحكمة عند تقديرها للأضرار أن تدخل في اعتبارها جسامة الخطأ الصادر عن المسؤول، وتراعي ما إذا كان الضرر قد نجم عن خطأ عادي أم عن تدليس من المسؤول (الفقرة الثانية من الفصل 98).

    • القاعدة الثالثة : إذا وقع الضرر من أشخاص متعددين متواطئين، كان كل منهم مسؤولاً بالتضامن عن النتائج، لا فرق بين محرِّض أو شريك أو فاعل أصلي (الفصل 99).

    • القاعدة الرابعة : إذا تعدد المسؤولون وتعذّر تحديد فاعله الأصلي منهم، أو تعذّر تحديد نسبة مساهمة كل منهم، حُكم عليهم جميعاً على وجه التضامن (الفصل 100).

    الضرر القابل للتعويض : هو الضرر المالي أو الضرر الأدبي. فالضرر المالي يدخل في إطاره الضرر الجسماني الماس بجسم المضرور، وإضاعة فرص الكسب، والعجز عن العمل. أما الضرر المعنوي أو الأدبي فقد تجاوز الفقه والقضاء مدى صحته ليكون موضوع تعويض، فأصبح من المسلَّم به أن الضرر المعنوي يستحق الجبر عن طريق التعويض.

    تعويض ضحايا حوادث السير : نصت المادة 2 من ظهير 1984 على أن التعويض يجب أن يشمل استرجاع مصاريف نقل المصاب وتكاليف العملية الجراحية والأدوية ومصاريف الإقامة بالمشفى ونفقات إعادة تدريب العضو المصاب، ونصت المادة 3 على حالتي العجز الدائم والمؤقت.

    الفصل الثالث : الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية والتأمين منها

    الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية التقصيرية : يجب التمييز بين الاتفاقات التي تُبرم بعد تحقق المسؤولية، وهي اتفاقات صحيحة سواء كان من شأنها الإعفاء أو التخفيف أو التشديد، وبين الاتفاقات التي تُبرم قبل تحقق المسؤولية، وهي ممنوعة قانوناً وتُعتبر عديمة الأثر وفق منطوق الفصلين 77 و78.

    التأمين من المسؤولية : يعتبر التأمين في وقتنا الحاضر أساسياً في مجال المسؤولية المدنية، حيث يتم بموجب عقد بين المؤمَّن له وشركة التأمين من أجل تغطية مسؤولية المؤمَّن له عن الأضرار التي يمكن أن يحدثها للغير بفعل تقصيره. وقد أشارت مدونة التأمينات (القانون 17.99) في مادتها 62 إلى الدعوى المباشرة، وهي استثناء من قاعدة نسبية آثار العقد المنصوص عليها في الفصل 228، إذ تخوّل المضرور الاستفادة من العقد المبرم بين المؤمَّن له وشركة التأمين دون أن يكون طرفاً فيه.

    📗 خلاصة الباب

    • ● للتعويض وظيفة تهذيبية رادعة ووظيفة جبر الضرر وإعادة التوازن، وهو جزاء مدني لا جنائي، وينقسم إلى تعويض عيني (إزالة الضرر بعينه) وتعويض بمقابل (نقدي غالبا).
    • ● يجب أن يكون التعويض كاملا شاملا الخسارة اللاحقة والكسب الفائت، مع مراعاة جسامة الخطأ، وتضامن المسؤولين المتعددين عند تواطئهم أو تعذر تحديد نصيب كل منهم (الفصلان 99 و100).
    • ● الضرر القابل للتعويض نوعان: مالي (يشمل الضرر الجسماني وإضاعة فرص الكسب) ومعنوي أو أدبي، وقد استقر الفقه والقضاء على وجوب جبر الضرر المعنوي أيضا.
    • ● الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية قبل تحققها ممنوع وعديم الأثر، بخلاف الاتفاق بعده، ويلعب التأمين من المسؤولية دورا أساسيا عبر الدعوى المباشرة التي تخول المضرور الاستفادة من عقد التأمين دون أن يكون طرفا فيه.

  • علاقة علم الاجتماع القانوني بعلم الاجتماع العام وعلم الاجتماع الديني

    📖 علم الاجتماع القانوني — الفصل 6 من 10 — فهرس الكتاب

    أولا: تعريف علم الاجتماع العام

    علم الاجتماع هو العلم العام للمجتمع الذي يتراوح موضوعه من مستوى علم الاجتماع للفرد إلى المستوى الكلي للأنظمة والبنية الاجتماعية. ويعتبر علم الاجتماع أحد العلوم الاجتماعية التي تعنى بدراسة السلوك الإنساني، ويختص بدراسة وتحليل الظواهر والعلاقات الاجتماعية التي توجد بين الأفراد والمجموعات التي ينتمون إليها، وبين المجموعات بعضها ببعض.

    ويستخدم علم الاجتماع أساليب مختلفة من البحث التجريبي، والتحليل النقدي لتطوير مجموعة من المعارف حول النظام الاجتماعي، والقبول، والتغيير أو التطور الاجتماعي. وهناك تعريفات عديدة لعلم الاجتماع: فعند أوجست كونت يظهر معنى علم الاجتماع على أنه: العلم النظري المجرد للظواهر الاجتماعية.

    ولم يقدم هربرت سبنسر أي تعريف شكلي لهذا العلم، بل كان هذا العلم بالنسبة له هو الذي يدرس الظواهر فوق العضوية أو التطور فوق العضوي بتغيير أكثر دقة. أما علم الاجتماع عند دوركايم فهو دراسة الظواهر الاجتماعية ويرى أنه دراسة تجددت طبيعتها من خلال موضوعها.

    ويرى ماكس فيبر بأنه دراسة الفعل الاجتماعي الذي يتضمن معنى ذاتيا، وعرفه أيضا بأنه دراسة الفعل الاجتماعي النموذجي، وكان يميل إلى الأخذ بالتعريف الثاني. وفي رأي جيد نجز أن علم الاجتماع هو محاولة ووصفة تاريخية لتفسير المجتمع بالنظر إليه كواقع ملموس وهو علم عام يدرس كافة فئات الظواهر الاجتماعية ويركز على السمات المشتركة بين الظواهر الفرعية.

    ثانيا: أوجه الاختلاف بين علم الاجتماع القانوني وعلم الاجتماع

    من جملة التعريفات السابقة وغيرها يتضح أن علم الاجتماع لا يهتم ببناء الجسد الانساني أو بوظائف أعضائه أو بالعمليات العقلية في حد ذاتها، بل هو يهتم بما يحدث عندما يقابل الانسان انسانا آخر عندما يتفاعلان ويتعاونان أو العكس يتنافسان ويتصارعان، ومهما كانت هذه العمليات الاجتماعية التي تقوم بين الانسان وغيره من البشر، فوحدة الدراسة الاجتماعية هي دراسة تفاعلية بين الظواهر التي تحدث داخل المجتمع وتطوره التاريخي ونتيجة للعوامل البيئية المحيطة به.

    علم الاجتماع القانوني يدرس علاقة القانون بالمجتمع، بينما يدرس علم الاجتماع المجتمع من حيث مؤسساته ووظائفه وتكامل مؤسساته وتنافرها لسبب أو لآخر. وعلم الاجتماع أقدم تاريخيا من علم الاجتماع القانوني، فقد نشأ علم الاجتماع في القرن التاسع عشر على يد كل من كونت وسبنسر في فرنسا وانكلترا، بينما نشأ علم الاجتماع القانوني في أعقاب الحرب العالمية الثانية بعد تداخل العوامل القانونية بالاجتماعية وصعوبة الفصل بينهما.

    إن علم الاجتماع القانوني الذي يتخصص في دراسة القانون بوصفه ظاهرة اجتماعية لا يمكنه الوصول إلى فهم علمي متكامل لهذه الظاهرة إلا إذا استعان بما توصلت إليه كافة فروع علم الاجتماع الأخرى التي تدرس نفس الظاهرة القانونية من وجهة النظر الاجتماعية، ولا سيما بعد أن أكد علماء فقه القانون وعلماء الاجتماع بأن الظاهرة القانونية ما هي إلا ظاهرة مجتمعية بحتة.

    ثالثا: علاقة علم الاجتماع القانوني بعلم الاجتماع الديني

    يمكن دراسة القانون بالتركيز على البعد الزمني في نشأته باعتباره نسقا أيديولوجيا، شأنه شأن الدين، وهو ما اصطلح على تسميته بفلسفة القانون أو نظرية القانون، وقد يمتد مجال علم الاجتماع القانوني إلى دراسته لموضوعات تشكل موضوعا لعلم الاجتماع الديني.

    فعلى سبيل المثال، فإن دراسة “قوانين الإرهاب” في العديد من الدول، ومن بينها المغرب، من زاوية علم الاجتماع القانوني تستدعي من بين ما تستدعيه البحث عن الأسباب الاجتماعية لنشأتها وإصدارها، والتي لا بد أن تستحضر دور الدين كممارسة وخطاب وسلوك مجتمعي في ظاهرة الإرهاب، والذي أدى بشكل مباشر إلى صدور مثل هذه القوانين، وكذلك دراسة تأثير ظاهرة الإرهاب على مضمون بعض القوانين، كتشديد العقوبات، وتحريم بعض الوسائل والأفعال التي لم تكن محرمة من قبل؛ ومختلف الجوانب السوسيولوجية التي يمتد إليها مجال علم الاجتماع القانوني في دراسته “لقانون الإرهاب”، تشكل موضوعا لعلم الاجتماع الديني.

    📗 خلاصة الباب

    • علم الاجتماع (كونت، سبنسر، دوركايم، ماكس فيبر) علم عام يدرس المجتمع بمؤسساته ووظائفه، بينما علم الاجتماع القانوني أضيق نطاقا وأحدث نشأة، إذ يركز فقط على علاقة القانون بالمجتمع.
    • لا يمكن لعلم الاجتماع القانوني بلوغ فهم علمي متكامل للظاهرة القانونية دون الاستعانة بباقي فروع علم الاجتماع، لأن الظاهرة القانونية ظاهرة مجتمعية بحتة كما أكد فقهاء القانون وعلماء الاجتماع.
    • يتقاطع علم الاجتماع القانوني مع علم الاجتماع الديني حين يدرس القوانين المتأثرة بالدين كممارسة وخطاب وسلوك مجتمعي، كما يتضح في دراسة “قوانين الإرهاب” وأثر الخطاب الديني في نشأتها وفي تشديد العقوبات المرتبطة بها.

📚 المكتبة القانونية