📖 المسطرة المدنية — الفصل 25 من 26 — فهرس الكتاب
مدخل
لم يقتصر المشرع المغربي على تناول الحجز التنفيذي والحجز التحفظي بالتنظيم، وإنما خصص عدة فصول لنوعين آخرين من الحجوزات يتمثلان في الحجز الارتهاني والحجز الاستحقاقي، والملاحظ أن تنظيم الحجزين المذكورين إنما قام به المشرع لضمان حقوق دائنين من نوع خاص، ففتح الباب أمام المكري ليمارس الحجز الارتهاني ضمانا للأكرية التي يستحقها، كما سمح لكل من يدعي ملكية أو حيازة أو ضمانا على شيء منقول في حيازة الغير بمباشرة الحجز الاستحقاقي تجنبا لتلف هذا الشيء.
أولا : الحجز الارتهاني
المشرع المغربي لم يعرف الحجز الارتهاني بل ترك ذلك للفقه والقضاء وخصص له ثلاثة فصول فقط 497 و 498 و 499 من ق.م.م، وحسب بعض الفقه فإن الحجز الارتهاني حجز خاص وهو إجراء تحفظي وتنفيذي في نفس الوقت يتمكن من خلاله المالك والمتنفع والمكري الأصلي للعقار أو الأرض الفلاحية من حجز وبيع بعد الحكم المنقولات المتواجدة بالعقار المكرى أو الأرض المكراة والتي يقع عليها حق الامتياز لصالحه طبق للمادة 1250 ق.ل.ع كما يقع الحجز الارتهاني أيضا على المنقولات التي نقلها من العقار المكرى بدون رضى المكري.
جاء في الفصل 497 :” يمكن للمكري بصفته مالكا أو بأية صفة أخرى لعقار أو أرض فلاحية كلا أو بعضا أن يعمل بإذن من رئيس المحكمة الابتدائية على إيقاع حجز ارتهاني لضمان الأكرية المستحقة والأمتعة والمنقولات والثمار الكائنة في ذلك العقار المكرى أو الموجودة بهذه الأرض”.
شروط الحجز الارتهاني
• أن يكون طالب الحجز مُكريا
بالرجوع إلى الفصل 497 من ق.م.م نجده ينص على أنه يمكن للمكري أن يوقع حجزا ارتهانيا على الأكرية المستحقة والامتعة والمنقولات الموجودة في العقار المكرى، فأهم الشروط الموضوعية اللازمة لإيقاع الحجز الارتهاني هي أن يكون طالبه مُكريا كما أن المحجوز عليه لا يمكن أن يكون سوى المكتري.
وبالرجوع إلى قانون الالتزامات والعقود نجد أن عقد الكراء لا يرتب آثاره إلا إذا كان قائما صحيحا ومستوفيا لكافة أركانه وشروط صحته، أما في المجال المسطري فإنه ليس هناك ما يمنع من أن تستجيب المحكمة أو الجهة المختصة لطلب إيقاع الحجز الارتهاني إذا أدلى الطالب في طلبه أنه المكري وأن ضمان المستحقات الكرائية تستلزم تقديم مثل هذا الطلب وما على المراد الحجز على أمواله أو أمتعته إلا أن يدفع ببطلان العقد، وبالتالي انعدام صفة المُـكري للقيام بهذا الإجراء.
• أن ينصب الحجز على المنقولات
إن أهم ملاحظة يمكن إبداؤها على الفصل 497 في أن المشرع لم يتحدث إطلاق عن إمكانية إيقاع الحجز الارتهاني على العقارات التي يمكن للمكتري أن يمتلكها، ومن ثم فهذا النوع من الحجوزات يقتصر فقط على المنقولات بشتى أنواعها سواء كانت في شكل أمتعة أو منقولات أو ثمار كائنة في العقار المكرى أو موجودة في الأرض محل الكراء، سواء كانت أثاثا أو للاستعمال الزراعي.
يترتب على الحجز الارتهاني الذي هو في الاصل حجز تحفظي أن يصير حجزا تحفظيا، هذا الحجز يتحقق بناء على أمر من رئيس محكمة الدرجة الاولى التي يعود لها الاختصاص الترابي بالنظر إلى موقع العقار المكرى، ويتم إصدار هذا الأمر بناء على طلب المكري الدائن، ويتم تعيين المكتري حارسا قضائيا على المنقولات التي تم حجزها.
ويتعين أن يتم بعد إصدار الأمر المذكور المصادقة على الحجز من طرف محكمة الموضوع في إطار دعوى يرفعها المكري الدائن، ويترتب على المصادقة على الحجز تحويل الحجز الارتهاني الذي هو عبارة عن حجز تحفظي إلى حجز تنفيذي، وكنتيجة لذلك يتم بيع المنقولات المحجوزة في المزاد العلني وتخصص الاموال المحصلة لأداء الديون المتراكمة في ذمة المدين المحجوز عليه.
يجرى هذا الحجز الارتهاني إذن بطلب من المُكري ويقدم إلى رئيس المحكمة الابتدائية وبنفس الشكليات التي يجري بها الحجز التنفيذي، ويمكن أن يعين المحجوز عليه حارسا، وهذا يبدو طبيعيا نظرا لكون الأشياء لم تتغير من مكانها، وكما رأينا سابقا فإن الحجز التنفيذي يتم بناء على أمر يصدره رئيس المحكمة الابتدائية بصفته تلك، لكن الحجز الارتهاني يتم بإذن من الرئيس ذاته، والإذن كما هو معلوم يختلف عن الأمر، فالأمر إما قضائي أو ولائي في حين أن الإذن أقرب إلى الطبيعة الإدارية، ومن ناحية أخرى يتميز الحجز الارتهاني وخلافا للحجز التنفيذي بخصوصية في غاية الأهمية، وهي أن التنفيذ على الأشياء المحجوزة ببيعها لا يتم تلقائيا بعد استكمال الإجراءات المنصوص عليها قانونا، بل لا بد من تصحيح هذا الحجز، والتصحيح كما هو واضح من خلال الفقرة الأخيرة من الفصل 499 من ق.م.م يتم بواسطة حكم موضوعي تصدره المحكمة الابتدائية.
آثار الحجز الارتهاني
بما أن الحجز الارتهاني يرد على المنقولات وفق ما ينص عليه الفصلان 497 و 498 من ق.م.م فإن أثاره ستكون هي نفس أثار الحجز التنفيذي على المنقول ما دام أن الفصل 499 يحيل على قواعد الحجز التنفيذي.
جاء في الفصل 499 : ” يطلب الحجز الارتهاني بمقال وفقا لإجراءات الحجز التنفيذي ويمكن تعيين المحجوز عليه حارسا. غير أنه لا يمكن بيع الأشياء المحجوزة إلا بعد تصحيح الحجز الارتهاني بحكم من المحكمة الابتدائية للمحل الذي أقيم فيه الحجز وبعد استدعاء المدين بصفة قانونية.”
ثانيا : الحجز الاستحقاقي
نظم المشرع المغربي الحجز الاستحقاقي في الفصول من 500 إلى 503 من ق.م.م، وهذا يعني كما هو الحال بالنسبة الارتهاني أن الحجز الاستحقاقي لم يحظ بتنظيم تشريعي متكامل بل مقتضب، الأمر الذي يستوجب الرجوع إلى القواعد العامة المنظمة للحجز التحفظي والتنفيذي.
الحجز الاستحقاقي هو من الحجوز التحفظية الهدف منه وضع مجموعة من المنقولات التي يخشى ضياعها بين يدي القضاء، كالمكري لأصل تجاري في إطار عقد التسيير الحر قبل نهاية مدته، فالمكري يمكن له في حالة ما إذا نقلت الأشياء التي لها حق التتبع أو خاف عليها من الضياع، أن يتقدم إلى رئيس المحكمة في نطاق الأمر بناء على طلب وضع هذه الأشياء تحت يد حارس إلى نهاية النزاع مع بيان هذه المنقولات، مدعيا استحقاقها وسبب الحجز عليها.
شروط الحجز الاستحقاق
نص الفصل 500 من ق.م.م على أنه : ” يمكن لكل شخص يدعي حق ملكية أو حيازة قانونية أو ضمانا على شيء منقول في حيازة الغير أن يعمل على وضع هذا الشيء تحت يد القضاء تجنبا لتلفه. يجب أن يقدم المقال إلى رئيس المحكمة الابتدائية للمحل الذي يتعين إجراء هذا الحجز فيه.
يجب أن يبين المقال ولو على وجه التقريب المنقولات المدعى استحقاقها وأسباب الحجز وتعيين الشخص الذي يلزم أن ينصب عليه عنده. يصدر رئيس المحكمة الابتدائية أمرا يأذن فيه بالحجز ويبلغ إلى حائز الأشياء ضمن الطرق العادية.”
يظهر أن أهم شرط أساسي لمباشرة الحجز الاستحقاقي أن يكون الشخص الطالب للحجز مدعيا الملكية أو حيازة قانونية أو ضمانا عينيا على شيء منقول في حيازة الغير.
يتعلق الأمر بإجراء تحفظي للحفاظ على حق قبل المطالبة بإرجاع الشيء الذي يخشى ضياعه، فيتعلق الأمر إذن بـتتبع بكل معنى الكلمة في مادة المنقولات، يمكن أن تثار هذه الدعوى ليس فقط من طرف مالك الشيء بل كذلك من طرف دائن مرتهن أو بصفة عامة من طرف كل شخص كانت له الحيازة القانونية لشيء مختلس، كما يمكن أن يكون موضوع الحجز الاستحقاقي شيئا ضائعا أو مسروقا وموجودا بين يدي حائز عادي أو حائز سيء النية، يمكن أن نجيز كذلك دعوى البائع ضد المشتري الذي تسلم الشيء المباع دون أداء ثمنه بنية الإضرار بالبائع.
كما أنه وحسب الفقرة الأولى من الفصل 500 من ق.م.م، يمكن لكل شخص يدعي ضمانا على شيء منقول في حيازة الغير أن يباشر الحجز الاستحقاقي، والمشرع يقصد بالأساس وعلى وجه التحديد الضمان المتعلق بشيء منقول في حيازة الغير، وتبعا لذلك تستبعد الادعاءات المتعلقة بضمانات الأشياء العقارية.
الإجراءات المتطلبة في الحجز الاستحقاقي
ينص الفصل 500 على أنه: ” يجب أن يقدم المقال إلى رئيس المحكمة الابتدائية للمحل الذي يتعين إجراء هذا الحجز فيه. يجب أن يبين المقال ولو على وجه التقريب المنقولات المدعى استحقاقها وأسباب الحجز وتعيين الشخص الذي يلزم أن ينصب عليه عنده. يصدر رئيس المحكمة الابتدائية أمرا يأذن فيه بالحجز ويبلغ إلى حائز الأشياء ضمن الطرق العادية”.
يستنتج من هذا الفصل أن طلب إيقاع الحجز الاستحقاقي يتم بواسطة مقال يقدم إلى رئيس المحكمة الابتدائية المختصة، وهذا يفيد أن مثل هذا الطلب لا يمكن أن يسلك المسطرة الشفوية، بل لا مناص من الالتزام بالمسطرة الكتابية، ويمكن أن تثار هذه الدعوى ليس فقط من طرف مالك الشيء بل كذلك من طرف دائن ارتهاني أو بصفة عامة من طرف كل شخص كانت له الحيازة القانونية للشيء.
وأضافت الفقرة الثالثة بيانات خاصة مرتبطة بطبيعة طلب الحجز الاستحقاقي ويتعلق الأمر بالمنقولات المدعى استحقاقها وأسباب الحجز وتعيين الشخص الذي يلزم أن ينصب عليه عنده.
هكذا نجد أن المشرع حسم الأمر وأن يتعلق بالمنقولات دون العقارات.
الفقه المغربي يجد أن هذا المنحى غير سليم لأن حق الملكية والحيازة والضمانات العينية ترد على العقارات كما ترد على المنقولات، بل إنها أكثر أهمية متى تعلق الامر بالعقارات، لذلك فإن الاقتصار على المنقولات سيؤدي إلى حرمان أصحاب الحقوق العقارية من ممارسة مثل هذا النوع من الحجوز.
بعد توصل الرئيس بالمقال وفحص جوانبه، يصدر أمره القاضي بإذن الحجز الواجب تبليغه لحائز الأشياء وفق الطرق العادية المنصوص عليها في الفصول 37 و 38 و39 من قانون المسطرة المدنية.
آثار الحجز الاستحقاقي
من خلال دراسة الحجز التنفيذي يلاحظ أن القواعد المطبقة عليه أو التي يخضع لها الحجز التنفيذي هي نفسها التي يخضع لها الحجز الاستحقاقي، ومن تم فإن أثار الحجز الاستحقاقي هي نفسها أثار الحجز التنفيذي على المنقول، ولو أن المشرع وهو يتحدث عن أثار الحجز الاستحقاقي يبدو أنه يقصد التنفيذ على الأشياء المنقولة دون العقارية، لكن عند تفسير الفصل 502 من ق.م.م يمكن القول أن العبارة جاءت عامة وهو ما يمكنه معه القول أن المشرع لا يقصد حجز المنقولات فقط وإنما كذلك العقارات.
وبالرغم من ان الحجز الاستحقاقي يخضع لنفس القواعد المطبقة على الحجز التنفيذي إلا أنه لا بد من وجود خصوصيات تميزه عنه، وبالاطلاع على المادة 503 من ق.م.م نجدها تنص على أنه : ” يثبت حكم التصحيح حق مدعي الاستحقاق إذا اعتبر أن الطلب مبني على أساس ويأمر برد الأشياء المنقولة إليه. يصدر الحكم انتهائيا أو ابتدائيا وفق القواعد العادية للاختصاص باعتبار قيمة الأشياء المدعى استحقاقها.”
إذن فأهم أثر يترتب على الحكم القاضي بتصحيح الحجز هو إرجاع الأشياء المنقولة بشرط أن يكون الطلب المقدم مبني على أساس حسب الفصل 503 من ق.م.م، وهذا يدخل في إطار القاعدة العامة المتمثلة في إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، مع شرط مهم وهو أن الحكم لا يرتب أثره إلا إذا كان الطلب الذي قدمه المأذون له بالحجز مبنيا على أساس.
📗 خلاصة الباب
- الحجز الارتهاني إجراء تحفظي خاص يخول الدائن حق حبس منقولات مدينه ضمانا لدينه، بينما الحجز الاستحقاقي وسيلة لاسترداد منقول مملوك للحاجز موجود بيد الغير.
◀ الفصل السابق: الحجز لدى الغير ( الفصول 488 إلى 496 )
الفصل التالي: المساطر الخاصة بالاستعجال (148-165) ▶
اترك تعليقاً