📖 المسطرة المدنية — الفصل 3 من 26 — فهرس الكتاب
مدخل
الحق يحتاج إلى حماية، وإذا كان الناس قديما يأخذون حقهم بأيديهم فإن الحق اليوم أصبح يؤخذ عن طريق الدعوى القضائية، فهي الوسيلة الأكثر تحضرا ورقيا لنيل الحقوق، والمشرع المغربي لم يتطرق إلى تحديد تعريف للدعوى لصعوبة ذلك، لكن الفقه تطرق إلى ذلك، وتبقى هناك مصطلحات عديدة تختلط المفاهيم فيها مع مفهوم الدعوى كمفهوم القضية والخصومة والادعاء والتقاضي والمطالبة القضائية.
أولا : تعريف الدعوى
عرف جانب من الفقه الدعوى كونها الوسيلة القانونية التي تحمي الحق، فصاحب الحق يضمن له الدستور إمكانية اللجوء الى القضاء للحصول على حقه أو ضمان احترام حقه أو عدم تهديد حقه، فالدعوى وسيلة لتحريك القضاء وبدونها يقف القاضي في مكتبه ساكنا ولو ضاع الحق أمام عينيه، نتحدث عن الدعوى المدنية، ويرى أخرون بأن الدعوى هي الوسيلة التي وفرتها الدولة للأفراد كي لا يأخذ كل واحد منهم حقه بنفسه بل ليلجؤوا إليها ليأخذوا حقوقهم بالطريقة القانونية التي ينظمها القانون، بينما يرى أخرون الدعوى بأنها سلطة قانونية ممنوحة للشخص تخول له حق اللجوء للقضاء ليحصل على حماية لهذا الحق.
خلاصة القول، أغلب الفقه يرى بأن الدعوى هي الوسيلة القانونية لحماية الحق، على أن هناك وسائل أخرى قررها القانون في حالة صعوبة اللجوء إلى القضاء كحق الدفاع الشرعي والحق في الحبس، وهناك أيضا وسائل غير قانونية للحصول على الحق، لكن الدعوى تتميز عن هذه الوسائل بعنصر الالتجاء إلى الجهاز القضائي، لذلك يمكن القول أن الدعوى في عصرنا الحالي هي أهم الوسائل القانونية لحماية الحق.
ثانيا : علاقة الدعوى بالحق
هل الدعوى جزء من الحق أم هي صورة من صور الحق؟ هناك نظريتان.
النظرية الاولى : النظرية التقليدية أو نظرية الاندماج
يقول الفقه القديم بأنه لا حق بدون دعوى ولا دعوى بدون حق، هنا تختلط في هذه المدرسة مفاهيم الحق والدعوى، فتعتبر أن الدعوى هي الحق نفسه، وينتصر لهذه النظرية الفقيهان جارسوني و سيزاربو اللذين يقولان بأن الحق يبقى خاملا ما دام أنه لم يتنازع فيه شخصان، ثم يظهر فجأة اذا انتهكت حرمته ووقع عليه الاعتداء، فالحق حالة قانونية ساكنة، بينما الدعوى هي الحالة نفسها وقد تحركت.
وينتج عن ذلك أن :
• الدعوى هي فرع من فروع الحق ونتيجة لازمة له، فلا حق الا وله دعوى يصل بها صاحب الحق الى جبر الغير على احترام حقه، ومجرد وجود الحق يوجب وجود الدعوى، نتحدث هنا عن الالتزام المدني، يُستثنى من ذلك الالتزامات الطبيعية التي أقر القانون بوجودها وبأن لها أثرا خاصا فهي لا دعوى لها، من ذلك التقادم فهو التزام طبيعي يحتوي على المديونية لكنه لا يتوفر على عنصر المسؤولية.
• الحق والدعوى يولدان سويا ويعيشان سويا ويموتان سويا، ولكل حق دعوى واحدة يمكن رفعها مرات متعددة إلا إذا حالت بينه وبينها قوة الشيء المحكوم به، وليس للدائن من الدعاوى أكثر مما له من حقوق، فاذا كان له حق واحد فله دعوى واحدة، أما إذا كان للشخص دعاوى متعددة بخصوص شيء واحد فتفسير ذلك مرده الى أنه يملك حقوقا متعددة على شيء واحد، فيرفع بذلك لكل حق دعوى، ومثال ذلك أن واضع اليد على عقار إذا أُخرج عنوة له الخيار في رفع دعوى الحيازة أو دعوى الاستحقاق أو دعوى التعويض.
• الدعوى لها من الاوصاف والمميزات ما للحق، فهي بحسب الأحوال تكون عينية أو شخصية أو عقارية أو منقولة، آيلة للورثة أو غير آيلة، قابلة للتنازل عنها أو غير قابلة.
• موضوع الدعوى هو نفسه موضوع الحق، فيحكم القاضي على المدين بأن يسلم للدائن نفس الحق موضوع الدعوى.
النظرية الحديثة أو نظرية الازدواج
الفقه الحديث يرى أن الدعوى حق له كيان مستقل عن الحق الموضوعي، رغم ارتباطها به ارتباطا قويا، لأن الدعوى وسيلة قانونية لحماية الحق، وليست هي الحق نفسه، فـهي وسيلة لإحقاق الحق، فالحق غاية والدعوى وسيلة، والدعوى شأنها في ذلك شأن باقي الوسائل التي تحمي الحق كالدفاع الشرعي والدفع بعدم التنفيذ حسب ف235 ق ل ع هي وسيلة لحمل المتعاقد على الوفاء بالتزامه الذي نشأ في عقد ملزم للجانبين، وكذلك حق الحبس المذكور في الفصل 291 من ق ل ع وهو حق حيازة الشيء المملوك للمدين، وعدم التخلي عنه إلا بعد وفاء ما هو مستحق للدائن، ولا يمكن أن يباشر إلا في الأحوال الخاصة التي يقررها القانون.
فالدعوى كيان مستقل ولا يختلط بالحق الذي يحميه، فالدعوى تختلف عن الحق من حيث سبب كل منهما وشروطه وآثاره، فالحق سببه تصرف قانوني حيث تتجه الإرادة فيه إلى إحداث أثر قانوني كالعقد والارادة المنفردة، كما قد يكون سببه واقعة قانونية اختيارية كالعمل غير المشروع أو واقعة قانونية طبيعية كالموت، ثم أن الحق قد تحميه أكثر من دعوى وقد لا تحميه دعوى، فحق الملكية إذا اعتدي عليه تحميه دعوى الملكية ودعوى الحيازة ودعوى التعويض، بينما الحقوق المقابلة للالتزامات الطبيعية لا تحميها أي دعوى، إذ ليس لصاحبها أن يطالب بها أمام القضاء.
يترتب عن ذلك أن :
• الدعوى توجد بغير وجود حق موضوعي، مثال ذلك دعوى التقرير السلبية، فلا يوجد هناك بالضرورة ارتباط بين الدعوى وبين الحق المتنازع فيه، فيحصل بمقتضاها المدعي على تأكيد من القضاء بأنه لا يلتزم قانونا بواجب معين.
• حتى في الحالة التي تنشأ فيها الدعوى بسبب الاعتداء على حق موضوعي فإن الدعوى تعتبر مستقلة عن هذا الحق.
• من حيث سببها :
• سبب الحق هو العقد أو الفعل الضار أو غير ذلك من مصادر الالتزام، أما سبب الدعوى فهو الاعتداء على الحق أو المركز القانوني الذي يحميه القانون، ولا يجب الخلط بين الحماية القانونية التي يتمتع بها الحق قبل الاعتداء عليه وبين صورة خاصة من صور الحماية القانونية وهي الحماية القضائية التي تأتي بعد الاعتداء على الحق، ويترتب عن هذا أن الحق قد يوجد بغير دعوى، فالدائن قبل حلول أجل دينه يكون له حق ولا تكون له أية دعوى، كما أنه قد يُتصور حق بغير دعوى، ومثال ذلك حالة التقادم عندما يسقط الحق في اقامة الدعوى، فيبقى الحق قائما بلا دعوى تحميه.
• من حيث موضوعها :
• الحق يقتضي إلزام المدين مثلا بأداء مبلغ معين للدائن، أما الدعوى فموضوعها الحصول على حكم قضائي لصالح الدائن، حكم عبارة عن ورقة وليس عبارة عن مبلغ مالي لصالح الدائن، فالقاضي لن يدفع من جيبه شيئا للدائن، ولا من خزينة الدولة، لكنه سيستصدر له حكما يلزم المدين بأداء ما عليه لصالح الدائن، فالحكم القضائي يؤكد الحق أو المركز القانوني ويرغم المعتدي على إرجاع الحق إلى أهله، وقد يكون الحكم منشئا للحق من أساسه، وقد يتضمن إلزاما بأداء مبلغ معين، فيتبين أن مضمون الدعوى يختلف عن مضمون الحق.
• الدعوى تضيف شيئا جديدا إلى الحق، تأكيدا قضائيا له حجيته التي لم يكن يتمتع بها الحق من قبل، أما بعد تحصل قوة الشي المقضي به فيصبح لصاحب الحق إمكانية التنفيذ الجبري.
ثالثا : مركز الدعوى
نريد هنا إزالة أي لبس بين مفهوم الدعوى وغيرها من المفاهيم المشابهة.
بين الدعوى وحق التقاضي
• حق الالتجاء للقضاء حق دستوري، جاء في الفصـل 118 : “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون”. فهو حق عام بمعنى أنه صورة من صور الحريات العامة، بينما الدعوى حق خاص تقوم لبعض الاشخاص فقط، فيجب احترام الصفة والمصلحة والاختصاص القضائي.
• حق التقاضي هو الاطار العام النظري لإسباغ العدالة أما حق الدعوى فهو التطبيق العملي.
• حق التقاضي يؤطره الدستور بينما حق الدعوى ينظمه قانون المسطرة المدنية.
• حق التقاضي حق مطلق لا يرد عليه تقييد بينما الدعوى حق مقيد بشروط.
بين الدعوى والخصومة
الخصومة هي مجموع الإجراءات التي يلتجئ إليها صاحب الحق أمام القضاء لمباشرة الدعوى، فليست كل خصومة مستندة إلى حق أو متوفر فيها شروط الدعوى لأن القضاء يفتح الباب لكل مواطن بصرف النظر عن كون مزاعمه صحيحة أم لا، ولا يتحمل هذا الأخير سوى المصاريف القضائية ما لم تكن خصومته كيدية ولم يكن متعسفا في استعمال حق الدعوى فيجوز الحكم عليه بالتعويض، فتكون الدعوى هي موضوع الخصومة، والخصومة هي الوسيلة أو الوعاء الذي يحتويها أمام القضاء.
بين الدعوى والمطالبة القضائية
الدعوى وسيلة لحماية الحق، توجد دائما ما دام الحق موجودا، فهي تكمل وجوده، سواء لجأ صاحب الحق إلى القضاء أم لم يلتجئ، لكن عندما يلتجئ الى القضاء طالبا تدخل الدولة يكون بذلك قد باشر الدعوى، ومباشرة الدعوى هو ما يسمى بالمطالبة القضائية، أي الاجراء الذي يعلن به الشخص رغبته في الحصول على الحماية القضائية لحقه، فيترتب عن ذلك أن :
• المطالبة القضائية عمل قانوني لا يوجد إلا بتقديمه أي ببدء الخصومة، أما الدعوى فتوجد دائما ولو لم تبدأ الخصومة.
• لا يترتب على ترك الخصومة انقضاء الدعوى فقد يعود من جديد ليرفعها.
• الطلب كعمل قانوني قد يكون صحيحا دون أن تكون الدعوى مقبولة، فالدعوى ليست هي الطلب أمام القاضي بل هي الحق في الحماية القضائية، وقد يقدم الطلب شخص لا حق له في الحماية فنكون أمام طلب دون دعوى.
بين الدعوى و القضية
القضية تعني مجموع المسائل المطروحة أمام القضاء بغرض الحصول على حكم فيها، فهي طلبات الخصوم أو دفوعاتهم أو الاجراءات المستخدمة لهذا الغرض، فالدعوى هي محل القضية والخصومة هي إجراءاتها.
بين الدعوى والادعاء
الادعاء أمام المحكمة لا يعني أن الحق يعود لرافع الدعوى، فالذي يحقق الحماية ليس مجرد الادعاء بل إن ما يحقق الحماية هو الحصول على حكم قضائي، والدعوى كما يعرفها المشرع الفرنسي ليست سوى الحق الذي لصاحب الادعاء في أن يسمعه القضاء فيرى هل الادعاء على مبني على أساس أم لا، أما بالنسبة إلى المدعى عليه فالدعوى هي حقه في الدفاع عن نفسه ومناقشة هذا الادعاء.
📗 خلاصة الباب
- الدعوى هي الوسيلة القانونية التي يلجأ بها صاحب الحق إلى القضاء لحمايته أو الاعتراف به، وتفترض وجود حق متنازع فيه أو مهدد ومصلحة وصفة لدى رافعها.
- تختلف الدعوى عن الحق موضوعها: فالحق قد يوجد دون دعوى تحميه إذا لم يُعتدَ عليه، والدعوى وسيلة إجرائية لتفعيل الحق عند النزاع فيه أو الاعتداء عليه.
اترك تعليقاً