📖 المسطرة المدنية — الفصل 20 من 26 — فهرس الكتاب
مدخل
الباب الثامن من ق م م تضمن فصلا واحدا هو الفصل 147 : ” يجب أن يؤمر بالتنفيذ المعجل رغم التعرض أو الاستيناف دون كفالة إذا كان هناك سند رسمي أو تعهد معترف به، أو حكم سابق غير مستأنف.
يجوز دائما الأمر بالتنفيذ المعجل بكفالة أو غيرها حسب ظروف القضية التي يجب توضيحها.
غير أنه يمكن تقديم طلبات إيقاف التنفيذ المعجل بمقال مستقل عن الدعوى الأصلية أمام المحكمة التي تنظر في التعرض أو الاستيناف.
تستدعي المحكمة بمجرد ما يحال عليها هذا المقال الذي يجب أن لا يضاف إلى الأصل الأطراف للمناقشة والحكم في غرفة المشورة حيث يمكن لهم أن يقدموا ملاحظاتهم شفويا أو كتابيا. ويجب أن تبت المحكمة داخل ثلاثين يوما.
يمكن رفض الطلب، أو إقرار إيقاف التنفيذ المعجل إلى أن يقع البت في الجوهر، أو الأمر بإيقاف التنفيذ المعجل لمدة معينة أو تعليق متابعة التنفيذ كليا أو جزئيا على تقديم كفالة من طالبه.
يمكن أيضا الترخيص للطرف المحكوم عليه بإيداع المبلغ الكافي لضمان القدر المحكوم به في الأصل بكتابة ضبط تعينها المحكمة أو بين يدي شخص آخر عين لهذه الغاية باتفاق الأطراف. ويكون المبلغ المودع لصالح الطرف المتابع وحده.
ترفع اليد عن الإيداع بمجرد صدور الحكم النهائي في الجوهر.
لا تطبق مقتضيات الفقرات الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة من هذا الفصل إذا كان التنفيذ المعجل بقوة القانون.”
ماهية النفاذ المعجل
النفاذ المعجل هو أن تكون للحكم القضائي القوة التنفيذية رغم التعرض أو الاستئناف، لأن الأصل في الحكم أنه لا ينفذ إلا إذا كان قد استنفذ طرق الطعن العادية مع حالات خاصة في الفصل361 وهي التحفيظ العقاري والاسرة والزور الفرعي، إلا أن ثمة حالات يكون الحكم فيها قابلا للتنفيذ بالرغم من إمكانية الطعن فيه بالتعرض أو بالاستئناف، فالأصل أن الأحكام لا تنفذ إلا بعد أن تصبح نهائية، فطرق الطعن العادية ترتب الوقف التلقائي لإجراءات التنفيذ وهو ما يسمى بالأثر الموقف، وهي القاعدة المقررة بمقتضى الفصلين 130 و134 من قانون المسطرة المدنية.
فالمشرع حريص على وجوب تأكيد حق الدائن عن طريق التقاضي على درجتين قبل تنفيذه، غير أن المشرع تنبه إلى أن تطبيق هذه القاعدة قد يضر أحيانا بمصالح الطرف المحكوم له إما لوضعيته الاجتماعية أو لقوة السند الذي بيده فوضع استثناء لقواعد التنفيذ بمقتضاه يجوز للمحكوم له أن ينفذ الحكم رغم الطعن فيه بالتعرض أو بالاستئناف، وهو ما يصطلح عليه في أدبيات المسطرة المدنية بالتنفيذ المعجل، فيتم تنفيذ الحكم قبل حتى أن يصير حائزا لقوة الشيء المقضي به، وهو تنفيذ يتعلق مصيره بمصير الحكم ذاته، فإذا ألغي الحكم وجب إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل حصول التنفيذ بقدر ما يكون هذا ممكنا ، إذن فهو تنفيذ معجل لأنه يتم قبل الأوان العادي للتنفيذ.
التنفيذ المعجل يجد مصدره في القانون نفسه أو في الحكم القاضي بذلك، وهو يعطي للمحكوم له مُكنة تنفيذ الحكم ولو طعن فيه بأحد طرق الطعن العادية، ومن تم فإذا ألغي الحكم المنفذ معجلا من طرف محكمة الطعن بعد التنفيذ ترتبت مجموعة من الآثار القانونية على إلغاء الحكم.
الفصل 134 : “… يوقف أجل الاستيناف، والاستيناف نفسه داخل الأجل القانوني التنفيذ عدا إذا أمر بالتنفيذ المعجل ضمن الشروط المنصوص عليها في الفصل 147.”
الفصل 153 : ” تكون الأوامر الاستعجالية مشمولة بالتنفيذ المعجل بقوة القانون ويمكن للقاضي مع ذلك أن يقيد التنفيذ بتقديم كفالة….”
الفصل 285 : ” يكون الحكم مشمولا بالتنفيذ المعجل بحكم القانون في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، وفي قضايا الضمان الاجتماعي، وقضايا عقود الشغل والتدريب المهني رغم كل تعرض أو استيناف.”
الفصل 483 : ” يجب على طالب الاستحقاق لوقف الإجراءات أن يقدم دعواه أمام المحكمة المختصة ويودع دون تأخير وثائقه، ويستدعى المحجوز عليه والدائن الحاجز إلى أقرب جلسة ممكنة لإبداء اعتراضهما وإذا اعتبرت المحكمة أنه لا موجب لوقف إجراءات الحجز العقاري كان حكمها مشمولا بالتنفيذ المعجل رغم كل تعرض أو استيناف.”
أنواع النفاذ المعجل
ينقسم النفاذ المعجل إلى قسمين هما : النفاذ المعجل القانوني و النفاذ المعجل القضائي.
أولا : النفاذ المعجل القانوني
التنفيذ المعجل بقوة القانون يستمد فيه الحكم قوته التنفيذية من نص القانون مباشرة ويلزم أن تصرح به المحكمة، كما لا يلزم أن يكون المحكوم له قد طلبه، فهو امتياز أورده المشرع على سبيل الحصر في حالات معينة لا يجوز القياس عليها أو التوسع في تفسيرها، وهو ما ينطبق مثلا على الأوامر الإستعجالية التي تصدر عن قاضي الأمور المستعجلة، فهذه الأحكام أو الأوامر تكون قابلة للتنفيذ بالرغم من الاستئناف، ولا يمكن أن تكون محلا للاعتراض على وقف التنفيذ، فما يميز التنفيذ المعجل القانوني هو أنه لا يقبل مسطرة إيقاف التنفيذ على الإطلاق وذلك طبقا للفقرة الأخيرة من الفصل 147 من ق.م.م التي جاء فيها : ” لا تطبق مقتضيات الفقرات الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة من هذا الفصل إذا كان التنفيذ المعجل بقوة القانون”.
حالات التنفيذ المعجل بقوة القانون
جاء في المسطرة المدنية بيان أهم حالات التنفيذ المعجل القانوني، كما بينت ذلك نصوص أخرى متفرقة حالات النفاذ المعجل كما هو الشأن بالنسبة لمدونة التجارة بخصوص الأحكام الصادرة في صعوبات المقاولة، وظهير التعويضات المحكوم بها في حوادث السير.
• الأوامر الاستعجالية
جاء في الفصل 153 من ق.م.م : ” تكون الأوامر الاستعجالية مشمولة بالتنفيذ المعجل بقوة القانون ويمكن للقاضي مع ذلك أن يقيد التنفيذ بتقديم كفالة. يمكن للقاضي في حالة الضرورة القصوى أن يأمر بالتنفيذ على أصل الأمر. لا يطعن في هذه الأوامر بالتعرض…”
وقد أدخل المشرع المغربي في الفصل 149 من ق.م.م ضمن القضايا الاستعجالية الصعوبات المتعلقة بتنفيذ حكم أو سند قابل للتنفيذ، والأمر بالحراسة القضائية وكل إجراء تحفظي آخر، إضافة إلى الحالات المشار إليها في الفصل 148 من ق.م.م المتعلقة بالأوامر المبنية على طلب والمعاينات.
لكن الفصل 437 من ق.م.م يشير الى استثناء ينص على عدم جواز الحجز لدى الغير إلا إذا أدلى المحكوم له بشهادة بعدم التعرض أو الاستئناف ولو كان الحكم مشمولا بالنفاذ المعجل القانوني، أي أن المحجوز لديه لا يمكن أن يسلم للمحكوم له المبالغ إلا إذا استدل بشهادة بعدم التعرض أو الاستئناف، جاء في الفصل 433 : ” لا يكون الحكم الذي يقضي برفع يد أو رد أو وفاء أو أي عمل آخر يجب إنجازه من قبل الغير أو على حسابه، قابلا للتنفيذ من قبل الغير أو بينهم ولو بعد أجل التعرض أو الاستيناف إلا بعد تقديم شهادة من كتابة ضبط المحكمة التي أصدرته، تحتوي على تاريخ تبليغه للطرف المحكوم عليه، وتشهد بأنه لم يقع أي تعرض أو استيناف ضده.”
• الأحكام الصادرة في مادة النفقة
جاء في الفصل 179 مكرر من ق.م.م : “يبت في طلبات النفقة باستعجال وتنفذ الأوامر والأحكام في هذه القضايا رغم كل طعن. ريثما يصدر الحكم في موضوع دعوى النفقة للقاضي أن يحكم بنفقة مؤقتة لمستحقيها في ظرف شهر من تاريخ طلبها مع اعتبار صحة الطلب والحجج التي يمكن الاعتماد عليها. وينفذ هذا الحكم قبل التسجيل وبمجرد الإدلاء بنسخة منه”.
دعوى النفقة هي دعوى ذات طابع معيشي بما أن المرأة لا تعمل وليس لها دخل بينما الرجل يعمل، فمخافة أن تبقى المرأة دون أكل نص المشرع على أنه يبت في دعوى النفقة بشكل استعجالي، وهو ما يقتضي من ناحية إحالتها على أقرب جلسة بمجرد وضع مقالها الافتتاحي بالمحكمة، ثم من ناحية ثانية تقليص الفترات التي تمنح للزوج للإدلاء بأجوبته ووسائل دفاعه إلى أقصى حد ممكن، فلا تتعدى فسحة تمكينه من ممارسة حقه في الدفاع شهرا واحدا.
• الأحكام الصادرة في القضايا الاجتماعية
نص المشرع في الفصل 285 من ق.م.م : ” يكون الحكم مشمولا بالتنفيذ المعجل بحكم القانون في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، وفي قضايا الضمان الاجتماعي، وقضايا عقود الشغل والتدريب المهني رغم كل تعرض أو استيناف”.
وعلى خلاف ذلك فإنه قد ثار خلاف كبير في العمل القضائي والفقه حول مدى شمول الحكم الصادر في منازعات الشغل بالنفاذ المعجل، والإشكال في جوهره هو خلاف حول الطبيعة القانونية للإنهاء التعسفي لعقد العمل غير محدد المدة، وهل هو ذو طبيعة عقدية أم ذو طبيعة تقصيرية؟
فهناك رأي يرى في التصرف الانفرادي الصادر عن صاحب العمل والذي يفصل بمقتضاه بكيفية تعسفية عاملا يرتبط به بعقد عمل نوعا من الإخلال بالعقد، ذلك أن صاحب العمل يفرض عليه تنفيذ العقد وإنهاؤه بحسن نية، وهناك رأي آخر يرى أن المسؤولية المترتبة عن إنهاء عقد العمل غير محدد المدة بكيفية تعسفية هي مسؤولية تقصيرية وليست عقدية، وقد درج العمل القضائي على شمول التعويضات الناتجة عن عقد العمل مثل الأجر والعطلة السنوية وشهادة الأجر بالنفاذ المعجل، دون باقي التعويضات الناتجة عن العمل غير المشروع للمشغل كإنهائه عقد الشغل، والتي يخضعها من حيث التنفيذ المعجل لأحكام الفصل 147 من ق.م.م لا لمقتضيات الفصل 285 من ق.م.م.
وفي هذا الاتجاه أكد المجلس الأعلى في قرار صادر عن الغرفة الاجتماعية بتاريخ 11/04/1995 : ” إن التعويضات عن الطرد التعسفي والإعفاء ليست ناشئة عن عقد العمل، وإنما هي ناشئة عن إخلال المشغل بعدم التعسف في الطرد، وبذلك فإن التنفيذ المعجل بقوة القانون طبقا للفصل 285 من ق.م.م لا يشملها، وإنما يشمل الحقوق المتفرعة والناتجة مباشرة عن عقد العمل مثل الأجرة والتعويضات العائلية”.
• الحكم الصادر في دعوى الاستحقاق الفرعية عند حجز العقار
تناول المشرع المغربي دعوى الاستحقاق الفرعية للعقار في الفصل 482 من ق.م.م بقوله : ” إذا ادعى الغير أن الحجز انصب على عقارات يملكها أمكنه لإبطال الحجز رفع دعوى الاستحقاق. يمكن رفع هذه الدعوى إلى حين إرساء المزايدة النهائية ويترتب عليها وقف مسطرة التنفيذ بالنسبة إلى الأموال المدعى فيها بالاستحقاق إذا كانت مصحوبة بوثائق يظهر أنها مبنية على أساس صحيح”.
والمحكمة عندما تنظر في دعوى الاستحقاق الفرعية إما أن يثبت لها أن الطلب جدي فتحكم بوقف إجراءات الحجز العقاري، وفي هذه الحالة يكون حكمها قابلا للتنفيذ طبقا للقواعد العامة، وإما أن يظهر لها عكس ذلك فتحكم برفض الطلب، أي بعدم وقف إجراءات الحجز العقاري، ويكون حكمها مشمولا بالتنفيذ المعجل طبقا لما يقضي به الفصل 483 من ق.م.م الذي جاء فيه: “وإذا اعتبرت المحكمة أنه لا موجب لوقف إجراءات الحجز العقاري كان حكمها مشمولا بالتنفيذ المعجل رغم كل تعرض أو استئناف”.
يقول الدكتور محمد السماحي : ” النفاذ المعجل المأمور به هنا هو نفاذ معجل بعدم توقف إجراءات التنفيذ الذي كان يتم عن طريق الحجز على العقار، أو بعبارة أخرى هو إيذان بالاستمرار في إجراءاته التي توقفت نتيجة رفع دعوى الاستحقاق على العقار، وهكذا فلن يؤثر في هذا التنفيذ أي طعن بالتعرض أو الاستئناف يستهدف الحكم الصادر في هاته الدعوى لأنه نفاذ معجل بقوة القانون”.
• الأحكام الصادرة في تعويضات حوادث السير
مراعاة للظروف الاجتماعية لضحايا حوادث السير ومصاريف العلاج ولمواجهة ما قد يصيب ذوي حقوقهم من أضرار نتيجة فقد معيلهم، فإن المشرع أعطى حماية قانونية سريعة لهذه الفئة، إذ رتب للأحكام الصادرة فيها نفاذا معجلا طبقا للفصل 5 من ظهير 08/07/1937 الذي جاء فيه: “ينفذ كل حكم يمنح بموجبه قسط ما للمصاب أو لمستحقي حقوقه، وذلك رغما عن الاستئناف وبدون إعطاء ضامن”.
ثانيا : النفاذ المعجل القضائي
بخلاف القسم الأول فإن هذا القسم لا يتصف بالحكم بل لا بد أن يذكره القاضي في حكمه، كما أنه لا يجوز أن يحكم به القاضي تلقائيا بل لا بد أن يطلبه الخصوم، وقد عرف بعض الفقه التنفيذ المعجل القضائي بأنه التنفيذ الذي تأمر به المحكمة في حكمها بناء على طلب الخصوم، ويجب المطالبة به في المقال الافتتاحي أو في مذكرة لاحقة قبل قفل باب المرافعة، على أنه لا يجوز إبداؤه لأول مرة أمام محكمة الاستئناف، وعلى المحكمة عند إجابتها لهذا الطلب أن تبين الأسباب التي بنت عليها حكمها بالتنفيذ المعجل.
ينقسم التنفيذ المعجل القضائي إلى نوعين : تنفيذ وجوبي وتنفيذ جوازي، ففي الحالة الأولى إذا طلب المحكوم له شمول الحكم بالنفاذ المعجل وجب على المحكمة أن تجيبه لطلبه رغم التعرض أو الاستئناف بدون كفالة، أما في الحالة الثانية فإنه إذا طلب المحكوم له شمول الحكم بالنفاذ المعجل كان للمحكمة أن تجيبه إلى طلبه أو ترفضه بحسب تقديرها لظروف كل قضية، وإذا أجابت المحكمة بالتنفيذ فلها أن تشترط الكفالة أو تعفي المحكوم له منها.
• التنفيذ المعجل الوجوبي
حدد المشرع حصرا في قانون المسطرة المدنية الحالات التي يجب فيها على المحكمة أن تشمل حكمها بالنفاذ المعجل فقد جاء في الفقرة الأولى من الفصل 147: ” يجب أن يؤمر بالتنفيذ المعجل رغم التعرض أو بالاستئناف دون كفالة إذا كان هناك سند رسمي أو تعهد معترف به أو حكم سابق غير مستأنف”.
• حالة السند الرسمي :
عرف المشرع المغربي الورقة الرسمية في الفصل 418 من ق.ل.ع بقوله : ” الورقة الرسمية هي التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد، وذلك في الشكل الذي يحدده القانون. وتكون رسمية أيضا: الأوراق المخاطب عليها من القضاة في محاكمهم. الأحكام الصادرة من المحاكم المغربية والأجنبية، بمعنى أن هذه الأحكام يمكنها حتى قبل صيرورتها واجبة التنفيذ أن تكون حجة على الوقائع التي تثبتها”.
فيما تناول المشرع في الفصلين 419 و420 من ق.ل.ع حجية الورقة الرسمية، فأعطاها حجة قاطعة حتى على الغير في الوقائع والاتفاقات التي يشهد الموظف العمومي بحصولها في محضره، وذلك إلى حين الطعن فيها بالزور، وتطبيقا لهذا النص جاء في قرار للمجلس الأعلى : ” لكن طبقا للفصل 419 من ق.ل.ع فإن الورقة الرسمية تعتبر حجة قاطعة في الوقائع التي يشهد الموثق بحصولها إلى أن يطعن فيها بالزور”.
ونظرا للضمانات القوية التي تقدمها الورقة الرسمية للأطراف والغير فإن بعض التشريعات كالتشريع الفرنسي أجازت تنفيذ المحررات الموثقة جبرا، حيث يقوم الموثق بمنح المتعاقد صورة تنفيذية بواسطتها يمكنه اللجوء مباشرة إلى مصلحة التنفيذ لاستيفاء حقه دون حاجة لاستصدار حكم قضائي بذلك شريطة أن تكون هذه الصورة مذيلة بالصيغة التنفيذية كتلك التي ترد في الأحكام، وأن يكون الدين معينا بدقة، وخاليا من كل نزاع.
أما بالنسبة للتشريع المغربي فقانون المسطرة المدنية لم يتعرض للتنفيذ الجبري بواسطة محررات الموثقين كما فعل المشرع الفرنسي، فينبغي على الأشخاص الحاملين لمحررات موثقة تثبت حقوقهم، اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم بتنفيذها.
• حالة التعهد المعترف به :
أوجب المشرع في الفقرة الأولى من الفصل 147 من ق.م.م على المحكمة أن تأمر بالتنفيذ المعجل رغم التعرض أو الاستئناف دون كفالة إذا كان هناك تعهد معترف به، وبذلك يكون موقف المشرع في قانون المسطرة المدنية منسجما مع موقفه في قانون الالتزامات والعقود، فبما أن المشرع رتب للورقة الرسمية نفاذا معجلا، فكان لابد من ترتيب نفس الأثر للورقة العرفية المعترف بها، والتي لها نفس قوة وحجية الورقة الرسمية طبقا للفصل 424 من ق.ل.ع الذي جاء فيه : ” الورقة العرفية المعترف بها ممن يقع التمسك بها ضده أو المعتبرة قانونا في حكم المعترف بها منه، يكون لها نفس قوة الدليل التي للورقة الرسمية في مواجهة كافة الأشخاص على التعهدات والبيانات التي تتضمنها..”.
وتطبيقا لهذا النص جرى العمل القضائي المغربي على شمول الأحكام بالنفاذ المعجل في حالة وجود سند معترف به غير مطعون فيه، من ذلك مثلا حكم ابتدائية مراكش بتاريخ: 19/09/2001 والذي جاء فيه : ” حيث إن الدين ثابت بمقتضى عقد السلف المعتبر بمثابة تعهد معترف به مما يكون معه طلب شمول الحكم بالنفاذ المعجل مبررا طبقا للفصل 147 من ق.م.م، ويتعين بالتالي الحكم به في حدود أصل الدين”.
إذن فالورقة العرفية لكي تبرر شمول الحكم بالنفاذ المعجل يجب أن يكون معترفا بها ممن يحتج بها ضده، والاعتراف لا يشترط فيه أن يكون صريحا بل يجوز أن يكون ضمنيا بعدم المنازعة في السند، حيث نص الفصل 431 ق.ل.ع على أنه : ” يجب على من لا يريد الاعتراف بالورقة العرفية التي يحتج بها عليه، أن ينكر صراحة خطه أو توقيعه. فإن لم يفعل، اعتبرت الورقة معترفا بها.”
أما إذا أنكر الملتزم بالورقة خطه أو توقيعه، فإنه يتعين والحالة هذه على المحكمة أن تأمر بمسطرة تحقيق الخطوط، فإذا ثبت لها من تحقيق الخطوط أن السند موقع ممن أنكره وجب عليها أن تجعل حكمها مشمولا بالنفاذ المعجل، وإن ظهر لها العكس صرفت النظر عن الوثيقة.
لكننا نشير إلى أن اعتراف الخصم بخطه أو بتوقيعه لا يفقده حق الطعن في الورقة بوسائل الطعن الأخرى المتعلقة بالموضوع أو الشكل كالدفع بالبطلان وباقي الأسباب الواردة في الفصل 419 من ق.ل.ع الذي جاء فيه : ” الورقة الرسمية حجة قاطعة، حتى على الغير في الوقائع والاتفاقات التي يشهد الموظف العمومي الذي حررها بحصولها في محضره وذلك إلى أن يطعن فيها بالزور. إلا أنه إذا وقع الطعن في الورقة بسبب إكراه أو احتيال أو تدليس أو صورية أو خطأ مادي فإنه يمكن إثبات ذلك بواسطة الشهود وحتى بواسطة القرائن القوية المنضبطة المتلائمة دون احتياج إلى القيام بدعوى الزور. ويمكن أن يقوم بالإثبات بهذه الكيفية كل من الطرفين أو الغير الذي له مصلحة مشروعة.”
• حالة الحكم السابق غير المستأنف
أشارت إلى هذه الحالة الفقرة الأولى من الفصل 147 من ق.م.م حينما أوجبت شمول الحكم بالنفاذ المعجل عند وجود حكم سابق غير مستأنف.
ويشترط لتوافر هذه الحالة ثلاثة شروط، الأول أن يكون الحكم المراد شموله بالنفاذ المعجل مبنيا على الحكم السابق، أي أن يكون الحكم السابق حجة في إثبات الواقعة المنشئة للحق المدعى به في الدعوى التي صدر فيها الحكم الجديد، ومن أمثلة ذلك الحكم على المشتري برد العين المبيعة للبائع بعد سبق الحكم بفسخ العقد، والحكم بتسليم الشيء المبيع تنفيذا للحكم السابق القاضي بإتمام إجراءات البيع، والشرط الثاني أن يكون الحكم السابق غير مستأنف، وقصد المشرع من هذا الشرط أن يكون الحكم السابق قابلا للتنفيذ، سواء طعن فيه بالاستئناف وتم تأييده أو التصريح بعدم قبول الاستئناف، أو كان انتهائيا لا يقبل الاستئناف، والشرط الثالث أن يكون المحكوم عليه في الحكم الجديد خصما في الخصومة التي صدر فيها الحكم السابق، أي أن يكون كل من الحكمين حجة للمحكوم له في مواجهة المحكوم عليه.
• التنفيذ المعجل الجوازي
إذا كان المبدأ العام أن المحكمة تملك سلطة تقديرية في منح النفاذ المعجل القضائي بحسب ظروف وملابسات كل قضية فإن هذه السلطة التقديرية تعطل بنص صريح يمنع شمول الحكم بالنفاذ المعجل أو بمقتضى منع ضمني.
نص المشرع في الفقرة الثانية من الفصل 147 من ق.م.م : “يجوز دائما الأمر بالتنفيذ المعجل بكفالة أو بدونها حسب ظروف القضية التي يجب توضيحها”.
فهذه الفقرة أعطت للمحكمة سلطة تقديرية مطلقة في شمول الحكم بالنفاذ المعجل أو رفضه، وفي تعليقه على كفالة أو بدونها، فالواضح أن المشرع المغربي أضفى ليونة كبيرة على مسطرة منح النفاذ المعجل الجوازي، حيث أعطى للقاضي سلطة تقديرية خالية من أية قيد تقريبا، إلا ما كان من ضرورة توضيح ظروف النازلة، ذلك أنه يتعين على المحكمة أن تبين دائما في الحكم الأسباب التي اعتمدتها في حكمها، لكن غالبا ما يكون السبب هو حاجة الاستعجال أو السرعة في التنفيذ، أو قوة سند الحق المحكوم به حيث يستخلص المشرع من هذا احتمال تأييد الحكم إذا طعن فيه بالاستئناف، وبالتالي رجحان الحق في التنفيذ الجبري، وكل اعتبار من هذين الاعتبارين يبرر شمول الحكم بالنفاذ المعجل.
حالة المنع الصريح لشمول الحكم بالنفاذ المعجل
جاء في الفصل 361 من ق.م.م : ” لا يوقف الطعن أمام محكمة النقض التنفيذ إلا في الأحوال الآتية:
1 – في الأحوال الشخصية؛
2 – في الزور الفرعي؛
3 – التحفيظ العقاري.
يمكن علاوة على ذلك للمحكمة بطلب صريح من رافع الدعوى وبصفة استثنائية أن تأمر بإيقاف تنفيذ القرارات والأحكام الصادرة في القضايا الإدارية ومقررات السلطات الإدارية التي وقع ضدها طلب الإلغاء”.
المشرع المغربي وضع من خلال هذا النص مبدأ عاما وهو أن الطعن بالنقض لا يوقف التنفيذ أيا كانت النتائج التي يمكن أن تترتب على هذا التنفيذ، وقد استثنى الفصل361 ثلاث حالات من هذه القاعدة وجعل تقديم مقال النقض ضدها يوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه، وذلك نظرا لخطورة تنفيذ الأحكام الصادرة في هذه الحالات وما يترتب عن تنفيذها من أخطار، يستحيل إزالة آثارها بعد التنفيذ. فيكون من باب أولى وأحرى أنه لا يمكن شمول الحكم الصادر في هذه الحالات بالنفاذ المعجل ما دام أن النقض وهو طعن غير عادي يوقف تنفيذ الأحكام الصادرة فيها.
قضايا الأحوال الشخصية : وهو ما يتعلق بدعوى النسب أو صحة الزواج أو فساده، أو إرجاع المرأة المدعى عليها إلى بيت الزوجية، أو دعوى التطليق.
قضايا الزور الفرعي : فإذا طعن بالزور الفرعي في وثيقة معينة امتنع على محكمة الدرجة الأولى أن تشمل حكمها بالنفاذ المعجل ما دام الطعن بالنقض نفسه يوقف التنفيذ في هذه الحالة، ويشترط لإعمال هذا الأثر أن يكون الفصل في موضوع النزاع متوقفا على الوثيقة المطعون فيها بالزور، أما إذا لم يكن الأمر كذلك فإن القاضي يصرف النظر عن هذا المستند طبقا للفصل 92 من ق.م.م، وبالتالي لا مانع من شمول الحكم بالنفاذ المعجل.
قضايا التحفيظ العقاري : مرحلة التحفيظ العقاري هي مرحلة ولادة عقار جديد بالنسبة لملكية العقار، تطهره من جميع الحقوق التي كانت عليه قبل التحفيظ، وبذلك كان من الضروري أن يوقف تنفيذ القرار الصادر في قضايا التحفيظ إذا ما طلب نقضه إلى حين بت محكمة النقض، لأنه في حالة ما إذا نفذ القرار وأرجع الملف إلى المحافظ العقاري وأعطى للعقار موضوع النزاع رسما عقاريا، ثم نقضت محكمة النقض القرار المطعون فيه الذي أنشئ بموجبه الرسم العقاري، فإن حقوق الذي صدر الطعن لصالحه تضيع كليا في العقار تبعا لقاعدة التطهير ولا يصبح له إلا الحق في التعويض.
📗 خلاصة الباب
- التنفيذ المعجل هو تنفيذ الحكم رغم قابليته للطعن، إما بقوة القانون في حالات معينة أو بأمر من المحكمة، لمواجهة خطر تعطيل الحق بسبب طول أمد التقاضي.
اترك تعليقاً