📖 المسطرة المدنية — الفصل 2 من 26 — فهرس الكتاب
مدخل
تقديم
وأنا في خضم إعداد هذا المطبوع كنت دائما أستحضر كلمة سمعتها ذات محاضرة من أحد أساتذة القانون المحترمين بكلية الحقوق بطنجة مفادها أن الذي لا يضبط القانون المسطري ليس برجل قانون، ومنذئذ وأنا أولي أهمية خاصة لقانوني المسطرة المدنية والجنائية باعتبارهما دعامتا القانون المسطري المغربي بالإضافة إلى التنظيم القضائي.
ولذلك فقد حاولت في هذا المطبوع الاحاطة بمختلف المساطر الاجرائية في الحد الذي يؤخذ من العلم بالضرورة من المسطرة المدنية، وحاولت المرور على جميع محطات الدعوى المدنية من رفعها وإشكاليات الاختصاص إلى تنفيذ الحكم الصادر بشأنها، مرورا بإجراءات التحقيق، ثم طرق الطعن في الحكم وإشكاليات التنفيذ، دون نسيان محكمة الرئيس وقضاء الاستعجال.
مررت على أغلب المحاور وإلا فإن كل نقطة من نقط المسطرة المدنية تحتاج مؤلفا مستقلا للإحاطة بجميع إشكالياتها، بينما لم يكن في نيتي سوى استخراج أهم المفاصل القانونية ووضعها بين يدي القارئ الكريم.
هي الوسيلة القانونية للوصول إلى الحق بعد اللجوء إلى المحاكم. والمسطرة المدنية لا تتحرك قواعدها الاجرائية إلا بعد أن تُـرفع الدعوى إلى المحكمة، وتبقى المساطر مصاحبة للدعوى منذ تسجيلها بالمحكمة إلى حين صدور الحكم وتنفيذه.
المسطرة المدنية هي من ضمن القانون القضائي الخاص إلى جانب التنظيم القضائي، وهي عبارة عن مجموع القواعد المتعلقة بالحل القضائي للمنازعات وتنفيذ الاحكام القضائية والسندات التنفيذية، فهي إذن عبارة عن مساطر إجرائية قضائية.
القانون المنظم هو الظهير الشريف بمثابة قانون صدر في 28 شتنبر 1974 بالمصادقة على نص قانون المسطرة المدنية، وقد تبعته عدة تغييرات وتعديلات.
أولا : أهمية المسطرة المدنية
هي قانون ضروري لتحقيق العدالة وضمان نزاهة الحكم والفصل بين الخصوم وحماية الحقوق، فلا يمكن تصور الاستغناء عن قواعد المسطرة المدنية والتي تسميها بعض التشريعات قانون المرافعات، فاتباع إجراءات قانونية دقيقة والتقيد بالآجال القانونية أمران ضروريان لحسن سير القضاء سواء المدني أو الجنائي، فاذا سار القضاء بغير إجراءات وقواعد ثابتة كان في نهايته قضاء سيئا لا يحمي الحقوق ويجر الى الفوضى ولا يحقق العدالة، فلا يكفي إذن تنصيب قضاة ماهرين في مادة القانون بل يتعين وضع أصول وقواعد وآجال تكفل حرية الدفاع والتحقيق في الدعاوى، ثم قيود تحد من سلطة القاضي كي لا يستبد بالقضاء ومنع عدم المساواة بين الخصوم، كما أن هذه القواعد القانونية المسطرية ضرورية لرعاية المصالح العامة وصيانة ثروة الافراد وإقرار الثقة العامة في القضاء ووضع إجراءات وقواعد ثابتة تمنع مفاجأة المدين وتعريضه للخسارة، وفي نفس الوقت تقضي على رغبته في المماطلة والاضرار بحق الدائنية.
هكذا يمكن القول بأن قواعد المسطرة المدنية لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الاحوال، فلا بد في كل خصومة من إعلان المدعى عليه وتمكينه من تحضير دفاعه، ولابد من وسائل للإثبات ثم اعطاء القاضي كامل الوقت لدراسة القضية واتخاذ القرار المناسب وأخيرا اعطاء الخصوم حق التظلم من الأحكام.
ثانيا : مبادئ المسطرة المدنية
التواجهية : أي حضور الاطراف خاصة المدعى عليه، فلا يمكن الحكم على الشخص دون الاستماع له واعطاءه حق الدفاع عن نفسه.
حياد القاضي وتحكم الاطراف في النزاع : فالأطراف وحدهم من لهم حق ادارة الدعوى، سواء الاصرار على بقائها أو التنازل عنها، كما أن القاضي لا يمكنه البت إلا فيما طلبه المتقاضون ولا يمكنه البت فيما لم يطلب منه.
بمعنى أن أطراف النزاع هم من يحدد مسار الدعوى واتجاهها وعلى الخصوص المدعي في مقاله الافتتاحي، فالقاضي لا يمكنه تعديل هذا المقال أو تغييره أو انتقاصه أو الزيادة فيه، فهو ملزم بالنظر فقط في ما جاء في المقال الافتتاحي للدعوى، والمحكمة لا تحكم إلا في ما طلبه المدعي، وكل مقرر قضائي مخالف لهذا المقتضى يكون معرضا للإبطال أو النقض. فتحديد موضوع النزاع ومداه ومجاله هو من صلاحية الاطراف المتنازعة، لكنهم يفقدون هذه الامكانية عند اقتراب البت في النزاع وبلوغ القضية مراحلها الاخيرة حتى لا يصبح النزاع مائعا لا ينتهي.
تعليل الأحكام : وهو تبيان الأسس القانونية التي اعتمدها القاضي للوصول الى الحكم، وهو ما جاء في الفصل 50 الذي نص على أنه يجب ان تكون الاحكام دائما معللة، مدنية جنائية اداري تجارية، فالحكم يجب أن يكون معللا من حيث الواقع والقانون، هذا الأمر مهم من أجل تيسير عملية المراقبة التي تخضع لها المقررات القضائية خلال مرحلة الطعن في الحكم، خاصة في مرحلة النقض، كما أن تعليل الاحكام يتماشى مع النزاهة وتنوير أطراف النزاع بالأسس القانونية والواقعية التي ارتكز عليها الحكم، وانعدام التعليل معناه هشاشة المنطق الذي اعتمدته المحكمة خلال البت في النزاع، وانعدام التعليل سبب كافي للنقض وفق الفصل 359.
الحق في الطعن : وهو ما يمثله مبدأ التقاضي على درجتين، حيث يُخول للمحكوم ضده الطعن في الحكم بالطرق العادية المكفولة لجميع الاحكام، وهناك طرق الطعن غير العادية لكنها ليست متاحة لجميع الاحكام إلا ما سمح به القانون.
ثالثا : وظيفة المسطرة المدنية
للمسطرة المدنية وظيفتان، وظيفة اقتصادية تتمثل في الحفاظ على المعاملات والمصالح، والوظيفة الثانية اجتماعية تتمثل في الحفاظ على السلم الاجتماعي.
رابعا : خصائص المسطرة المدنية
الشكلانية والطابع الآمر وهي الشريعة العامة للقوانين الاجرائية.
الخاصية الأولى : المسطرة المدنية هي قانون شكلي أو تنظيمي أو إجرائي
أو ما يصطلح عليه بالشكلانية، بمعنى أن هذا النوع من القوانين لا يعطي للأفراد حقوقا لأنه ليس قانون موضوع، لكنه ينير لهم الطريق للوصول إلى الحق أو حماية هذا الحق عن طريق اجراءات معينة، فموضوع المسطرة المدنية هو تنظيم المسائل الاجرائية للوصول إلى الحق، مثال ذلك طريقة رفع الدعوى والتبليغ و إجراءات التحقيق والبت والطعن في الأحكام، هذه الشكلانية لها فوائد كثيرة منها أنها تجنب تحكم القاضي والمتقاضين وتضمن المساواة بين الاطراف، فالشكلانية حسب الفقيه ايهرنج مرادف للحرية، والحرية عدوة التحكم.
الخاصية الثانية : اتصاف قواعد المسطرة المدنية بالصفة الآمرة
يعني ذلك أن قانون المسطرة المدنية هو من النظام العام فلا يمكن الاتفاق على مخالفة قواعده، والقاضي مُلزم بتطبيق هذا القانون حرفيا كما أن ليس للأطراف أن يخالفوا أحكامه، فهو قانون يسري على الجميع، القضاة والمتقاضين وجميع الاطراف المتدخلة في الدعوى من كتابة ضبط ومفوضين قضائيين ومحامين وخبراء وعدول وغيرهم، لذلك يكون للخصم أن يدفع ببطلان كل إجراء مخالف للقانون، و للقاضي أن يحكم بالبطلان من تلقاء نفسه، كما لعضو النيابة العامة إذا كان ممثلا في الدعوى كطرف منضم أن يطلب الحكم ببطلانه، وهناك حالات خاصة كالاختصاص المحلي الذي لا يعتبر من النظام العام وبالتالي لا يعتبر قاعدة قانونية آمرة.
الخاصية الثالثة : المسطرة المدنية هي الشريعة العامة للقوانين الاجرائية
أي أنها المسطرة الأم، فقواعدها هي الشريعة العامة للقوانين الإجرائية الأخرى كالمسطرة الجنائية، فحين تغيب المساطر الإجرائية الخاصة نرجع لقانون المسطرة المدنية باعتباره الشريعة العامة للقوانين الاجرائية، وقد ذهب الفقه والاجتهاد القضائي إلى اعتبارها واجبة التطبيق في حالة الافتقار إلى قاعدة إجرائية مماثلة خاصة المساطر الاجرائية في الميدان الجنائي والاداري والتجاري.
📗 خلاصة الباب
- المسطرة المدنية هي مجموعة القواعد الشكلية التي تنظم كيفية اللجوء إلى القضاء المدني ومباشرة الدعوى أمامه من رفعها إلى تنفيذ الحكم الصادر فيها، خلافا للقانون المدني الموضوعي الذي يحدد الحقوق والالتزامات ذاتها.
- تتميز قواعد المسطرة المدنية بكونها آمرة في غالبها (لا يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفتها) لتعلقها بتنظيم سير القضاء وحسن سير العدالة، مع بعض الاستثناءات المتروكة لإرادة الأطراف كشرط الاختصاص الاتفاقي.
اترك تعليقاً